.
.
.
.

المقال: اعتذر عما فعلت

زيارة بطريرك الموارنة اللبناني للأراضي المحتلة بين مؤيد ومعارض

ابراهيم الأمين

نشر في: آخر تحديث:

البطريرك بشارة الراعي يدرس الآن فكرة أن يزور إيران! هذه هي الفتوى التي خرج بها جهابذة مقربون منه لتسوية الوضع مع المحتجين على زيارته لفلسطين.

لن تردّ إيران على أحد أن طالبها بعدم استقبالك. ولن يخرج من يدين زيارتك لها، إلا إذا وجدت أمانة 14 آذار، بجناحيها القواتي والمستقبلي، أن زيارة كهذه تمثل «تطبيعاً» مع «العدو الفارسي»، علماً بأن تاريخ هؤلاء لا يشي بجرأة من هذا النوع. إلا إذا أفتى لهم نابغة بأن يعترضوا، فيحصل التوازن، ويكون البطريرك لهم من الشاكرين!

هكذا يطبخ سياسيو 14 آذار. يجمعون البيض والدقيق، ثم يأتون بالخضر، ليصنعوا قالب حلوى، ولا مشكلة إن خرج من الفرن على شكل عجة!
لم يفهم الجميع، سابقاً، سر إصرار الراعي على رفض كل الاعتراضات على زيارته مناطق تحتلها إسرائيل. قال أمام كل من ناقشه إنه في زيارة رعوية. بعث برسائل الى من يهمه الأمر: أنا خارج بروتوكول زيارة البابا. لن ألتقي إسرائيليين. لن أصرح لوسائل إعلام إسرائيلية. لن أقابل شخصيات سياسية، لا إسرائيلية ولا فلسطينية ولا لبنانية، هناك. لن أقارب أي موضوع سياسي. ستكون مجرد زيارة رعوية!

في الإجراءات. أنشأت شرطة الاحتلال خلية أمن خاصة لمواكبة زيارة الراعي. برضاه أو من دون علمه، حرصت على تنفيذ «المواكبة عن بعد». إلا أن الأمر لن يمر هكذا من دون مضاعفات، خصوصاً أن البطريرك لا يقوم بزيارات فردية، وهو قرّر زيارة قرى هُجّر أهلها، ويمنع العدو عليهم العودة للعيش فيها. كما أنه تنقل في أكثر من منطقة، ويجب القيام بكل ما «يؤمن له الأمن الكامل».

لن نقول للبطريرك إنك تحركت تحت حماية قوات الاحتلال. صحيح أنه لم يطلب ذلك. إلا أن هذا ما حصل!

لكن، ماذا عن ترتيبات الاجتماعات العامة مع الفارين من عناصر جيش العملاء بقيادة الفار من وجه العدالة أنطوان لحد؟

ليس صحيحاً أن الراعي لا يعرف شيئاً عن هؤلاء. المطارنة المعنيون بهذا الملف يعرفون التفاصيل الدقيقة لملفات جميع اللبنانيين هناك، الذين فيهم لائحة من المجرمين، القتلة، الذين لا يريدون العودة الى لبنان. وهؤلاء يدركون أن البلاد لا تحتمل ظلهم أصلاً. ومعظم أفراد عائلات المنتمين إلى هذه الفئة قرروا البقاء الى جانبهم، بعدما حصلوا على تعويضات مالية من العدو، سمحت لهم بالسكن والعمل والتعلم، وحصلوا على وثائق تتيح لهم السفر.

أما بقية اللبنانيين هناك فقد عرض عليهم العودة. المتعاملون منهم مع العدو، رجالاً أو نساء، عليهم تسليم أنفسهم للسلطات اللبنانية، يخضعون لمحاكمات، ويلتزمون تنفيذ أحكام تقضي بعدم عودتهم إلى قراهم إلا بعد سنوات. وأبرز تفاهم سياسي بشأن هؤلاء تم بين حزب الله والتيار الوطني الحر. قام التفاهم على أسس متينة، تقضي بتوفير آليات محاكمة عادلة تؤمّن عودة من فرّوا خوفاً. لكن معظم هؤلاء، فضلوا الخيار الآخر: هم في وضع يناسبهم معيشياً، ويرفضون المثول أمام القضاء اللبناني، كما يأبون الفصل بينهم وبين أفراد عائلاتهم. هم يريدون فرض شروطهم على الجميع، ويطلبون، فوق ذلك، ضمانة من المقاومة والدولة بأن لا يتعرض لهم أحد بكلمة.

لكن الراعي، الذي يبدو أنه رجل انفعالات، وجد نفسه في فم الذئب. فجأة، تخلى عن كل البروتوكول الخاص بالزيارة، وصار يصرخ ببراءة العملاء جميعاً. كان متوقعاً أن يوجه الى هؤلاء تنبيهاً بضرورة احترام الدولة التي يطالب بقيامها طوال الوقت. وبدل أن يذكّرهم بأنهم ارتكبوا الأخطاء الكبيرة، وأن عليهم إعلان التوبة، صار يحرضهم على المزيد. فقال لهم، أنتم أكثر وطنية من الآخرين. لم نعرف من يقصد بالآخرين. هل هو يقول لجلاد إنه أكثر إنسانية من ضحيته؟

لم يكن خطأ الراعي بسيطاً. كان جسيماً، وجسيماً جداً.

