أحداث القامشلي تحرك ورقة الأكراد بوجه سوريا
"بيجا بيجا كردستان" الشعار الذي رفع في أثناء التظاهرات الكردية التي عمت مدن سورية كان هو عينه الذي ساد التظاهرة الكردية أمام السفارة السورية في العاصمة البلجيكية بروكسل في أعقاب الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة القامشلي في 12 أذار/مارس 2004 نتيجة أعمال شغب في أثناء مباراة لكرة القدم مما أودى بحياة ستة من العرب و 14 كرديا، مما ينضاف في عرف مراقبين إلى عوامل أخرى تضغط بشدة على دمشق.
وكان عدد الضحايا ارتفع إلى 30 قتيلا كرديا وخمسة من العرب باستمرار المواجهات وأعمال الشغب في دائرة أخذت تتسع من مدينة القامشلي إلى مدن أخرى لتتحول إلى مواجهات بين أكراد وقوات الأمن السورية وبين هذه الأقلية وعشائر عربية سورية في منطقة الحسكة (520 كلم شمال شرق دمشق) عندما وقعت مواجهات أخرى في ذكرى مذبحة حلبجة ضد الأكراد العراقيين قبل 16 عاما . فيما نفت سوريا من خلال بيان صادر في 17 مارس عن سفارتها في باريس تلميحات بشأن بروز توترات عرقية داخلية وأنحت بالمسؤولية في أحداث العنف على «مثيري شغب» تحركهم دوافع سياسية.
في سياق يعبر عن انزعاج إقليمي من تداعيات التصعيد الكردي في سوريا، انتقل الرئيس بشار الأسد إلى العاصمة السعودية الرياض في 17 أذار/مارس لبحث موضوعات عدة مع القيادة السعودية، كان من بينها المستجدات المتعلقة بالأكراد في سوريا.وبحث الرئيس الأسد في دمشق الموضوع بذاته مع الرئيس المصري حسني مبارك في 13 أذار/مارس. بينما عبرت تصريحات وزير الخارجية التركي عبدالله جل بخصوص الأحداث عن قلق بلاده جراء الأحداث.
من جهته اتهم عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري جهات خارجية لم يحددها بالاستفادة من الاضطرابات، ونقلت وسائل إعلامية عدة في 17 مارس 2004 قوله "وقعت أحداث في بعض المناطق في البلاد. هذه الأحداث انتهت وليس بمقدور أحد أن يمس أو ينال من النسيج الوطني السوري".وزاد خدام بقوله " هناك جهات خارجية تحاول أن تستفيد من مثل هذه الأحداث. من هي هذه الجهات؟ يمكنكم أن تستشفوا ذلك من الأجواء في المنطقة". وأشار المسؤول السوري إلى استياء قيادات كردية "عراقية" مما حدث.
خدام:هناك جهات خارجية تحاول أن تستفيد من مثل هذه الأحداث. من هي هذه الجهات؟
الشعار الذي يعني "قولوا عاشت كردستان" لفت بقوة إلى تصاعد مما يمكن اعتباره تناميا في "المشاعر الكردية" كمردود طبيعي للتطورات في أوضاع أكراد العراق، في مواجهة ما يعده الأكراد السوريون وجودا تاريخيا وجغرافيا مشكلا لحقوق تحتم "تقرير المصير".وكان القاسم المشترك لتظاهرات عمت المدن السورية في المثلث السوري - العراقي التركي وجامعة دمشق ودمر انتهاء بمدن القامشلي والحسكة وعامودا والدرباسية، هو خيط المطالبة الواضحة "بحقوق كردية" تدعمها دعوة مبطنة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش بالتدخل بشكل أو بآخر من خلال شعاري "بافي آزاد" ومعناها "أبو الحرية"، و"البارحة بغداد واليوم دمشق". ولا تخفي منظومات سياسية كردية دعوتها إلى نوع من التضامن بين الأكراد في المنطقة يكفل لهم الاستفادة الجماعية من "ثرواتهم"، ففي موقع الاتحاد الإسلامي الكردستاني على الإنترنت إشارة واضحة لهذا الموضوع "وفي كردستان ثروة نفطية هائلة، وخاصة في- كركوك و خانقين العراق - وسعرت تركيا- وشاه آباد إيران- - ورميلان سوريا ".
