.
.
.
.
خاص

رسام كاريكاتير يمني لـ"العربية.نت": أمارس مهنة خطرة مثل حقل ألغام

الكاريكاتير في اليمن مهنة خطيرة تعرض حياة الرسام للقتل أو التنكيل أو السجن القسري بلا تهمة

نشر في: آخر تحديث:

في بلاد تختطف الصحافيين، تقمع حرياتهم تهديداً، وتزجهم في أقبية أشد السجون حلكة، وأحياناً يتعرضون لعمليات تصفية وإبادة ممنهجة على الطريق العام، بلاد مرتهنة تأكل مبدعيها، تغتال الكلمة برصاصة غادرة، تفخخ الرسوم ومواد الفن بعبوات ناسفة، تكمم أفواه فنانين وتشكيليين تخنق أصواتهم عن التعبير والتأثير دون أيما وازع قيمي أو أدنى اعتبارات إنسانية. تماماً كما يؤكده رسام الكاريكاتير اليمني محمد أحمد كنيد من أبناء مدينة حضرموت اليمنية، مشيراً إلى أن الكاريكاتير مهنة خطيرة تعرض حياة الرسام للقتل أو التنكيل أو السجن القسري بلا تهمة في أغلب الأحيان، خصوصاً الكاريكاتير السياسي الذي يتضمن مادة فنية ساخرة، تنتقم وتنتقص من جبروت الطاغي، تنتقد سلوكاً وتصرفاً، تحث أشخاصاً نافذين أو جهات على الرجوع إلى الصواب والكف المطلق عن ممارسة الظلم.

وأوضح كنيد في حواره لـ"العربية" أن الكاريكاتير فن يجرح ويداوي في نفس الوقت، من دون أن يخفي حجم التهديد الذي يتربص به، موضحاً:" لا أتخذ أي احتياطات أمنية، لكنني أعيش مثل أي مواطن يمني لا يعرف ما تخبئه له خفافيش الغدر والانتقام".

وتابع كنيد متحدثاً عن تجربته في حقل ألغام الكاريكاتير كما يصفها، بأنه لم يتعرض حتى الآن لأي تهديدات من أحد أطراف النزاع في اليمن، لكنه يواجه انتقادات رافضة وآراء غاضبة معارضة لما يقدمه عبر رسوماته من رسائل أو توعية أو إشارة تحذير، ويضيف: "في كل رسوماتي أبدي انتقادي ضمن حرية التعبير، وأحرص على تقديم مواد كاريكاتيرية بطابع فني، تطرح مشكلات اجتماعية وسياسية بشكل ساخر وترفيهي ولاذع أحياناً".

مشاركات حبيسة بسبب ظروف الحصار

لا تتعدى مشاركات كنيد في فن الكاريكاتير نطاق المحلية بسبب ظروف الحصار الذي يمر به اليمن، وشارك في معرض الفن التشكيلي الأول في اليمن في محور السلام ضمن فعالية منصة "هيومن أوف تعز"، ومعرض مناصرة فتح مطار الريان في المكلا، ومعرض مناهضة العنف ضد المرأة في المكلا، إلى جانب العديد من حملات توعية وملفات قضايا اجتماعية.

يستقي كنيد أفكاره من الحياة اليومية بما يعصف بها من هموم وأوجاع يئن منها المواطن عبر ما يراه على الواقع أو يشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد رسم ضد الحرب والفقر وغلاء الأسعار وأضرار الحروب على النازحين والعنف ضد المرأة والإرهاب وغيرها.

ويشير إلى أن" الكاريكاتير ليس فناً لاعتقال اللحظة بل ثقافة ومرآة لمجتمع بكامله، فهو الفن السهل في إيصال الفكرة والحلول والتعريف بالجوانب السيئة في بلد ما، ينقلها إلى المتلقي سواء كان في اليمن أو خارجها، ويحظى بشعبية كبيرة في أوساط المجتمع، بوصفه من أكثر الفنون قوة في انتقاد الصراعات السياسية والعيوب الاقتصادية بأسلوب ساخر وظريف".

