عاجل

البث المباشر

قانون الأسرة يثير جدلا كبيرا في الجزائر

أثار المشروع التمهيدي لقانون الأسرة الذي وزعته لجنة تعديل قانون الأسرة بالجزائر موجة من التساؤلات حول المغزى السياسي الكامن وراء المواد الجديدة المدرجة في التعديل، خاصة ما يتعلق منها بإلغاء إلزامية حضور الولي أثناء عقد زواج المرأة الراشد، وجعل عنصر الولاية اختياريا، إلا في حالة عدم بلوغ المرأة والرجل سن الرشد القانونية (19 عاما) والتي حددها المشروع التمهيدي على حد سواء.

وتنقسم الساحة الجزائرية بخصوص تعديل قانون الأسرة إلى ثلاث فرق، أولاها يمثلها الإسلاميون ـ على غرار "حمس" والإصلاح ـ الذين لا يرون بديلا عن قانون 1948 المستمد من الشريعة الإسلامية، وهؤلاء يرون أن التعديلات لا تستجيب لطموحهم في تكريس الثوابت الوطنية، كما يرون أن مشروع تعديل قانون الأسرة لا يحمل أي ضمانات لحماية المعاني الأسرية السامية، ولا يكرس التلاحم الذي يفرضه التوجه الإسلامي للمجتمع الجزائري، على أساس أن المرأة لا يمكنها بأي حال الاستغناء عن الولي في حال عقد الزواج، وحينما يجعل القانون ذلك اختياريا فإنه يفسح المجال ـ في رأي الإسلاميين ـ إلى تفسخ أسري وانفصام في عرى أهم خلية مكونة للمجتمع.
أما التوجه الثاني الذي يمثله العلمانيون والحداثيون، فاعتبر أن التعديلات المقترحة ليست غير ماكياج لقانون متعسف يظلم المرأة ويعتبرها قاصرة، ويرون في العموم أن مشروع التعديل نفسه لا يخدم المرأة الجزائرية، وذلك بوضع قانون مدني خالص بعيدا عن قانون 1984، ويطالبون بإلغاء كل ما من شأنه أن يجعل من المرأة نصف مواطنة على حد تعبيرهم.
أما الفريق الثالث في الساحة الجزائرية يمثله الوطنيون، وهو التيار الحاكم في الجزائر ممثلا في أغلبية حزب جبهة التحرير الوطني وحليفه التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضع أحمد أويحي على رأس حكومة عبد العزيز بوتفليقة، وهؤلاء لم يشاؤوا التدخل في المعارك الكلامية التي تسود الساحة منذ الملتقي الدولي الذي تم عقده حول حقوق المرأة.
وكانت معارك صحفية كبيرة دارت سنة 1998 داخل المجلس الإسلامي الأعلى بين متزعم التيار الرافض للتغير الشيخ شمس الدين رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية المحلة، والمرحوم د.عبد المجيد مزيان رئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك، ورغم حدة الصراع ظل الوطنيون يلتزمون الصمت في غالب الأحيان، رغم أنهم الفاعلين الأساسيين في الساحة السياسية بالجزائر.
ويرى ملاحظون أن التعديلات المقترحة تتسق مع السياسة العامة للبلاد سواء من ناحية التوجه الليبرالي المكرس أومن ناحية مسايرة العالم الحديث، ويضيف نفس الملاحظين أن تعديل القانون جاء توفيقيا بين الأطراف المتصارعة حول صياغة الصورة المثالية للأسرة الجزائرية وفقا لما يقتضيه تصور كل طرف على حسب الإيديولوجية والتوجه السياسي، إلا أن هذا المشروع التوفيقي يبدو بعيدا عن غايته.
فإلغاء إلزامية حضور الولي أثناء عقد الزاوج يحرج الإسلاميين رغم اعترافهم بجواز ذلك على مذهب أبي حنيفة، ونفس الحرج يجده العلمانيون الديمقراطيون والحداثيون فيما يتعلق بإلزامية توفير سكن للمرأة الحاضن رغم إقرارهم بأن المشروع التمهيدي للقانون أعطى المرأة الجزائرية الراشد الحق في تزويج نفسها.
ويرى الطرفان المتصارعان أن المسألة ليست مجرد إجراءات يمكن تأويلها على حسب الحاجة، فهي لا تتواءم في معظمها مع مطامح هؤلاء وأولئك، وهو ما أدى بالفريقين إلى التوجس، ليطالب الإسلاميون بعدم قبول ضيافة أبي حنيفة في ديار مالك، ويطالب معارضوهم بإلغاء كل ما له علاقة بـالفقيهين معا ووضع قانون مدني يحفظ للمرأة حقها في المواطنة كاملا.
ويرى الكثير من المراقبين أن الموقفين المتعارضين يتفقان كلاهما في نقد مشروع قانون الأسرة التمهيدي، باعتباره تخليا عن الشرع الإسلامي من جهة، وتكريسا للرؤية الإسلامية من جهة أخرى، ولا شك أن هذا التناقض الحاد سيفضي إلى سجالات ساخنة داخل لجنة وزير العدل الطيب بلعيز المكلفة بصياغة مشروع جديد لقانون الأسرة.