.
.
.
.

قصّة لقاء مُعلّم مصري بطلابه اليمنيين بعد 29 عاماً

نشر في: آخر تحديث:

للحروب مآسٍ وكوارث، وقصص لا تنتهي عن فراق الأحبة وتشريد الأسر والعائلات وتشتّت شملهم، لكن في هذه القصة كانت للحرب منافعُ أخرى، فقد جمعت شمل معلّم مصري بطلابه بعد فراق دام 29 عاماً.

القصة بدأت في سبتمبر من العام 1985، حين سافر المعلم المصري الشاب محمد عبد النعيم الكومي إلى اليمن للعمل كمعلّم معار من الأزهر الشريف، وهناك عمل في مدرسة ابن خلدون في منطقة الصفا جنوب العاصمة اليمنية صنعاء.

المعلّم المصري الذي ينحدر من مدينة دار السلام بمحافظة سوهاج جنوب مصر، يروي القصة لـ"العربية.نت"، ويقول: أقمتُ في منطقة الصفا جنوب صنعاء، وتعرفت على العديد من أولياء أمور الطلاب وأسرهم، ونشأت بيننا صداقة عميقة وقوية، كما ارتبطتُ بالتلاميذ الصغار، مضيفاً: من شدة ارتباطي بالطلاب وأسرهم، و عشقي للثقافة اليمنية، كنت أعيش كيمني، أطهو طعامي على الطريقة اليمنية، وأرتدي الأزياء اليمنية المعروفة.

فراق وآمال

مكث الكومي في اليمن حتى العام 1990 حيث انتهت إعارته، ويقول إن يوم الفراق والرحيل من اليمن كان صعباً ومؤلماً وقاسياً عليه، لكنها طبيعة الحياة وتبعات الظروف التي كانت تقتضي رحيله، مضيفاً أنه كان لديه أمل في أن يظلّ على تواصل مع من ارتبط بهم عن طريق البريد والاتصالات الهاتفية.

ويضيف المعلّم المصري قائلا: "مرّت السنين وتباعدت المسافات، وحاصرت الجميع مشاغل ومشكلات الحياة، وانقطعت الاتصالات بيني وبين طلابي وأسرهم وجميع أصدقائي اليمنيين، لكن مع بداية العام 2013 كانت هناك لحظة فارقة وخيط جديد، فتح لي باباً لعودة الأمل في التواصل مع طلابي وأصدقائي القدامى".

ويضيف: "في ذلك العام اقتحمتُ عالم الفضاء الإلكتروني، وخضت تجربة الانضمام لموقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، واشتعلتْ الأوضاع في اليمن، وخرجَ منها البعض مهاجراً ولائذاً إلى مصر، فاستغليت ذلك وبدأت رحلة بحث طويلة على الفيسبوك عن أصدقاء الأمس، وخلال شهور فشلت في التوصل لأحد".

مسؤول البريد يصل الحبل

يتنهّد المعلم المصري قليلاً، ويقول: "أخيراً توصلت لنجل عبد الحكيم بن يحيى -صديقه السابق ومسؤول البريد في المنطقة التي كان يقيم فيها- ومنه توصلت لوالده الشيخ عبد الحكيم، وعلمت أنه في مصر، وزرته في المستشفى مؤخرا في مرضه الأخير، وشاركت في تشييع جنازته ومرافقة الجثمان لمطار القاهرة، تمهيداً لنقله إلى اليمن ودفنه هناك".

ويتابع: "من خلال الشيخ عبد الحكيم تواصلت مع الباقين من أصدقائي وطلابي، الذين قادتهم الأوضاع في اليمن إلى المجيء للقاهرة والإقامة فيها، وكنت أقطع مسافة 600 كيلومتر، من سوهاج إلى القاهرة، ومقابلتهم وقضاء وقت طويل معهم، أستعيد فيه الذكريات الجميلة وأطمئن على أحوالهم في مصر".

ويكمل: "تمكنت من الوصول لأغلب طلابي اليمينين، الذين مازالوا يقيمون في اليمن عبر "الفيسبوك"، وتحدثت معهم بالساعات عبر الماسنجر، وتبادلت معهم الصور والفيديوهات، أما طلابي الذين يقيمون في القاهرة فأتواصل معهم بالهاتف يوميا، وأزورهم كل شهرين أو ثلاثة، وأقضي أسبوعا كاملاً، نخرج فيه جميعا للتنزه والتقاط الصور التذكارية".

اتصال من سمسار

من جانبه يقول الصحافي اليمني محمد مارش أحد طلاب المعلم المصري لـ"العربية.نت"، إن المعلّم المصري كان قلقاً عليهم بسبب انقلاب الحوثي، وما سمعه وشاهده من جرائم قتل ونهب وتخريب وحرق يرتكبها وميليشياته في اليمن، مضيفاً أن أول لقاء له مع معلّمه كان مؤثراً.

ويضيف، أنه عقب وصوله إلى القاهرة كان يبحث عن شقة للإقامة فيها، وتواصل مع سماسرة ووسطاء للبحث عن شقة، وفي أحد الأيام، ورده اتصال فاعتقد أنه أحدهم فأغلق الهاتف، بعد أن طلب منه أن يحدّثه في وقت آخر، مشيراً إلى أنه فوجئ بعدها باتصال من شقيقته في اليمن تطلب منه الرد على الهاتف وعلى هذا الرقم، ثم تلقى عليه بمفاجأة، وهي أن المتصل هو معلمه المصري محمد عبد النعيم الكومي وليس أحد السماسرة.

ويتابع مارش أنه على الفور اتصل بمعلمه مقدما له كل عبارات الاعتذار والأسف، وحاول إقناعه أن يسمح له بالذهاب إليه في مسقط رأسه في سوهاج، لكنه فشل، مضيفاً أنه فوجئ بعد أيام بمعلمه يأتي إلى القاهرة ويتصل به، وكان هذا هو اللقاء الأول بينهما.

ويضيف أن اللقاءات بينه وبين زملائه ومعلمهم توالت وأصبحت دورية، والتواصل بينهم عبر الهاتف يتم بشكل يومي، مؤكداً أنهم أصبحوا أسرة واحدة.

ويقول مارش: لقد عاد الدفء لحياتي وحياة زملائي جميعا في ظل وجود معلمهم، فقد أصبحوا يشعرون أنهم مازالوا في اليمن، ويعيشون بين أقرانهم وأسرهم التي تفرقت بسبب انقلاب الحوثي، وعوض غيابهم وجود معلمهم المصري.