ويؤمن حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا - تأسس في 1957- بأهداف "قومية للأكراد" وسلمية في الحوار وصولا إلى "رفع الاضطهاد القومي والتمييز العنصري عن الأكراد" و" الاعتراف المبدئي بحق تقرير المصير للشعب الكردي في سوريا" فضلا عن " تحقيق الديمقراطية في عموم سوريا" و" الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكردي ودعم كفاحه المشروع في تركيا وإيران والعراق"
شعار"عاشت كردستان" لفت بقوة إلى تصاعد ما يمكن اعتباره تناميا في "المشاعر الكردية" كمردود طبيعي للتطورات في أوضاع أكراد العراق
غير أن أحزاب كردية أخرى في سوريا لا تشاطر الأولى رأيها،إذ مضى سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي عبد الحميد درويش أثناء مشاركته في الطاولة المستديرة الثانية في دمشق في 11 كانون الثاني/يناير 2004 بدعوة من منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي حول القضية عينها وبمشاركة حزب البعث العربي الاشتراكي والتجمع الوطني الديمقراطي وجمعية حقوق الإنسان في سوريا، للقول بأن القضية الكردية ليست منعزلة بذاتها مطالبا بتعديل أوضاع الأكراد الذين - بحسبه - يتعرضون منذ أربعة عقود لسياسة الاضطهاد والتمييز القومي . وأفاد بأن ثمة سبيلين لحل القضية الكردية، الأول - وهو الذي يتبناه حزبه - يرتبط بمسألة اشاعة الديمقراطية.
أما الطريق الثاني وفقا لدرويش، فهو يتعلل بأن حل القضية الكردية في سوريا ليس مرتبطا بالضرورة بتحقيق الحياة الديمقراطية كونها مسألة قومية تتميز عن القضايا العامة الأخرى. وأخذ هذا الرأي الأخير في التمدد في الأوساط الشعبية والسياسية الكردية نظرا لطبيعة المستجدات التي طرأت على القضية الكردية بشكل عام في محيطيها الإقليمي والدولي من دون التغافل عن المتغيرات الداخلية ذاتها.
زعيم سياسي كردي: للقضية الكردية واحد من خيارين ليس إلا للحل
لا يرى مراقبون أن رياح القوى الدولية تهب في صالح دمشق.ويربط هؤلاء بين الضغوط التي تجابهها سوريا على مستويات عدة وفقا لمعادلات داخلية وخارجية، وبين التوجه الأمريكي "الصارم" بشأن إخضاع سوريا لما يصفه محللون بأنه " إعادة ترسيم الشرق الأوسط". الولايات المتحدة من جهتها، وعلى الرغم من تضاؤل إمكان القيام بعملية عسكرية ضد سوريا، نظرا لاعتبار الانتخابات وصعوبة إعلان عمليات عسكرية تستدعي مجددا "حشد" جهود دبلوماسية، وتهيئة الرأى العام الأمريكي ما يعد مهمة "انتحارية" لإدارة بوش حاليا، إلا أنها عمدت إلى ملاحقة سوريا عبر جهود دبلوماسية وضغوط هائلة من خلال التلويح بالعقوبات الاقتصادية.
وكان ريتشارد أرميتاج مساعد وزير الخارجية الأمريكي أوضح في 18 أذار/مارس 2004 أن الولايات المتحدة ستعلن خلال فترة "قريبة جدا" عقوبات حازمة على سوريا بسبب مواصلتها دعم "الإرهاب" على حد وصفه. ومع إقرار المسؤول الأمريكي بتعاون دمشق "بشكل أو بآخر" في مكافحة تنظيم القاعدة إلا أنه شدد على أن سوريا - مثل إيران- تواصل تقديم الدعم للمنظمات الراديكالية مثل حماس وحزب الله.وهو ما يمثل رأس الرمح في اتهامات الإدارة الأمريكية ضد دمشق،وهو علاوة على تحريك ملف الوجود السوري في لبنان من قبل مؤيدي العماد ميشيل عون، ما يضع تفاصيل علاقة سوريا بلبنان أيضا على طاولة البحث الأمريكي.
في هذا الصدد كان الكونغرس الأمريكي وافق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 على عقوبات بحق سوريا تتيح للرئيس الأمريكي جورج بوش فرض قيود على الصادرات والاستثمارات الأمريكية إلى سوريا وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في دمشق والحد من حرية تنقل الدبلوماسيين السوريين في الولايات المتحدة. لكن الأوساط السورية على الرغم من التصعيد الأمريكي، لا تتوقع أن يفرز التشابك مع واشنطن مواجهة كالتي حدث في العراق.
ويتعين على سوريا بحسب محللين أن تحاول التغلب على استحقاقات تمليها فروض داخلية وخارجية لكيلا تتحول تراكماتها تدريجيا إلى ورقة خطيرة بيد الإدارة الأمريكية في حال لم تكن مفاجآت الانتخابات الأمريكية ومعادلات السياسة الدولية في صالح سوريا.
شدد أرميتاج على أن سوريا - مثل إيران- تواصل تقديم الدعم للمنظمات الراديكالية مثل حماس وحزب الله