أطفال غزة: يلعبون بالقنابل ويحملون "بصماتها" على أجسادهم

يعتبرون "الأكواع" شكلا للمقاومة

نشر في:

يبدو أن وجودهم الدائم تحت ظلال الخطر وفي مرمى قناصة الاحتلال ونيران آلياته العسكرية كان الحافز الأول، لأن يبرع الصبية الصغار في هذه قطاع غزة في صنع قنابل متفجرة محدودة الأثر ضد الاحتلال لكنها شكلت على الدوام مصدرا للخطر عليهم وعاملا من عوامل الفتك بهم.

وأضحى اتقان هؤلاء الصبية صنع قنابل "الأكواع" لعبا بالنار في ضوء الحوادث التي يتعرضون لها. وترافقت هذه الظاهرة مع مظاهر أخرى للألم أطلت برأسها على الأسر الفلسطينية هناك، إذ لا تمر بضعة أيام حتى يضاف طفل جديد لقائمة طويلة من أطفال تأذوا من هذه القنابل وتركت "بصمات" واضحة على أجسادهم الغضة.
يقول حسام (15 عاما) وهو صبي من مخيم جباليا وكان يجر قدميه بصعوبة نتيجة انفجار قنبلة "انفجر الكوع بين قدمي، عندما كنت أحاول سحب الفتيل فاخترقت الشظايا الركبتين، ورغم مرور أكثر من 3 سنوات، إلا أن وضعي لم يتحسن بعد". ومثل هذه القنابل بدائية الصنع تسمى "أكواعا" هناك، ويعرفها الناس جيدا من خلال الآثار التي خلفتها على أطراف عدد مقدر من أبنائهم خلال سعيهم لامتلاك سلاح، أي سلاح في مواجهة احتلال لا يرحم.
ويتابع حسام متحدثا لـ"العربية.نت" عن عزمه على مواصلة عمله في صناعة "الأكواع"، "رغم إصابتي، لو توفر لي كوع فسأستخدمه، ولكن في مكان بعيد عن الناس لئلا يؤذي أحدا إذا انفجر وليس مهما أن يؤذيني شخصيا". واعترف بخطورة الاستخدام العشوائي لهذه القنابل قائلا "كان صديقي يحاول صنع كوع في منزله فاحترق الكحول في وجهه وأحدث له تشوهات واضحة".
ومن يتسنى لهم اجتياز عقبة التصنيع التي تودي بحياة بعض وتترك عاهات بآخرين، يصطدمون باختبار أكثر شراسة.. قوات الاحتلال هذه المرة. يوسف زقوت وعبد الله حمدونة ومحمد أبونادي 3 فتيان لا تزيد أعمارهم عن 12 عاما كانوا متفوقين في دراستهم، قرروا ذات يوم التوجه إلى مستوطنة "نتساريم" القريبة ومهاجمتها بـ"الأكواع". وعلى الرغم من أن هذه القنابل تبقى محدودة الأثر، إلا أن رصاص قوات الاحتلال حصد أرواحهم جميعا حتى قبل أن يستخدموا القنابل.

