مثقفو مصر ضد "الشرطة الأزهرية"

نشر في:

قرر وزير العدل المصري فاروق سيف النصر منح صفة الضبطية القضائية لعدد من شيوخ الأزهر، وذلك لمتابعة المطبوعات الدينية والمصاحف المتداولة في الأسواق والأشرطة الدينية والخطب ومصادرة المصنفات الفنية، التي لا تتفق مع موضوع الشريعة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة . وقد أدى هذا القرار إلى حدوث ضجة عنيفة في الأوساط الثقافية المصرية، وعلق البعض على عليه بأنه سيجعلهم أمام حقبة سوداء في تاريخ العقل العربي، وهم يذكرهم بما حدث منذ11 عاما حين ثارت ثائرة المثقفين المصريين بسبب قيام مجموعة من المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية بالتفتيش على دور النشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب ومصادرة الكتب. [[[يجب أن يقف الجميع في وجه الهجمة الشرسة على العقل والفكر والفن وإلا فلنبحث جميعا عن وطن آخر!{الشاعر جمال بخيت}]]]وحول قرار وزير العدل تساءل الشاعر جمال بخيت "ما الذي يفعله بنا الوزير"، مضيفا أنه إذا صحت تفاصيل هذا القرار فإنه سيشكل طعنة في وجه الفكر والفن والإبداع. وقال بخيت "إننا نعيش اليوم عصرا رهيبا يكتب فيه احد ابرز المفكرين الدينيين المستنيرين وهو محمد عمارة، أن طه حسين علماني وذلك بعد ان يسوق الدليل تلو الدليل على أن العلمانيين كفرة".

البحث عن وطن آخر

وطالب بخيت بضرورة تحرك الجميع من نقابات فنية ومهنية ووزارات الإعلام والثقافة واتحاد الكتاب والأحزاب الليبرالية والتقدمية ضد هذا القرار. وقال "يجب ان يقف الجميع في وجه الهجمة الشرسة على العقل والفكر والفن وإلا فلنبحث جميعا عن وطن آخر"وقال الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي "إن كل قرار أو قانون يسن بغرض الرقابة على الرأي، أو الفكر بأي حجة من الحجج بما في ذلك تصويب الآراء الخاطئة ومطاردة الأفكار الهدامة، أو تصحيح النصوص المحّرفة إلى غير ذلك، كل هذا أعده عمل ضد الثقافة والفكر والرأي والعدالة أيضا، وأكثر من هذا كله أعتقد بأنه غير مفيد". وبرر حجازي قوله بأن البشرية منذ ان ظهرت والدول منذ ان تشكلت والقوانين منذ ان سنت وقامت حاولت ان تقمع الأفكار التي تعاديها فلم تستطع أبدا، وأضاف حجازي "إن الأفكار حتى الخاطئة منها تستشري بسبب المصادرة وفرض الرقابة عليها في حين ان الحرية تسمح بتصحيح الأفكار التي ظهرت في الكتب أو المقالات أو أي صورة من الصور".ويضيف حجازي "لقد علمت ان هذا القرار لن يمكن شيوخ الأزهر الذين منحهم وزير العدل حق الضبطية القضائية من مصادرة الكتب الأدبية أو تفتيش المكتبات، ولكن لا اعرف على لماذا ظهر هذا القرار الآن؟ هل على أساس قانون أعطى في الستينات مجمع البحوث الإسلامية هذا الحق في مراجعة المصحف الشريف". وأضاف حجازي "هذا الكلام أصبح الآن في ذمة التاريخ وتجديده الآن يثير التساؤل والدهشة ويجعل الإنسان يحس بأننا متخلفون جدا، لأننا نستخدم وسائل متخلفة للرقابة والحجر والمصادرة على حرية الفكر والإبداع بوسائل بدائية الآن، لأن كل ما ينسب للستينات أصبح بدائيا مقارنة بما يحدث الآن".

حماة الإيمان لا يجب ان يكونوا مرتزقة ومنتفعين من تخويف الناس من الفكر الحر!

الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي

قوانين "سيئة السمعة"

وأكد حجازي ان ردود الفعل التي وقعت في الأوساط الثقافية والإعلامية المصرية تشير بدلالة قاطعة إلى ان المصريين ما عادوا يطيقون القوانين "سيئة السمعة". وطالب حجازي من مجلس الشعب والحكومة المصرية ان يقوما بتنقية القانون المصري من القرارات والقوانين سيئة السمعة، وأضاف "على المجمع الإسلامي ان يعمل على تجديد الفكر الإسلامي بدلا من مصادرة الأفكار الجديدة، و كتب الأدب ودواوين الشعر والروايات. هؤلاء حماة الإيمان عليهم ان يخاطبون الناس بالحسنى ويثبتوا بالعقل أنهم حماة للإيمان، وليسوا مرتزقة ومنتفعين بتخويف الناس من التفكير الحر".ووصف الروائي جمال الغيطاني هذا القرار بالكارثة على كافة المستويات وبكل المقاييس، ليس فقط بالنسبة للأدب والفكر وانعكاساته على الإبداع بكافة أشكاله بشكل سلبي فحسب، وإنما حتى للأزهر نفسه فهو يحّول هذا الصرح الثقافي الجليل إلى جهة رقابة وقال الغيطاني "نحن نربأ بالأزهر ان يكون كذلك".وأضاف الغيطاني بأن الحقيقة البسيطة التي لا يدركها وزير العدل المشايخ، هي ان الرقابة سقطت عمليا بعد تطور وسائل الاتصال الحديثة، وقد جاء الرد خلال فترة قصيرة جدا إذ ان جميع الكتب المصادرة منشورة الآن بالكامل على شبكة الانترنت. وأردف الغيطاني "أنه بدلا من شن الحملات ضد الكتب والأدباء و المثقفين والمفكرين مما يضفي صفة كريهة على الأزهر، تذكرنا بمحاكم التفتيش في العصور الوسطى نتمنى ان تقتصر جهود هؤلاء المشايخ على تدقيق ما يطبع من المصحف الشريف، ومتابعة التحريف الذي بدأ يطاله على الانترنت، وابتكار الوسائل التي يمكن استخدامها عن طريق استخدام الانترنت لتوصيل المصحف الشريف إلى أوسع نطاق في العالم".وانكر الغيطاني أن يكون هناك أي قيمة للرقابة. وقال "المصادرة لا تزيد العمل المصادر إلا شهرة وتؤدي إلى كوارث عدة في زمن يتعرض فيه الإسلام والمسلمون إلى الابادة والتصفية".

لم يعد هناك قيمة للرقابة .. والمصادرة تزيد العمل شهرة وينشر في اليوم التالي على النت

الروائي جمال الغيطاني

خدمة للمتربصين بالإسلام!!

وأكد الغيطاني أن مثل هذه الهجمات التي تتجاهل ما يجري في العالم، والأخطار المحدقة بالعرب والمسلمين تضع أسلحة إضافية في أيدي المتربصين بالإسلام والعرب وكل ما يمت اليهما. وأضاف الغيطاني "هم الآن في قلب عالمنا العربي، ويطؤون عاصمة الخلافة والحضارة العربية بأقدامهم، وينتهكون أعراض الرجال والنساء ولا يحرك هذا كله ساكنا".وزعم الغيطاني أن الرئيس مبارك أكد له من قبل في معرض الكتاب ان الأزهر ليس جهة مصادرة. "لكن ما أشهده اليوم يجعل من الأزهر جهة رقابة ومصادرة. إنه جزء من التدهور العام الذي نعيشه".

