هتلر "الإنسان" يسبب صداعا جديدا للألمان

نشر في:

تسبب عرض فيلم "الأفول" الذي يصور الجانب الإنساني من حياة هتلر في إثارة جدل واسع في ألمانيا وسبب صداعا جديدا للدولة التي مازالت تحاول قبول ما حدث في الحرب العالمية الثانية، وما زالت تعتبر التطرق إلى تاريخ أشهر دكتاتور في التاريخ من الأمور المحرمة.

والفيلم الذي تكلف ملايين الدولارات هو من اخراج أوليفر هيرشبيغل، ومن انتاج برند آيشنغر، الذي كتب السيناريو أيضا، وقد اقتبس مادته من كتاب بالعنوان نفسه ليواخيم فيست ومن مذكرات تراودل يونغه، سكرتيرة هتلر.
وتغطي أحداث الفيلم الحقبة بين العشرين من أبريل/نيسان والثاني من مايو/أيار 1945، وهو يتوقف عند تفاصيل الايام الاخيرة للرايخ الثالث بانتحار هتلر في حصنه في 30 ابريل/نيسان 1945, ويؤدي دور هتلر فيه الممثل السويسري القدير برونو غانز، الى جانب كوكبة من الممثلات الأوربيات القديرات: كورينا حرفوش في دور ماغدة زوجة غوبلز، وزير الدعاية في عهد هتلر، ويوليانه كولر في دور عشيقة هتلر ايفا براون، وألكسندرا ماريا لارا في دور تراودل يونغه. ويتركز الجدل الدائر حول الفيلم حاليا حول مخاطر اظهار الشر متمثلا في وجه بشري. وفي هذا السياق تساءل هلموت كاراسيك ناشر صحيفة "تاغيشبيغل" في تعليق على صفحة كاملة وسط تغطية اعلامية واسعة للفيلم في الصحف الالمانية "هل يسمح لنا بتصوير شخص على انه انساني بعد ان تسبب في مقتل 40 مليون شخص؟".وقال اوليفر هيرشبيغل مخرج الفيلم ان الوقت حان للمخاطرة بتقديم مثل هذا الفيلم، وأضاف "ان الخطر لا يكمن في تصويره على انه بشر بل في وصف هذا الرجل على انه وحش وخلق اسطورة تجعل منه شخصية كرتونية كوميدية". وتابع "ان الادعاء بان هتلر لم يكن بشرا يعتبر اهانة للضحايا لان ذلك يعني انه كان شيطانا حل على الشعب الالماني او شخصا مهووسا لم يكن قادرا على تحمل مسؤوليات اعماله. لقد كان يعلم جيدا ما كان يفعله في كل لحظة من لحظات حياته".

تغطي أحداث الفيلم الحقبة بين العشرين من أبريل/نيسان والثاني من مايو/أيار 1945، وهو يتوقف عند تفاصيل الايام الاخيرة للرايخ الثالث بانتحار هتلر في حصنه في 30 ابريل/نيسان 1945

