"العربية.نت" تقف على تفاصيل وقصص "غوانتانامو إسرائيل"
اللبنانيون والإيرانيون أغلب نزلائه
السجن السري 1391 اللغز الضائع كما يصفه البعض، لا تختلف حيثيات التعذيب فيه عن "ابو غريب"، وتفاصيله متشابه مع باقي السجون، إلا بتحديد مكانه فقط، سمعنا الكثير عنه، ودخله الكثيرون، وحلقة التعذيب بداخله اكبر من غموضه ذاته، أول شرخٍ في التكتّم (الإسرائيلي) حوله جاء على يد المحامية "تسيمل"، بعيد الاجتياح الإسرائيلي للمدن الفلسطينية في العام2002، لكن حتى بعد إعلان المحامية بوجود هذا السجن، بقيت إسرائيل متسترة، ولم يصدر منها رد فعل بالنفي أو الإثبات كما هي دائما، وقد علقت "تسيمل" حينها بالقول: "السجن السري الذي لدي دلائل تشير بوجوده فقط، وليس مكانه، حاولنا عبثا الضغط على المحكمة الإسرائيلية أن تصدر قراراً تجبر فيه الحكومة (الإسرائيلية) على نشر أية معلومات قيمة حول هذا السجن المظلم بغموضه، لكن لا حياة لمن تنادي، وتضيف: أي شخص يدخل هذا السجن يختفي، ومن المحتمل للأبد".
مهمتنا كانت البحث عن المعتقلين الذين أطلق سراحهم من هذا السجن، وبدأنا مشوارنا مع بشار جاد الله (50عاما) وابن عمه محمد جاد الله (23) عاما، اللذين اعتقلا عن جسر ألنبي، بعد أن عبرا الحدود ما بين (إسرائيل) والأردن في 2/11/2002، ودخلا متاهات السجن صاحب الرقم 1391، واللذين اخبرا من قبل سجانيهم أنهم على "سطح على القمر".
حاولنا الوصول إلى الحاج بشار جود الله (50 عاما)، والذي يعمل تاجرا بمدنية نابلس شمال الضفة الغربية، وكان اللقاء الذي أردناه، لكن واجهتنا صعوبة، وهي خوف وتردد الحاج بالحديث إلينا، فبالرغم من مرور حوالي 18 شهرا على تجربته الأولى بالسجن، ما زال الرجل الخمسيني مأسورا برهبة المكان، وخوف تداعياته التي ما زالت تلاحقه كظله، لتتغير حياته وتعامله مع واقعه رأسا على عقب في سجن اسماه الكثير من الخبراء والمؤسسات الحقوقية بـ"جوانتانامو أو: "أبو غريب إسرائيل"، وهو الذي يعرف في الدولة العبرية المحتلة بالسجن رقم 1391.
قدمنا له تطمينات، وبعد أن تأكد بأننا نعمل في مجال الصحافة، سمح لنا بالتوغل في عذاباته التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر متتالية، قال: "اتصلت بي إحدى القنوات العربية الكبيرة، ورفضت الكلام معها، كذلك الحال مع عشرات وسائل الإعلام الأجنبية والعربية".
سألناه عن سر هذا الخوف الذي يقوده إلى الصمت وعدم رغبته بالكلام، ليرد علينا: "ليس خوفا بمقدار ما أنني أريد أن أبقى على اعتياديتي، أنا لست بطلا، لقد كنت الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب أيضا، أريد أن أبقى على حياتي وطابعها الخاص".
قدمنا له موقفنا الذي أغراه على الكلام ربع ساعة فقط، وبعد أن دخل في دهليزه الذي يلقي عليه ثقلا خاصا، وشعورا يختلط بالرهبة والرغبة بعدم زيارة المكان مرة ثانية، ربما بحكم العمر، وربما لسوء اللحظات التي عاشها في مكان لم يكن يرى فيه سوى العتمة ونفسه المرتد عليه من خلال الجدران السوداء، لكننا غصنا معه ساعتين لم يقطع هدير كلامه سوى مجادلة بعض الزبائن الذين دقوا صمتنا في استماعنا لحكايته.