وتباع المواد التي تدخل في صناعة مثل هذه القنابل في بعض المناطق والشوارع لقاء بمبالغ زهيدة تجعل من السهل الحصول. ويقول جهاد (17 عاما) وهو من بيت لاهيا وكان قد فقد 4 أصابع وجزءاً من يده اليسرى جراء انفجار "كوع"، "أصبت مؤخرا حين كنت أتدرب على إطلاق الكوع برفقة مجموعة من أقراني، لكن الكوع ارتد على يدي وأصابني بجروح ستبقى تلازمني مدى الحياة". واعترف باستخدام الكوع مرات عدة، مشيراً إلى سهولة تصنيعه ورخص ثمن المواد فالكوع متوفر في السوق بأسعار رخيصة جدا لا تتجاوز 3 دولارات".
أما المواطن أبوغسان (45 عاما) وهو من رفح ولا زال يعاني من آلام شديدة في بطنه جراء انفجار كوع فيسرد قصة من نوع مختلف، إذ أصيب حين أطلق مجهول كوعاً خلال مشاجرة عائلية مع جيرانه، مما اضطره لإجراء عملية جراحية لانتزاع شظايا الكوع لا زال يعاني آثارها حتى الآن. ورغم خطورة هذه الظاهرة، إلا أن المؤسسات المعنية بالأطفال تشهد قصورا واضحا في توثيق الظاهرة، مما أدى إلى تعذر العثور على إحصاءات نهائية حول عدد الشهداء والجرحى.
وقال المقدم صالح أبوالعزوم مدير هندسة المتفجرات في الشرطة الفلسطينية لـ"العربية.نت"، "تم رصد الكثير من الحالات لكن لا توجد إحصائيات دقيقة للأطفال الذين يستخدمون الأكواع المتفجرة، وأذكر تم رصد 79 إصابة بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الثانية عشر فضلا عن استشهاد 4 مواطنين بسبب الاستخدام الخاطئ للكوع".
ويرجع أبوالعزوم سبب انتشار الظاهرة بين الأطفال والمراهقين إلى رخص ثمن الأكواع وتوفرها في السوق بأسعار معقولة إلى جانب توفر المواد التي يتكون منها مثل المواسير والبارود الأسود والكبريت.
وقال إن سهولة التصنيع ساهمت في انتشار الظاهرة، أما عن تركيب الكوع فقال إنه عبارة عن ماسورة خارجية مسننة من الطرفين تغلق بسدادات وفي أحد الأطراف يترك ثقب يوضع فيه فتيل الإشعال ويتم حشو الكوع بالبارود أو الكبريت الأسود وبعد إشعال فتيل الكوع تتولد غازات تخرج بقوة من أضعف منطقة "الفتيل" فيسمع دوي انفجار قوي.
وأكد أبوالعزوم أن النتائج المرجوة من استخدام الأكواع كأسلحة للمقاومة غير إيجابية بتاتا فالقنبلة لا تندفع خلال تفجيرها أكثر من 20 مترا لتخلف أثرا ضئيلا جدا عند الهدف.
وأشار إلى أن الأطفال يعتقدون أن هذه الأكواع أحد أشكال المقاومة فتكون النتيجة سلبية على الطفل، حيث يرتد الكوع عليه ويصيبه. وأعرب عن قلقه العميق جراء انتشار الظاهرة على نحو واسع إلى حد أنها أصبحت أحد أشكال ردود الفعل خلال الشجارات العائلية العادية وبعد انتهاء المشكلة عادة ما تستدعى شرطة هندسة المتفجرات لتخليص منازل المواطنين من الأكواع .

ويؤكد خليل "ع" من ناحيته وهو أحد رجال المقاومة الفلسطينية في مدينة رفح التي تنتشر بها صناعة القنابل المتفجرة لـ"العربية.نت"، "أن الأكواع كانت موجودة في المجتمع الفلسطيني قبل بدء الانتفاضة، لكنها تحولت إلى ظاهرة مع بدء الانتفاضة وأخذت تزداد وتنتشر بشكل كبير خاصة بين الأطفال والشبان.
وتقول مصادر موثوقه إن هناك جهات تقوم بتسويق وبيع الأكواع لطلبة المدارس والفتية بأسعار زهيدة تشجعهم على اقتناء هذه الألغام واستخدامها، خاصة أثناء ساعات الليل وأثناء المسيرات والتظاهرات الحاشدة التي تجري في المدن والمخيمات الفلسطينية".
من جانبه أكد د. خالد دحلان الطبيب في برنامج غزة للصحة النفسية أن الطفل الفلسطيني يبحث عن بدائل للمقاومة ليساهم في العمل الوطني في محاولة لتغيير الواقع الذي فرض عليه. وأضاف "لاحظنا من خلال دراسات وأبحاث موضوعية للواقع النفسي للأطفال في فلسطين أن الصدمة النفسية تشكل السبب الأول ,إضافة إلى ازدياد مستوى السلوك العدواني".
وأوضح أن معظم أطفال فلسطين لهم نشاطات في الانتفاضة، إلا أن أحداً منهم لا يستشير والديه في هذه المشاركة. وقال إن ذلك هو محاولة طفولية للتحرر ورد فعل على الظروف التي يحياها ويجد الطفل ضالته في الأكواع كونها رخيصة الثمن ومتوفرة وسهلة التصنيع.
وأكد د. دحلان أن بعض الخطب الحماسية التي تلقى على مسامع الطفل ومشاهد تشييع الشهداء بطريقه فيها من العظمة ما يغري الطفل على تقبل فكرة الاستشهاد في سبيل الوطن رغبة منه في الحصول على مثل هذا التكريم ومحاولة تقديم أي شىء لبلده فالطفل ينشأ وقد "ذابت ذاته في ذات الجماعة التي يحيا فيها".