القرار يعد تدهورا غير مسبوق فيما يتعلق بالرقابة على حرية الفكر والإبداع

مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

تدهور في حرية الإبداع

ويؤكد مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهي الدين حسن، ان هذا القرار يعد تدهورا غير مسبوق فيما يتعلق بالرقابة على حرية الفكر والإبداع، ويضيف بقوله "لقد ظل المثقفون المصريون ومنظمات حقوق الإنسان والمنابر المختلفة، يهاجمون الدور الرقابي للمؤسسة الدينية التي تطمح الآن ان تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة في هذا المجال". ويعتقد حسن أنه بقرار لوزير العدل أصبحت هناك شرعية لطموحات هذه المؤسسة وبعض مفكري ومؤيدي هذا التيار الديني. وأضاف حسن "قرار وزير العدل أشبه بتشكيل محاكم تفتيش دينية، والمفارقة هي انه بينما ينحسر دورها في دول كانت تعرف بالتشدد تنشأ في مصر الآن، وإذا كنا لم نسمع دفاعا أو تبريرا من وزارة العدل حيال هذا القرار مما يجعل من الضروري التصدي له".ومن جانبه أكد الروائي أسامة أنور عكاشة أنه من الصعب اليوم اللعب في هذه المنطقة، ولايمكن لأحد أن يتدخل في حرية الإبداع، ولا يمكن لأي مثقف ان يصمت، إذا تعرضت حريته الفكرية للحجب والقيود والمصادرة، بدليل ان ما حدث من كل مؤسسات المجتمع المدني التي أصبحت مستفزة ومهيأة لمواجهة أي محاولة من هذا النوع. وقال عكاشة "في رأيي ان قرار وزير العدل ليس جديدا، ولكنه قرار قديم تم أحياؤه فيما يخص كتب السيرة والحديث والفقه الإسلامي والقرآن الكريم ولن يتخطى ذلك"، والذي أكد أنه ليس من حق مجمع البحوث الإسلامية ان يقوم بالتفتيش والمصادرة لأي كتاب، كما ان القرار – بحسب راي عكاشه - لا علاقة له بالفن ولا الفنانين، وإذا حدث ذلك فالمثقفون ضده بلا جدال .وفي اتصال هاتفي برئيس الأكاديمية المصرية للفنون في روما بايطاليا سمير غريب قال "إنه مع القرار الذي يتيح لعشرة من مشايخ الأزهر كأعضاء لمجمع البحوث الإسلامية، بما خول لهم بقرار وزير العدل فيما يخص القرآن الكريم والحديث الشريف لأنه أي خطأ فيهما لا يمكن السماح به، وهذا القرار إذا كان قاصرا على ذلك فليس من حقي الاعتراض عليه". ولكن حذر غريب من أن يتخطى القرار حدود ذلك ليصبح سيفا على رقاب المثقفين، واضاف "هنا لا يجب الصمت عليه فأي كاتب أو مثقف لن يسمح به، وحتى لو كان إنسانا عاديا فهو ضد الحجر على حرية الإبداع والفكر والعقل".ق

القرار خرج من مجلس الشعب بشكل دستوري ويتعلق بالرقابة على القرآن والأحاديث النبوية!

الشيخ عبد الظاهر محمد عبد الرازق

قانون دستوري!!