حديثه الذي تلقفناه بلهفة أدخله لا شعوريا بتناسي شرط "الربع ساعة" الذي عقدناه سوية، أدرك من خلال ذلك أن عليه الاستمرار في فرط سبحته في الإجابة عن عشرات التساؤلات التي حاول أن يستعيدها كما حدثت معه.
"قالوا لي في يومي الأول: نحن نعرف أنك لم تفعل شيئا، لكنك يجب أن تعترف، نحن نشك فيك، وعليك أن تعترف" هكذا قال جود الله محاولا تبرئة نفسه من خلال كلامهم الذي لم يثنهم عن طرحه في "جب" سجنهم السري. وتابع: "أنا معروف بعدم تدخلي في القضايا السياسية، لكن ابن عمي هو سبب سجني، لو لم آت معه في رحلة العودة إلى الضفة الغربية لما سجنت من أصله". قدرنا هاجسه وخوفه الذي غالبا ما يحاول قتلهما بتلاوة كتاب الله عز وجل، الذي يتربع على الطاولة الخشبية في محل الملابس الذي يملكه.
قال مسرعا محاولا تمرير الدقائق العشر هربا من مزيد من الألم والاسترجاع للأيام الموحشة التي عاشها في مكان لم ير فيه غير العتمة، قالوا له في كل مرة كان يسأل عن مكان تواجده كلمات "أنت على القمر"، "أنت على المريخ".
تكلم بصوت ضعيف، حاول أن يحشدنا خلف كلماته ليتوقف عن الكلام، لكنه كان ينزلق بكم المعلومات الهائل الذي امتلكه من خلال تجربته التي امتدت لشهور ثلاثة، وبمقدار ضعف الجسد كنا نستغرق بالتعجب لحال هذا الرجل الخمسيني، والدهشة ترسم دوائرها حول كيفية تعامله مع واقعه داخل سجن يعرف من خلال أرقام أربعة 1391.
البداية من "جسر ألنبي"، ركب حافلة بلون "كاكي".. وفجأة وجد نفسه معصب العينين ومقيد اليدين من وراء ظهره هو وابن عمه محمد، واقتيدا لمكان مثير لتفاصيل لم يعتاداها، توقع جاد الله في المكان اعتيادية السجون التي سمع عنها، نزل درجات ثلاث، وسار في دهليز مظلم ليجد نفسه في زنزانة خشنة الجدران مطلية بلون أسود، بلا نوافذ، وبباب فولاذي له طاقة يدخل منها الطعام، ليتوغل فيه إحساس الغرابة والخوف من المجهول، بحث من خلال عينيه اللتين لفهما القماش ليوم كامل عن مجال معين للرؤية ليكتشف المكان بدقة أكثر.
ضوء أحمر خافت في سقف زنزانة طولها متران في عرض متر ونصف، إبريق ماء، فرشة من الباطون المسلح، "سطل" (دلو) ماء، وحنفية يتحكم بها من الخارج، وحمام صغير جزء من المساحة الكلية لحجم الزنزانة.
يتابع جاد الله: "دخلت معصب العينين، كنت في البداية أشعر برهبة المكان الذي لا أعرفه، وفي كل مرة كنت فيها أغادر المكان لغرفة التحقيق أو لزيارة الطبيب كانوا يجبرونني على وضع عصبة على عينيي، ولا تفك العصبة أبداً إلا إذا كنت داخل المكان المغلق (غرفة التحقيق أو الزنزانة)".
يتابع: "في الأيام الثلاثة الأولى جاء "الشوتير" (بالعبرية وتعني بالعربية الحارس)، وضعت العصبة على عينيي بناء على طلبه، واستدرت خلف الباب على الجدار المقابل، فتح الجندي الباب وقيدني ليأخذني معصب العينين في أول "وجبة تحقيق"، أخرجني من الزنزانة وسرنا مسافة طويلة ومتعرجة، توقفنا تحت شجرة، السماء كانت تمطر برذاذ قليل، تقدم الضابط مني، سألته عن المكان، قال: "البيت بيتك". ضحك الضابط، وبكى جاد الله من الموقف.
