عاجل

البث المباشر

البطالة تدفع بشبان مصر للانتحار والجريمة!!

فوجئ المصطافون على شاطئ العجمي بمدينة الإسكندرية المصرية يوم 11مايو/ آيار الجاري بقرابة 44 شابا مصريا يخرجون من مياه البحر، وهم في حالة إعياء شديد، وعلى وجوههم الذهول التام، لأنهم تصوروا بعد البقاء في البحر مدة ستة أيام، والسباحة عدة ساعات، أنهم وصلوا اليونان، كما أوهمتهم عصابة نصبت عليهم لتسفيرهم إلى الشواطئ اليونانية، ثم فوجئوا أنهم لا يزالون في بلادهم!.

الشبان الذين قدموا من عدة مدن مصرية، وبينهم طلاب ومزارعون وصيادون، كشفوا في التحقيقات أن كل فرد منهم دفع 15 ألف جنيه مصري (حوالي 2400 دولار) لعصابة لتسفيرهم، بصورة غير مشروعة، إلى اليونان عبر البحر، للعمل هناك، وركبوا مراكب صيد دخلت بهم أعالي البحر حيث ظلوا هناك ستة أيام، ثم أوهمهم صاحب المركب أنهم وصلوا إلى الساحل اليوناني، وطلب منهم السباحة إلى الشاطئ!.
ويقول رجال أمن مصريون إن هذه كانت أحدث دفعة لشبان مصريين عاطلين يرغبون في السفر، بحثا عن عمل، وقعوا في أيدي عصابات النصب على الشباب العاطل، وإيهامهم بالسفر إلى أوروبا، والتمتع بالنعيم هناك، والعودة بثروة طائلة، وأن حظهم ربما كان أفضل من غيرهم ممن سافروا بالفعل بطريق غير مشروع، ووصلوا إلى شواطئ اليونان أو مالطا أو إيطاليا القريبة من مصر، ولكن قبض عليهم في البحر، وتمت إعادتهم لمصر.
وتشير إحصاءات مصرية إلى أن تزايد نسبة البطالة بشكل كبير بين الشباب المصري، والتي تتراوح بين مليونين وستة ملايين شاب، بنسبة تقترب من 20 في المائة من العمالة المصرية، واكبها زيادة إقبال الشباب على السفر إلى الخارج، خصوصا الدول الأوروبية، بهدف تحقيق الثراء السريع من جانب شبان تأثروا بالأفلام الأجنبية، وقصص رواها نفر قليل منهم سافر للخارج، وعاد غانما، بعدما استقر هناك منذ سنوات وتزوج بأوروبية.
ومع تزايد الراغبين في السفر وانسداد آفاق الهجرة الشرعية، بسبب القيود الشديدة على تأشيرات الدول الأوروبية وأمريكا، بدأت تظهر عصابات لتسفير الشباب، بطرق غير شرعية، أشهرها السفر عبر البحر بمراكب صيد متهالكة من الشاطئ الليبي القريب من إيطاليا، أو عبر موانئ مصرية.
وقد تعرض بعض الشباب المصري العاطل، خلال الشهور الماضية إلى أسوأ أنواع الاستغلال من قبل سماسرة السفر عن طريق البحر، حيث قاموا بالتعاقد مع عدد منهم لتسفيرهم إلى بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها اليونان وإيطاليا، وكانت النتيجة إخفاقا وفشلاً ذريعا وموتا في عرض البحر لغالبية هؤلاء الشبان.
ومن حالفه الحظ، وابتسم له القدر، ووصل إلى الشواطئ الإيطالية أو اليونانية، وجد في انتظاره رجال خفر السواحل والسجن ثم الترحيل إلى مصر مرة أخرى، عبر السفارات المصرية هناك، ليفقد "تحويشة عمره"، التي دفعها للنصابين، ويزداد فقرا بسبب استدانة أسرته الأموال لإعطائها له، أملا في أن يرجع لهم بالمال الوفير.
وبين الحين والآخر تعرف قاعات الوصول بمطار القاهرة الدولي مشاهد مأساوية في صورة مجموعة من الشباب المصري المحطم نفسيا وماديا، قادمين وسط حراسة أمنية مشددة من الجهات الأمنية في البلاد الأوروبية المرحلين منها، بعدما كانوا يحلمون بالسفر إلى هذه البلدان، والعيش حياة رغدة، وكل منهم يروي حكاية مختلفة عن ظروف معيشية صعبة، وبطالة قاتلة، دفعته للبحث عن أي وسيلة للسفر.
1482 مُرحل في 8 أشهر
وتشير أحدث مذكرة رفعتها شرطة مطار القاهرة الدولي للأجهزة المختصة والمهتمة بالشباب، وكشفت عنها صحيفة /الوفد/ المعارضة، أن تلك الظاهرة الخطيرة مستمرة بلا توقف، وتحتاج إلى توعية الشباب، وخلق فرص عمل داخل مصر، وأن هؤلاء الشباب تتراوح أعمارهم غالبا ما بين 22 إلى 35 عاما، وأن عدد الشباب المرحل من الدول الأوروبية في خلال الشهور الثمانية الماضية فقط بلغ 1482 شاباً.