ألم يفكر للحظة أنه بفعلته هذه إنما يوقظ ذكرى أليمة عند قسم غير قليل من اللبنانيين، عند الذين ـــ وباسم دماء الشهداء والتضحيات، وباسم أخلاقية المقاومة ـــ أعلنوا التزامهم الصفح، لأجل حفظ البلاد والعباد؟

ألم يخرج من حوله من يلفت انتباهه، الى أنه يعيد الى الواجهة اليوم كل الصور القبيحة، عن مجموعة قتلة وسفاحين، قامت بارتكابات، أقل عقاب لها هو الموت إعداماً؟ هل هو بحاجة الى إعادة الشريط 15 سنة الى الوراء؟ هل هو يريد فعلاً، أن يخرج أبناء القرى الحدودية للانتقام؟
ألم ينتبه الى أنه تصرف كمن يريد استدراج «الآخرين» إلى ارتكاب فعل جرمي؟ هل هو فكر بأنه يستدرج المقاومة وجمهورها الى خطأ قررت عن وعي التصدي له يوم حصل التحرير في عام 2000؟ هل من يذكّره، أنه خلال أيام التحرير المجيدة، سقط للمقاومة شهداء كثر، بينما لم يصفع عميل واحد أو يبصق في وجه مجرم من هؤلاء؟

البطريرك الراعي ارتكب ما يوجب القعود على كرسي اعتراف. وعليه أن يجلس أمام أيتام الشهداء الذين قتلهم هؤلاء العملاء.
ليس لنا إلا أن نقول له بصدق وصراحة: لا بطولة تمحو عاراً. ولا صوت جلاد يخفي أنين الضحية. وليس أمامك إلا خيار واحد: اعتذر عما فعلت!

التعليق

الصحافي أسعد بشارة: لم الهجوم في هذا الوقت على البطريرك؟

الكاتب الصحافي أسعد بشارة قال في حديث لـ"العربية.نت"، إن انتقاد الزيارة كمبدأ ليس في مكانه، لأن الكنيسة المارونية في لبنان معروفة بمواقفها الثابتة والواضحة من موضوع الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية وعدم اعترافها بقدسٍ إسرائيلية، وإنه في أراضي الـ48 والضفة الغربية وقطاع غزة، يوجد مسيحيون، من واجب البطريرك الراعي زيارتهم من دون أن يُعتَبر ذلك تطبيعاً، لأن موقف الكنيسة ملتزم بالقضية العربية الأولى وهي القضية الفلسطينية.

وتعليقاً على الجدال الحاصل، يؤكد الصحافي أسعد بشارة أن التعامل مع إسرائيل أمر مرفوض كلياً، لكن الاحتلال الإسرائيلي وكأي أنموذج احتلال في أي بلد في العالم، ترك وراءه أمراً واقعاً، على اللبنانيين معالجته بطريقة بعيدة من الكيدية لا ترمي هؤلاء "العملاء" في أحضان الدولة الإسرائيلية.

ويرى بشارة أنه على الدولة أن تضع حلاً عادلاً لقضيتهم من خلال القانون اللبناني بحيث يعاقب كل من ارتكب جرائم بحق اللبنانيين، لكن الأمر يجب ألا يشمل عائلات العملاء وأطفالهم الذين لا ذنب لهم في هذه القضية. وتساءل بشارة: الغريب أن المقربين من حزب الله يهاجمون من تعامل مع إسرائيل، متجاهلين بذلك أن تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون، وضع آلية لعودة هؤلاء، فلمَ الهجوم في هذا الوقت تحديداً على البطريرك الماروني بشارة الراعي؟

القيادي في التيار الوطني الحر أنطوان نصر الله: الحملة على البطريرك أمر له علاقة بحرية الصحافة والتعبير

أما القيادي في التيار الوطني الحر، المحامي أنطوان نصر الله، فاعتبر في مقابلة مع "العربية.نت" أن الحملة التي تشن على البطريرك الراعي من قبل بعض الصحافيين أمر له علاقة بحرية الصحافة والتعبير، مضيفاً أن التيار الوطني الحر إن أراد إبداء أي ملاحظات على هذه الزيارة فهو يقولها مباشرة للبطريرك الراعي من دون أن يعالج هذا الأمر في القنوات الإعلامية، لأنهم في التيار يرفضون أي حملة إعلامية تشوّه سمعة وصورة البطريرك الماروني رأس الكنيسة المارونية في لبنان، لكنه تساءل في المقابل: أليس من يدافع عن زيارة الراعي إلى إسرائيل اليوم هم أنفسهم الذين هاجموه حين زار دمشق في فبراير من العام الماضي؟

وكان الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله ورئيس كتلة التغيير والإصلاح النيابية ميشال عون، قد وقعا على وثيقة تفاهم في فبراير من العام 2006 نصّت في بندها السادس على ما يأتي:

(اللبنانيون في إسرائيل: انطلاقا من اقتناعاتنا أن وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو، فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى إسرائيل تتطلب عملا حثيثا من أجل عودتهم إلى وطنهم، آخذين في الاعتبار كل الظروف السياسية والأمنية والمعيشية المحيطة بالموضوع، لذلك نوجه نداء لهم بالعودة السريعة إلى وطنهم استرشاداً بنداء سماحة السيد حسن نصر الله بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، واستلهاماً بكلمة العماد عون في أول جلسة لمجلس النواب).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.