وأضاف الضابط: "أستطيع أن أعدك إن لم تتكلم ألا تخرج من هنا أبدا". ويتابع: "توجهنا لمكتب التحقيق، وهناك خضعت لتحقيق قاس وطويل، لم يكن هناك ضرب، أو أي اعتداء جسدي، كان أسلوبهم نفسي بالدرجة الأولى، وجه لي تهم عدة من بينها تمويل حركة حماس، وإقامة علاقات مع جهات خارجية، ثم قال: "هذه تهم تسجنك مدى الحياة".
توقف عن الكلام بصمت يسترجع ما لم يعلق بذهنه وأضاف: "كانت تمر الأيام طويلة جدا، مليئة بالوحدة القاتلة، والخوف من المجهول، وفي أحد المرات زارني الضابط، كنت أصلي العصر، وبعد أن أنهيت الصلاة قال لي من خلف الباب: "كيف ترى السجن"، قلت له ساخرا: "وهل تضعني في "فندق خمسة نجوم".
رد الضابط قائلا: "مفتاح الخروج من هنا معك، في جيبك"، واخبرني أن ابن عمي تحدث عن كل شيء.
في سبيل تمديد اعتقال جاد الله كان يعرض على محكمة شكلية في "معسكر وسجن الجلمة" القريب من مدينة جنين ليبدو الأمر قانونيا، لكن الحقيقة غير ذلك، ويقول: "بعد 15 يوما متواصلة أخذت إلى الجلمة ليوم واحد، وهناك امتثلت أمام قاض إسرائيلي بلباس عسكري والذي بدوره مدد لي 22 يوما، ومن ثم عدت للسجن الذي لم اعرف شيئا عنه إلا بعد أن غادرته".
يتابع جاد الله: نقلت بعد ذلك إلى "سجن بتاح تكفا" ليكون لي أول اتصال مع البشر، حيث بقيت لمدة ثلاثة أيام داخل زنزانة، وفي صباح اليوم الثالث نقلت إلى "سجن مجدو" لأمكث هناك 11 يوما، قالوا لي وقتها: لقد انتهت فترة التحقيق، واعتقدت أنها فعلا كذلك فقد مررت في ظروف تحقيق لا يعلمها إلا الله، لكنهم بعثوني إلى مصيدة "غرف العصافير" (وهي غرف موجودة في السجون الإسرائيلية كافة، تضم عملاء عرب لإسرائيل، ويكون على عاتقهم الحصول على معلومات عن الأسير الجديد، حول نشاطه وعمله لتستغل عند المحاكمة على شكل اعترافات ضده).
اعتقد جاد الله لقلة خبرته أنه فعلا اجتاز فترة التحقيق، ليعيش مع "العصافير" حياة أعادت له توازنه في انتظار المحاكمة، وعن طبيعة الأيام التي قضاها يقول: "كنت بحاجة إلى أي شخص أتكلم معه، عندما وصلت الغرفة لم أتمالك نفسي، كنت أروى قصتي ببكاء شديد، وهم (أي العصافير) كانوا يتصنعون التعاطف معي كأنهم أبنائي، قلت لهم ما حدث معي، لم أفكر بأنهم جواسيس أو عملاء عرب مزروعين داخل السجن، أحسست أنهم قريبون مني، قلت لهم كل التفاصيل التي عشتها وما حدث معي بالتفصيل.
وبعد فشل "العصافير" في الحصول على اعتراف منه عاد للسجن السري مرة ثانية، كانت العودة بالنسبة له عودة للجحيم الذي اعتقد انه خرج منه، ويضيف: "ما حدث كان بمثابة ضربة قوية، انهارت قواي كلها، فتح باب الزنزانة في سجن "مجدو" لأجد نفسي أمام جنديين من السجن السري، عرفتهم من طبيعة اللباس الذي يرتدونه، صعقت، كدت أسقط، شعرت أن الجنود سيلتهمونني".
