.
.
.
.

بعد صور المستشفى.. ماذا سيحدث "لو خرج من قبره" بدمشق؟

سامي مبيّض، مؤرخ وصحافي سوري، أطلق الثلاثاء، صرخة تحذير، من مظهرين يسهمان بتشويه تراث دمشق الثقافي

نشر في: آخر تحديث:

ثلاثة مشاهد، تعمل على الإطاحة بما تبقى من تراث مدينة دمشق الثقافي، الأول بتغيير أسماء شوارع جنوب دمشق، بأسماء إيرانية، وثانيها، تنفيذ رسومات ملونة، بدعم من مؤسسات في النظام السوري، على جدران دمشق العتيقة التي يفترض أن تحافظ على ذاكرتها البصرية التاريخية، والثالث، إهمال وتشويه يفضي إلى تحويل واحد من أقدم مستشفيات دمشق القديمة والتي تم بناؤها أوائل القرن السابع الهجري، إلى مخزن عشوائي للخضار تتناثر على جنباته الأوساخ والمهلات والأوحال.

أقدم مستشفى مخزناً للخضار

وفي التفاصيل، أطلق سامي مبيّض، مؤرخ وصحافي سوري، الثلاثاء، صرخة تحذير، من مظهرين يسهمان بتشويه تراث دمشق الثقافي، الأول، بالرسومات على جدران دمشق القديمة، بما يشوه إطارها التاريخي والتراثي، والثاني، بما حلّ، في الفترة الأخيرة، بأقدم مستشفى أسس منذ قرون، وقام بنشر صورتين، في هذا السياق، أحدثتا صدمة على نطاق واسع، للحال التي أصبح عليها، مستشفى أو "مارستان القيمري" إلى مكبّ لأوساخ الخضار، كما تظهر الصور، أو كمستودع عشوائي للخس والفاصولياء والخضار، بحسب المؤرخ.

"مارستان" أو مستشفى القيمري، هو الأقدم، في منطقة الصالحية الدمشقية، وشيّد بأوائل القرن السابع الهجري، ويعتبر جزءاً أصيلاً من تراث مدينة دمشق، تحوّل الآن، إلى مستودعات عشوائية لأصناف خضروات كالخس والفاصولياء، يستخدمها عامة الناس، وسط تجاهل غير مسبوق، من مؤسسات النظام السوري.

وكان النظام السوري، حتى خمسينيات القرن الماضي، يقوم بتعيين طبيب، في مستشفى القيمري، يقدم العلاج المجاني للمرضى، بما يتفق مع الأساس التاريخي لهذا البناء، والذي هو وقف لمعالجة المرضى، وبالمجان.

هذا هو الأمير الكردي وتلك هي مستشفاه

وبحسب المراجع التاريخية التي اطلعت عليها "العربية.نت" كـ"البداية والنهاية" لابن كثير، المتوفى سنة 774هـ، و"شذرات الذهب في أخبار من ذهب" لابن العماد الحنبلي الدمشقي (1032-1089ه) و"القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية" لابن طولون، سنة 953هـ، فإن المارستان المذكور، بناه واحد من أشهر أمراء الكرد، في تلك الآونة، ويدعى الأمير سيف الدين أبو الحسن بن يوسف بن أبي الفوارس بن موسك القيمري الكردي، ويصف ابن كثير علوّ منزلته وشأنه الرفيع، بأن الأمراء تقف بين يديه "كما تُعامَل الملوك".

كما يعرف من خلال السرد التاريخي والتراجم، في المصادر السابقة، بأن حي "القيمرية" الدمشقي العريق، قد اكتسب اسمه، من القيامرة، وهم من أمراء الكرد من منطقة "قيمر" وأصلهم من الموصل العراقية وما جاورها صعوداً باتجاه أرض أرمينيا، وكان مؤسس مارستان القيمري والذي تحول إلى مخزن خضار وأرض مهملاتها وأوحالها، في الصالحية، واحداً من أشهرهم، وتوفd سنة 654 هـ.

وأوضحت المصادر التاريخية أسلوب بناء مارستان "القيمري"، بما يسهّل تقديمه الخدمات المجانية للمرضى، ففيه قاعات مخصصة لأمراض معينة كأمراض العين والبطن، بحسب ابن طولون الدمشقي، وإلى جانبه مطبخ مخصص لخدمة المرضى، كما كان يضم قاعة مخصصة لأولئك المصابين بأمراض نفسية أو عقلية، وكانت تسمى "قاعة المجانين".

رسومات ملوّنة على جدران تراثية!

المارستان المذكور، تحول إلى "خرابة" بكل معنى الكلمة، وما حصل به من تشويه وتخريب "هل له أي علاقة له بالحرب؟!"، بحسب استهجان واستياء المؤرخ المبيض في تدوينته التويترية الاحتجاجية، الثلاثاء الماضي.

في غضون ذلك، كانت ضجت المواقع الإخبارية، بالموافقات التي منحها النظام السوري، لتنفيذ رسومات على جدران بعض الأحياء الدمشقية العريقة، كحي التيامنة العريق، بحجة أنه "تجميلي وحضاري" كما نقل عن إدارة محافظة دمشق، فيما انصبت الاحتجاجات، على أن تلك الرسومات الملونة، تشوّه الذاكرة الثقافية للمكان. وتذرعت محافظة دمشق، بأن حي التيامنة ليس مدرجاً على قوائم اليونسكو، كما أنه من خارج سور دمشق العريق، بحسب ما نقله المؤرخ المبيض.

تسميات إيرانية جنوب العاصمة السورية

إلى ذلك سبق "تشويه" بعض أحياء دمشق العريقة، وتحويل أقدم مستشفياتها التاريخية، في منطقة الصالحية، إعادة تسمية بعض شوارع جنوب دمشق، بأسماء إيرانية، كإحدى صور قوة نفوذ طهران وانتشارها، داخل النظام السوري، على المستويات العسكرية والاجتماعية والثقافية.

وبحسب "الشرق الأوسط" اللندنية، أواخر ديسمبر الماضي، فإن منطقة "السيدة زينب" جنوب العاصمة السورية دمشق، توحي "كما لو أنها أصبحت منطقة إيرانية" بعدما باتت التسميات الإيرانية، لبعض شوارعها الرئيسية والفرعية والمحال والفنادق، تغلب التسميات العربية، بحسب المصدر السابق.

لو خرج هذا الشخص من قبره!

وكان المؤرخ سامي المبيض، والذي سبق له العمل باحثاً زائراً في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وله عدة مؤلفات منشورة عن التاريخ السياسي السوري الحديث والمعاصر، قد قال في تغريدته، الثلاثاء، إن الأمير الذي أسس مستشفى القيمري، لو خرج من قبره، وشاهد الصور التي تظهر مستشفاه على أنه مستودع للخس والفاصولياء والسبانخ، لقال: "الويل لأمّة، تستبدل مستشفياتها، بسوق الهال!".

يذكر في هذا السياق، أن سوق الهال، هو التسمية السورية الدارجة، لسوق الخضار والفاكهة.