وكانت آخر مجموعة من هؤلاء 40 شاباً مصريا جري ترحيلهم من إيطاليا، الشهر الماضي، بعد ضبطهم أثناء محاولة تسللهم بطرق غير مشروعة، وكانوا أكثر حظا من مجموعة أخرى من 22 شابا من إحدى القرى القريبة من القاهرة لقوا مصرعهم غرقا في عرض البحر، بسبب تهالك حالة السفن، التي كانوا يركبونها، وتكدسهم بها، وانقلاب الأحوال الجوية، مما حول قريتهم إلى مأتم كبير.
البطالة وحش كاسر!!
ولا تخفي الحكومة المصرية ارتفاع نسبة البطالة في سوق العمل في مصر، ولكن أرقام البطالة تختلف في التقديرات الحكومية المخففة نسبيا عن بقية تقديرات الخبراء الاقتصاديين المستقلين، وتقديرات المنظمات الدولية، وتعزوها الحكومة المصرية إلى القفزات المستمرة في تعداد السكان في مصر (70 مليونا)، مع عدم قدرة السوق الاقتصادي على استيعاب القوى العاملة، التي تخرج سنويا للسوق، من طلاب الجامعات والمعاهد بالآلاف.
وقد اعترف الرئيس المصري حسني مبارك في خطابه الأخير بمناسبة عيد العمال بخطورة مشكلة البطالة، وقال في السادس من أيار (مايو) 2004 إن التحدي الرئيسي الذي تواجهه مصر هو البطالة، التي تقارب نسبة 10 في المائة من إجمالي اليد العاملة الفعلية في البلاد، ودعا إلى مضاعفة الجهود للتحكم في الزيادة المضطردة في عدد السكان.
وتشير إحصاءات رسمية مصرية إلى أن نسبة البطالة في مصر تصل لحوالي 9.9 في المائة من أصل اليد العاملة الفعلية، بحسب تقديرات رسمية، وأن عدد العاطلين يقترب من مليوني شخص، بيد أن جهات اقتصادية أخرى تقدر عدد العاطلين بنحو 4.5 ملايين عاطل، وتقدرهم جهات أخري بـ 6 ملايين، وتقول إن المشكلة مرشحة أكثر للتزايد، حيث إن طالبي العمل يتزايدون سنويا، والجامعات المصرية تخرج نحو 160 ألف خريج، وتصل أعداد خريجي الشهادات فوق المتوسطة إلى 600 ألف، غير 350 ألفاً متسربين من التعليم، يتوقع دخولهم إلى سوق العمل سنويا، و150 ألف عاطل بدرجة "دكتوراه".
ويقول صندوق النقد الدولي إن على مصر أن تحقق نموا نسبته 6 في المائة لتتمكن من إيجاد 600 ألف فرصة عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل والعاطلين عن العمل، بيد أن التحول في سياسة الحكومة المصرية، والتوقف عن تشغيل الخريجين منذ مطلع التسعينيات، وترك السوق للعرض والطلب، وفق احتياجات القطاع الخاص، رفع نسبة العاطلين عن العمل.
البطالة أحد أسباب الانتحار
وتشير دراسات أمنية مصرية إلى أن نسبة من الشباب المصري الذي أقبل على الانتحار ترجع إلى بطالة هؤلاء الشبان، وشعورهم باليأس، وأنهم عالة على أسرهم، التي ربتهم وعلمتهم، وظلوا في كنفها، حتى بلغت أعمار بعضهم سن 40 عاما، بدون عمل أو زواج أو أمل في مستقبل مهني محترم. وقد نشرت صحف مصرية مستقلة نماذج لعدد من هؤلاء الشبان ممن انتحروا تاركين رسائل تدل على يأسهم وصعوبة الحياة، في ظل عدم وجود عمل.
كما نشرت صحف مصرية تقارير، نقلا عن وزارة الداخلية المصرية، تؤكد أنها تلقت في العام الماضي 2003 فقط 3 آلاف بلاغ بانتحار أصحابها، معظمهم من الشباب في سن لا يتعدى 40 عاماً، وأن معظمهم من العاطلين، الذين لم يجدوا فرصة عمل، أو من الذين فشلوا في تحقيق حلم حياتهم بالزواج من فتاة الأحلام أو فتى الأحلام، لنقص الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية.
وأشارت التقارير إلى أنه خلال الأعوام الأخيرة تفشت ظاهرة الانتحار بين الشباب خاصة في الأماكن والمناطق الشعبية، وأغلبها إما بحرق أنفسهم، بعد أن يقوم الشاب بسكب الكيروسين وإشعال الثقاب في نفسه، أو الغرق في نهر النيل، أو أن يلقي بنفسه من مكان مرتفع.
وغالبا ما يكون المنتحر، وفق تقرير الداخلية المصرية، يعاني من اليأس، بسبب عدم قدرته على إعالة نفسه أو أسرته، التي يكون هو المسؤول عنها، بسبب وفاة والديه أو عجزهما، ولا يجد عملا مناسبا، أو يشعر بأنه لا مستقبل له، مع تقدم سنه، وصعوبة توافر عمل، وصعوبة الزواج، وفي أغلب الأحوال يأتي الانتحار نتيجة زيادة حالة الاكتئاب.