يسرد علينا جاد الله موقفا ما زال يبحث عن أسبابه بعد سنة ونصف فيقول: "في أحد الأيام دق علي الجندي الباب وقال: أنت مطلوب للقاء مع الضابط". "وفعلا قمت بالإجراءات المعتادة كربط العينين وتوجهت معه إلى حيث يريد، دخلنا أحد القاعات ففوجئت بابن عمي محمد جاد الله، واحد أقاربي الذي علمت حينها انه معتقل عندهم لاكتشف أنهم قاموا بتنظيم حفل عيد ميلاد لابن عمي محمد، كل شيء كان معد مسبقا الشراب، والجاتوه، والمكسرات، والضباط يصفقون".
"صدمت، شعرت أنني في حلم، وتساءلت لماذا كل هذا؟ قلت للضابط: ما الفائدة من هذا؟ لم يجب، ضحك وخرج، وبعد أن تودعنا أنا وأبن عمي اصطحبني الجندي إلى زنزانتي ليقوم الجندي بتفتيشي بدقة تامة".
وفي تفاصيل حياة جاد الله داخل السجن هناك المثير دوما، فوزنه نقص لحوالي 15 كيلو جراما خلال شهر ونصف، فلا نوم ولا طعام ولا شراب، وأصبح يصاب بحالات اختناق داخل الزنزانة الضيقة، وفي احدى الليالي استيقظ مخنوقا، كان هناك ما يكتم نفسه، شعر انه سيموت لا محالة، ظل يصرخ حتى جاء الضابط وطلب منه أن يحضر له مصحفا، وفعلا يقول جاد الله: "جلب لي مصحفا صغيرا، فرحت به كمن عاد للحياة، كنت أقرأ القران واقفا رافعا يداي للضوء الصغير المنبعث من سقف الزنزانة، فالضوء لا يكفي".."لقد قرأت حوالي 14 جزءا من القرآن خلال 24 ساعة وبشكل متواصل".
"القرآن والصلاة هما سلاحي في هذا الخوف والصمت، لو فعلت شيئا ما لما كنت خائفا مثل هذا الخوف، كنت أتساءل إلى متى سأستمر في هذا المكان الذي كنت أعرف ليله من نهاره من خلال فتحة في أعلى الزنزانة مغطاة ببلاستيك مقوي؟".
ومن عادات السجن السري أن يكون التحقيق مع بعض السجناء بشكل يومي، وآخرون يتركون لأشهر دون ان يطرق المحقق بابهم، وهو أسلوب نفسي وصعب إذا ما تخيلنا مختلف الظروف الصعبة التي تحيط السجين فيه، فيقول جاد الله: "بعد كل جلسة تحقيق كنت اعرض على جهاز كشف الكذب، وفي المرة الثالثة استمر معي التحقيق لحوالي ثمان ساعات متواصلة قال لي الجهاز: "أنت كاذب"، وفي المرة الرابعة سألت الجهاز: "أين أنا". قال: "صدقني لا أعرف".
بعد الحمام اليومي والذي يجبر المعتقل على أخذه ليلا وتحديدا الساعة 11 مساء كان يجلس جاد الله وحيدا بين جدران الزنزانة، يتأمل ما حل به ليكتشف انه في المجهول، وبعد مرور 30 يوما لجاد الله في الزنزانة المعتمة أخذ بالصراخ والمناداة على الجنود، فيقول: جاء الجندي غاضبا بفعل صراخي، قلت له أريد رؤية الضابط".
في ذلك اليوم وصل جاد الله لمرحلة لم يعد قادرا فيها على الاستمرار.
ويتابع: "الجندي استجاب لرغبتي وأخذني عند الضابط، كان الضابط منتظرا بفارغ الصبر قال لي: "هل تريد أن تعترف"، قلت له: "سأموت لو بقيت يوما واحدا هنا". ضحك، وقال: "أعرف ذلك، لكن أولا اعترف ومن ثم ستخرج".
عدت للزنزانة وأنا في قمة يأسي. يصف لنا جاد الله موقفا مثيرا حدث معه بعد دخوله للسجن حيث تلقى عشرات التحذيرات من ضمنها عدم الصراخ على أحد، أو قول أسماء أو طرح أسئلة. ويتابع متناسيا كل ما حوله مستغرقا بأمل حصل معه: "في أحد الأيام سمعت صراخا يجاور زنزانتي قال أحد الشباب أن اسمه "حسن شوارب" فرد عليه أخر وأنا "محمد قنديل"، فرحت كثيرا، عندها فقط أدركت أن أحدا غيري في هذا المكان".