وتدور أحداث الفيلم في برلين المدمرة والآيلة للسقوط التام. حيث كانت المعركة في العاصمة حسمت بخسارة الالمان. وكان السكان المغلوبون على أمرهم يصارعون من أجل البقاء. وكان أدولف هتلر قابعا في ملجأه تحت الارض، يعيش أوهاما خرافية وحوله مرؤوسيه يشعرون في أعماق النفس بدنو الاجل.
وكان الزعيم النازي يتصور نفسه ما زال زعيما. يضع الخطط لن يستطيع جنوده المثخنون ولا جنرالاته اليائسون تنفيذها. يلفظ أوامره بنبرات لا تخلو من الارتباك، ويرسل فرقا عسكرية، كانت قد أبيدت في الواقع، الى مواقع مستحيلة المنال. كان في عالم وهمي يتصور أن المجد ما زال حليفه، بينما الواقع عكس ذلك تماما. وكان ينتظر نصرا لم يأت. حتى إذا ما وعى الحقيقة اقدم على الانتحار يوم الثلاثين من إبريل/نيسان عام 1945.ويقدم الممثل برونو غانز في الفيلم تصويرا رائعا لهتلر في مشاهد لم يكن يتخيلها احد ومنها مغازلة سكرتيراته وتقبيله عشيقته ايفا براون بحرارة وغضبه الشديد حول التقارير التي تتحدث عن هجمات الجيش الاحمر, وتلطيخه زيه العسكري الرمادي بصلصة اثناء تناوله طعام العشاء.ويرى المشاهدون هتلر في الفيلم وهو يرتعش باستمرار لاصابته على ما يبدو بمرض باركنسون, وكذلك وهو يقوم باصدار اوامر بنشر جيوشه المهزومه لمواجهة الروس وتوقيعه على امر يؤدي الى قتل مئات الالاف برفضه الاستسلام.{2}واحتوى الفيلم كذلك على بعض الكوميديا رغم انها كانت سوداء. ففي احد المشاهد يتم احضار احد القضاة الى الحصن الذي كان يتواجد فيه هتلر وايفا براون لتزويجهما وكيف ان القاضي كان محرجا ان يسأل الاثنين عما اذا كانا يحملان في عروقهما دما آريا نقيا, وهو السؤال الذي كان يطلب منه توجيهه في ذلك الوقت.. وطوال الفيلم يشيد هتلر باخلاص وتفاني اتباعه ويفاخر بالقبضة الحديدية التي حكم بها البلاد طوال 12 عاما.وقال غانز انه كان يهدف الى معرفة سر جاذبية هتلر لدى الشعب في ذلك الوقت. ويأمل منتجو الفيلم ان يحصل الممثل على جائزة اوسكار عن افضل فيلم غير ناطق بالانجليزية.. وصرح غانز في مقابلة تلفزيونية "انا لا اكره هذا الشخص (هتلر) والا لما استطعت ان امثل شخصيته". وكانت افلام سابقة قام ببطولتها الممثل اليك غينيس وانتوني هوبكنز صورت هتلر على انه شخص معتوه وفشلت في القاء الضوء على سر جاذبيته التي جعلت ملايين الالمان يتحلقون حوله.

وقال مخرج الفيلم هيرشبيغل انه يدرك مخاطر نشر التفهم او حتى التعاطف مع هتلر. وأضاف "ان اثارة اسئلة جديدة لا يعني اطلاقا بانني حين اظهر هتلر كانسان فانني استخف به او اجعل منه شخصا محبوبا". وقال "هذا هراء. اذا استخلصت بان هتلر شخص محبوب فانك لم تكن تستمع (الى ما كان يقال في الفيلم)".
{3} ويغرق المشاهدون في رعب الساعات الاخيرة حين يرون الضباط الالمان ينفذون اوامر هتلر الاخيرة بسكب البنزين على جثته وجثة عروسه واضرام النار فيهما ويشاهدون زوجة رئيس الدعاية الالمانية جوزف غوبيلز تخدر اطفالها الستة وتضع كبسولات الزرنيخ في افواههم الصغيرة.الا ان بعض النقاد اتهموا منتجي الفيلم بالافتقار الى الشجاعة في الاجابة على احد اهم الاسئلة في التاريخ وهو: كيف كانت جرائم الرايخ الثالث ممكنة؟".. وحول هذا كتبت صحيفة "فرانكفورتر الجماينة" تقول "ان حقيقة ان الفيلم يتظاهر بانه دخل منطقة محظورة لا يعكس جهود الالمان بمواجهة الاشتراكية القومية وجها لوجه". وتساءلت "اذا كان الفيلم يصور شخصا سفاحا على انه بشر يستطيع اثارة التعاطف معه في ايامه الاخيرة وان الدكتاتور يمكن ان يعيش حياة عادية, اذا ماذا كانت صورة المانيا في عهد هتلر في اذهاننا حتى يتم عرض مثل هذه الاشياء باعتبارها اكتشافات جديدة بالنسبة لنا؟".واشار كراسيك الى ان مشاهدة شخصية هتلر الضعيفة لن تجعل منه شخصية قوية بل قللت من اهميته, بالضبط كما حدث مع صدام حسين حين عرضت صوره وهو يخرج من الحفرة التي كان يختبىء فيها". وقال ان "برونو غانز يظهر انه حتى اكثر الامور لاانسانية تنبع عن انسان. وهذا لا يقلل من (فظاعتها)".وقد تم بيع الفيلم الذي تكلف 16,5 مليون دولار في اوروبا واليابان، ويأمل المنتجون ان يتم توزيعه في اميركا الشمالية وبريطانيا بعد عرضه الثلاثاء المقبل في مهرجان الافلام بتورونتو، وسيكون ذلك باستخدام نسخة ناطقة بالألمانية مع ترجمة مرافقة باللغة الإنجليزية.