مادة ناعمة تواجه آلة الحرب والدمار

ويصف كنيد مشهد الكاريكاتير في اليمن بأنه مناخ مزدهر كونه يولد من رحم معاناة الشعوب، معتبراً أن هذا الرسم يحتمل الكثير من الحلول الإبداعية، تجعله سلاحاً ناعماً أمام آلات الحروب والصراعات.

ويشير كنيد إلى أن المنظمات تتعامل مع الكاريكاتير كمادة دسمة لترويج كثير من القضايا المهمة، وأصبح لهذا الفن نجومه وجماهيره، وهو الفن القريب والمحبوب من الشعب بوصفه لغة مسموعة لوجع شعب بكامله، يظهر معاناتهم عبر صورة ساخرة.

ولا يخفي كنيد أن فنان الكاريكاتير في اليمن، لا يزال يعاني التهميش والإقصاء، وينصحه بضرورة امتلاك مقومات فنية وإعلامية لجعل رسوماته تصبح بمثابة أسلوب مقاومة ضد أشكال العنف ومشكلات الفقر وغيرها، وأن يتطرق إلى المآسي التي يمر بها الوطن ويستلهم أفكاره منها بكل مصداقية ويكون على اطلاع بالأحداث الطارئة، ويطرحها بأسلوب ساخر وناقد وجاد، وأن يمتلك صفحات على وسائل التواصل، كونها المنبر الوحيد الحر لتقديم هذا الفن للناس بسهولة وشفافية، بما يتجاوز بعض الصحف والمواقع الإخبارية التي تخدم أجندات طرف بعينه.

رسومات تضمد جروح الوطن

لا تقتصر رسومات كنيد على مدينة بعينها، فمن وجهة نظره فإن فن الكاريكاتير للجميع، وفي خدمة المجتمع اليمني بكامله، من دون استثناء، ويوضح:" أنا رسمت لهذا الوطن الكبير، لكل بقعة انجرحت فيه بسبب الحرب أو الفساد أو قضايا إنسانية مثل العنف والتطرف بأشكاله، رسمت لصنعاء وعدن وتعز وتهامة وإب ومأرب، ورسمت أيضاً للتضامن مع بعض الشعوب العربية مثل القضية الفلسطينية ودول أخرى غيرها. وأسعى دائماً أن أكون منبراً للتغيير عبر رسوماتي الكاريكاتيرية".

تكمن قوة الكاريكاتير حسب كنيد في البساطة وسلاسة فكرة الموضوع الذي يلامس هموم الشعب وآلامه، فهو لغة تعبر عن آلام الشعوب، وكلما كانت الفكرة بسيطة وسهلة وساخرة كان تأثيرها قويا وسريعا، ويأمل الرسام اليمني أن يدرج فن الكاريكاتير في مناهج التعليم سواء في المعاهد أو الجامعات كونه أصبح صوتاً مؤثراً من أدوات التعبير الترفيهي الذي ينشر التوعية ويُحدث التغيير في نفس اللحظة.

يؤمن كنيد بقوة برسالة الفن في ترميم ما هدمته الحروب والأوضاع الاقتصادية، ويقول: "رسالتي أن تكون رسوماتي صوت كل الشعب تنقل همومهم، وتسلط الضوء على مشاكلهم، وتساهم في حلحلة ومعالجة مشكلات المجتمع من كل النواحي، وأن تكون رسوماتي مصدر إلهام للتغيير الذي ينعكس في تحقيق رسالة وئام وسلام".

ويرى أن مهمة فنان الكاريكاتير أن يحمل عبر رسوماته قضية وموضوعاً مهماً، ويلفت كنيد إلى أن بعض أعماله لامست وجدان الناس، وأصبحت حديث منصات التواصل الاجتماعي، والصفحات المختصة التي تتناول المجاعة والفساد والعنف والجرائم ضد المرأة وغيرها.