وكم كان تصرف الجنود وحشيا عندما سمعوا الصراخ، "هم لم يسمعوا ما قيل، دخل علي في الزنزانة حوالي عشرة جنود يحملون عصيا طويلة، قالوا: إذا صرخت مرة ثانية ستموت، قلت لهم لست بالذي صرخ".
الطالب في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس، حسن. ش.، (22 عاما) من بلدة نزلة عيسى قضاء مدينة طولكرم، حاولنا إقناعه بأخذ صورة له، لكنه رفض، وبعد محاولات كثيرة وافق على ذكر اسمه، تعرفنا عليه من خلال جاد الله الذي سمعه يصرخ من زنزانته معرفا على نفسه بعد ان اختنق صمتا ورهبة.
الشاب ش. لم يكن يعلم المكان الذي كان احتجز فيه 30 يوما، قال لنا إنه كان في "معسكر عتليت" و(هو قاعدة عسكرية ولها سجن ملحق بمرافقها، لكنه أغلق قبل سنوات)، سألناه عن معرفته للمكان فأخبرنا بتفاصيل عن المعتقل ذاته الذي عاش فيه جاد الله، وهذا ما يؤكد أن المئات من المعتقلين الفلسطينيين دخلوه وخرجوا منه دون أن يعرفوا المكان الذي تواجدوا فيه.
ش. الذي اعترف بالتهم الموجة إليه جميعها بفعل التحقيق القاسي الذي تعرض له ليحاكم بالسجن مدة سنتين ونصف السنة قضا منها سنة ونصف السنة ليخرج ضمن الصفقة التي توصل إليها حزب الله مع "إسرائيل".
جهد كثير بذلناه في سبيل عدوله عن رأيه المتمثل بالصمت، رغم انه قدم للمحكمة وأفرج عنه قبل حوالي العام، غير أن هناك خوفا مزروعا في نفسه، كان ظاهرا تمثل برفضه ذكر اسمه في التقرير، تكلم عن أسرار المكان الذي احتجز فيه حوالي 30 يوما متواصلة.
يروى لنا حسن شهادة مشفوعة بالقسم عن ظروف اعتقاله، وهي بطبيعة الحال نفس الظروف المكانية والزمانية التي عاش فيها بشار جاد الله، ويقول عن موقف مميز فاجأه غداة عيد الفطر السعيد الذي مر عليه داخل زنزانته قائلا: "صباح العيد جاء الضابط الذي اعتقلني واسمه "كيفع" هو ذاته الذي "سرقني" عن طعام الإفطار في رمضان ليبارك لي في العيد، قال لي: "عيد سعيد، أتمنى أن تقضي وقتا طيبا هنا". وبحسب حسن ش. فإنه كان يتعرّض للضرب بشكلٍ متكرر خلال 30 يوما قضاها في السجن السري.
ويتابع الشاب ش. قائلا ما قاله أحد المحققين له: "أنت في شهر "عسل"، ويشير إلى أنه وفي جلسات التحقيق كان يربط إلى الكرسي بشكلٍ مؤلم، ولا يسمح له بالنوم ولا حتى قضاء الحاجة، كانت تمر أيام عدة دون أن يسمح له بالنوم، أو أخذ رشفه ماء.
ويصف لنا الطريق غداة دخوله لزنزانته قائلا: "غالبا ما كنت أغادر "محكمة الجلمة" بعد تمديد اعتقالي بسيارات جيب مميزة، أعصب وأكتف وأقذف على أرضية "الجيب" لتكون أقدام الجنود الحراس على ظهري، وأحيانا كثيرة كنت أطلب منهم أن أقف لأشم الهواء. ويتابع: في أكثر من مرة شاهدت بعض اللوحات المكتوبة بالعبرية على الشارع العام الذي كانت تسلكه سيارة "الجيب"، واستنتجت أن السجن يقع مابين مدينة جنين وحيفا وتل أبيب.