يغرق المشاهدون في رعب الساعات الاخيرة حين يرون الضباط الالمان ينفذون اوامر هتلر الاخيرة بسكب البنزين على جثته وجثة عروسه واضرام النار فيهما ويشاهدون زوجة رئيس الدعاية الالمانية جوزف غوبيلز تخدر اطفالها الستة وتضع كبسولات الزرنيخ في افواههم الصغيرة

وفي وقت سابق قال كاتب السيناريو والمنتج برند آيشنغر إنه يريد أن يروي التاريخ لا أن يعلق عليه، مؤكدا أنه أمضى السنوات العشرين الاخيرة شغوفا بتاريخ النازية، متعمقا في تفاصيله. وبرغم أن الاحداث تغطي الايام الاثنى عشر الاخيرة، فالسيناريو يستعيد أيضا الاعوام الاثنى عشر التي جثم فيها النازيون على السلطة في ألمانيا. ويضيف قائلا إن الوقت أصبح ملائما لانتاج مثل هذا الفيلم. خصوصا بعد تغير الاجيال في ألمانيا. ويرى أنه من المهم أن يروي الالمان تاريخهم، بنظرة من الداخل، مع ترك العواطف جانبا. وكان يعتبر ما هو عكس ذلك، أى رواية التاريخ الالماني من الخارج، كابوسا مرهقا.
ويوافق المخرج أوليفر هيرشبيغل رأى المنتج الكاتب. ويقول إنه أراد أن يخرج فيلما دراميا، بلغة السينما المعاصرة، يستند الى وقائع تاريخية، تظهر فيها لقطات الحرب التي تظهر بشاعتها، وجنون الدكتاتورية، ومعاناة المواطنين الذين فرض عليهم الامر الواقع فرضا. ومنذ بداية التفكير في انتاج الفيلم، استقر رأى المخرج والكاتب على اسناد دور هتلر الى برونو غانز.أما الممثل النجم فقال: "لم يكن أداء شخصية هتلر في السينما من أحلامي، لكنه دور مهم. وحدث أنني تحصنت في منزلي، حتى لا أستغرق في الشخصية لدى التصوير وأتماهى معها. لكن ذلك لم يكن ممكنا في الواقع". ومع ذلك حدث أنه في مقاطع من دوره شعر بالشفقة على شخصية هتلر الرثة. وقال: "ولولا ذلك ما استطعت أداء الدور بإتقان". وقد عبر برونو غانز في تمثيله عن هتلر الذي فقد الاحساس بالواقع، والمسكون بالجنون والحقد.

الوقت أصبح ملائما لانتاج مثل هذا الفيلم. خصوصا بعد تغير الاجيال في ألمانيا. ويرى أنه من المهم أن يروي الالمان تاريخهم، بنظرة من الداخل، مع ترك العواطف جانبا. وكان يعتبر ما هو عكس ذلك، أى رواية التاريخ الالماني من الخارج، كابوسا مرهقا

منتج الفيلم برند آيشنغر