وحول نطاق تطبيق هذا القرار والسلطات الممنوحة للشيوخ قال مدير عام مجلة البحوث والتأليف والترجمة بمجمع البحوث الإسلامية الشيخ عبد الظاهر محمد عبد الرازق، إن هذا القرار منبثق من القانون 103 لسنة 1985 بشأن تنظيم طباعة المصحف الشريف والأحاديث النبوية وتداولها. ويضيف الشيخ عبدالرازق أنه في القانون من حق فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر ترشيح عدد من العاملين في مجمع البحوث لوزير العدل لاستصدار قرار لمنحهم حق الضبطية القضائية، فيما يخص الجرائم المنصوص عليها في القانون. وأضاف عبد الرازق "هذا القانون خرج من مجلس الشعب على أساس دستوري في اختصاصنا بمتابعة كل الجرائم التي تمس كتاب الله وسنة رسوله".وأضاف الشيخ عبد الرازق "الكتب تأتي إلينا ونقوم بفحصها ولابد وان تكون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية سليمة، وان يكون الاستشهاد بها في مكانه، وأما الكتب والأعمال الإبداعية فلا علاقة لنا بها". وتساءل عبدالرازق أنه عندما يكتب مؤلف قصة غرامية فما هي علاقتتنا به؟. وبين عبد الرازق أنه عندما يكون الأمر متعلق بكتابة مسلسل ديني، فالمؤلف يأتي إليهم للحصول على ترخيص لكي يحمي نفسه، وقال عبدالرازق "هذا معناه إذا كان هناك كتابا يمس الناحية الدينية فأضع ملاحظاتي، فإذا استجاب أهلا وسهلا لأني جهة رأي وليس جهة تنفيذ". وأكد عبدالرازق أن القرار الأخير منحنه حق الضبطية القضائية التي منحتنه حق النزول للشارع، ولكنه يبين أنه لا يستطيع النزول بمفرده، مما يجعله يرافق رجل من شرطة المصنفات الفنية وبعلم أمن الدولة.وأكد الشيخ عبد الظاهر محمد عبد الرازق بأن تعدد البلاغات التي وصلت للأزهر بينت ان هناك أخطاء في المصحف الشريف والأحاديث النبوية الشريفة، وان المطابع تحّرف وتطبع بمزاجها وبناء على ذلك تم تفعيل القرار.ومن جهة أخرى أكد المستشار طارق البشري ان الضبطية القضائية تتعلق بالقانون الذي يمّكن الأزهر من الرقابة على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهذا الأمر قديم ومنذ 20 عاما بقانون 103 لسنة 1985، ولم يضف القرار الجديد إليه شيئا والضبطية القضائية تمارس تحت إشراف النيابة العامة والقضاء، لأنها نوع من المعونة التي تعطي للأجهزة القضائية لممارسة عملها. وقال البشري "في هذه الحالة تكون الضبطية القضائية آلية تمارس تحت إشراف القضاء الكامل، ولكن الأجدى ان نهتم بالاولويات التي تواجهنا وإذا تخطى الأزهر حدوده في هذا الاختصاص فهناك المحاكم التي تفصل في ذلك". وقال مدير تحرير مجلة الهلال الثقافية القاهرية عاطف مصطفى إن القضية حول قرار وزير العدل مازالت مستمرة بين شد وجذب، وتساءل مصطفى ما إذا كانت الضبطية القضائية قاصرة على كتب الدين فقط كما تردد أم أنها ستمتد إلى بقية مناحي الإبداع الأخرى.
وقال مصطفى "ما حدث كان لضرورة منع تلاعب بعض المطابع الخاصة التي تقوم بالتحريف في القرآن الكريم". اما عن مصادرة بعض الكتب الأدبية والروايات مثل "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، قال ان مصادرة هذه الرواية كانت عن طريق بعض النقاد والمثقفين التابعين للوسط الثقافي، وليس لإدارة الأزهر مثل د. جابر عصفور ومحمود امين العالم الذين ناقشوا هذه الرواية بعيدا عن الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية، لأنها كانت ضد الدين أو الثوابت العقائدية أو أنها تطاولت على الذات الإلهية . أما الناقد الأدبي بمجلة المصور المصرية عبد النور خليل فيؤكد أن إتاحة حق الضبطية القضائية لبعض من مشايخ الأزهر لمصادرة بعض الكتب كأنه محكمة ملزمة وواجبة التنفيذ. واضاف خليل ان كتاب نوال السعداوي "سقوط الإمام" الذي صادره الأزهر مؤخرا وأثار ضجة في الأوساط الثقافية المصرية، هو كتاب قديم وصدر منذ 20 عاما ولكن مؤلفته أعادت طبعه مرة أخرى. ويتابع خليل كما ان كتاب "قراءة في الجنس" يستحق المصادرة ولكن لا يجب ان تكون المصادرة عائقا لحرية الفكر والإبداع. واضاف خليل "يجب أن تكون قاصرة على ما يتعلق بكتب الدين فقط التي تقع تحت مظلة الأزهر كجهة مراجعة وتوثيق وتدقيق وبحث".