ويصف لنا السرية التامة داخل السجن قائلا: "عندما نعود للسجن كنت أهبط حوالي خمس درجات، ومن ثم أسير في دهليز رطب لأصل إلى "قبري" هكذا كنت أطلق على زنزانتي، وغداة زياراتي اليومية للطبيب كنا نسير بنفس الدهليز الرطب، ومن ثم نهبط درجات عدة لأجد نفسي في ساحة والشمس تسقط على رأسي، نلف في ساحة صغيرة حوالي خمس مرات في عملية للتمويه ومن ثم ندخل العيادة، وهناك يكشف الغطاء عن عينييك".
ويضيف: "في المكان شعور مخيف أنك لست على ظهر الأرض، لا ترى إلا العتمة حتى داخل الزنزانة عتمة وضوء أحمر خافت، تبدو ميتا، لا تسمع غير صراخ بعض السجناء الذي يصلك أنينا خافتا يضاعف خوفك، كنا نتألم بصمت، ولا نعرف الليل من النهار.
ويشير ش. إلى انه اعترف بجميع التهم المنسوبة إليه، وذلك من شدة التعذيب الذي تعرض له، ولطبيعة الضغط النفسي الذي فرض عليه، وحتى بعد ذلك فقد جلس على جهاز كشف الكذب الذي أشار إلى صدق اعترافاته، ورغم ذلك استمر احتجازه في السجن السري لمدة عشرة أيام شعر خلالها بمرارة الاعتراف، وذل الهزيمة وقسوتها على شخصيته.
على غرار رواية "ماركيز" "مئة عام من العزلة" عاش المعتقل علم منصور من مدينة جنين 32 سنة الذي اعتقل قبل سنة ونصف السنة وقضى في السجن السري حوالي 74 يوما من العزلة التامة بتهمة إقامة علاقات مع "تنظيمات إرهابية"، ومحاولة تهريب وسائل تحريضية.
ويصف الأسير المحرر عبد الهادي فواخره الذي رافق الأسير "علم منصور" في "سجن مجدو" و"النقب" تفاصيل حكايته التي رواها لهم في السجن انه قضى فترة طويلة في السجن دون أن يرى وجه محقق أو يتحدث مع أحد.
"علم منصور" الذي اعتقل بعد زيارته لسوريا على "جسر أريحا" وقدم قبل عدة أشهر إلى المحاكمة في محكمة "عوفر "، وعلم بعدها أنه حول إداريا مرتين قدم مرة ثالثة إلى المحاكمة لكنه لم يحاكم لغاية الآن.
ويصف فواخره اللحظات الصعبة التي عاشها علم منصور بمقولة "كان الموت أرحم بالنسبة له"، حيث لم يسمع صوت أحد من المعتقلين أو حتى سجان إسرائيلي إلا بعد اليوم السبعين من تواجده داخل المكان الذي كان يجهله، كان يحاور الجدران ويعيش على أمل أن يموت في اليوم الثاني ليرتاح من ألم المكان وطبيعة الزمان الذي يعيش فيه.
وعن الطعام الذي يتلقاه المعتقلون فهو عبارة عن وجبات ثلاث في اليوم، وعندما يأتي السجانون بالطعام يقومون بقرع باب الزنزانة، وعندئذ يتعين على المعتقل أن يغطي رأسه بكيس أسود ويستدير بوجهه إلى الحائط مرفوع اليدين. ولا يسمح إلا للمعتقلين الذين انتهى التحقيق معهم، بالخروج (مرة واحدة في اليوم) في نزهة (فورة) مدتها ساعة في باحة داخلية ضيقة مكسوة بالرمال.
وترى الدكتورة رسمية عبد القادر المحاضر في كلية التربية قسم علم النفس في جامعة النجاح الوطنية وأخصائية الأمراض النفسية من نابلس، حول تأثير الاعتقال في مثل هذه الظروف على الأسرى والمعتقلين في (1391) أنهم تعرّضوا لتعذيب عقلي أدّى إلى ظهور "أعراض ف.خ.ض": الفزع، الخضوع، والضعف. نقص الغذاء، والنوم، والحركة، والمنبهات العقلية.
وتتابع عبد القادر: "استبعاد أي اتصال إنساني (محامين، أفراد من الأسرة، معتقلين آخرين، أو حتى حراس وسجانين) هو بمجمله أسلوب تعذيب مدروس يهدف إلى الحد من القدرة على مقاومة الاستجواب والتحقيق، وإجبار المعتقل على أن يكون خاضعاً بشكل كامل للمحققين".
التقارير كلها تجمع على أن كثافة الأشجار التي تغطي السجن الذي يعُتقد أن البريطانيون قد بنوه عام 1930، تجعله يبدو منعزلا عن المنطقة التي تضم عددا من الكيبوتسات الإسرائيلية والمعسكرات في المنطقة التي تفصل بين باقة الغربية وبلدة كركور العربية داخل الخط الأخضر.
ولن تستطيع لمح تقاطعاته إلا بشق الأنفس بفعل كثافة الأشجار، بالإضافة إلى أنك سترى جنديين يتبادلان الحراسة على مقربة من بوابة صغيرة وبرجي مراقبة يقف عندهما عشرات الجنود المسلحين، بعضهم بوجه مغطى، وهم الذين تطلق عليهم إدارة السجن "الكوماندوز الخاص"، وعملية المراقبة تتم بأكثر الوسائل تطورا بدءا بالمنظار الخارق للأشعة تحت البنفسجية، والمنظار الليلي.
ومن الخارج، يمكنك أن ترى مجموعة من البنايات ذات المستوى المتساوي مع بعضها البعض، فتبدو لك أشبه بمخافر الشرطة التي يسميها الإسرائيليون (تاغارت)، والتي ترمز إلى شكل عسكري صارم، تستغل كقواعد عسكرية، وكان يتم الإشارة إليه في السابق من خلال لافتة طرق كتب عليها رقماً واحدا فقط وهو 1391. ويتوسط "الكيبوتس" قرية تعاونية استيطانية إسرائيلية بالكاد ترى في أعلى تلة تحيطها الجدران المرتفعة، وبرجا مراقبة توفران الحراسة العسكرية والمراقبة المكثفة لمحيط المنطقة، وفوق نقطة حراسته هناك الجدران الشائكة المزدوجة المحيطة بالمعسكر، وكلاب هجومية مدربة تجول في الشريط الواقع بين الجدارين. وسيارة جيب عسكرية تقوم بأعمال الدورية في الجانب الداخلي للسياج، والمركبات التي يستخدمها أفراد الوحدة التي تتولى إدارة القاعدة، والمبنى الإسمنتي الضخم، القديم.
وحسب المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية فإنه يتعين على القادمين للمعسكر اجتياز بوابتين أحيطتا بأسلاك شائكة بعد اجتياز البوابة الأولى التي تقفل ألياً وبعد ذلك فقط تفتح البوابة الثانية، وحتى لا يتمكن المعتقلون من معرفة مكان وجودهم يتم إحضارهم إلى معسكر الاعتقال بعيون معصوبة، وفي مرحلة استيعابهم داخل السجن تصادر منهم حاجاتهم الشخصية، وتنزع عنهم ملابسهم ليرتدوا بنطالا وقميصا بلون ازرق، ومن ثم يقذفون في زنازين الاعتقال الضيقة والمتشابهة جداً، وهي قائمة على دهليز طويل، تلتصق أحداها بالأخرى تفصل بينها جدران إسمنتية سميكة.
ويذكر أن الكثير من المعتقلين في السجن هم لبنانيون وإيرانيون ألقي القبض عليهم أثناء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لجنوب لبنان على مدار 18 عام، وأردنيون ومصريون وسوريون ألقى القبض عليهم خلال تنفيذهم عمليات فدائية على الحدود مع الأراضي المحتلة.
وليس من المعروف كم عدد الذين يحتجزوا فيه، لكن "لجنة أنصار السجين" في الناصرة، أشارت إلى أنه يوجد 15 أسيرا من جنسيات أجنبية عربية فقدوا من السجلات الإسرائيلية للمعتقلين المحتجزين لديها. وكان اختفاء هؤلاء المعتقلين يحجب في خضم الفوضى العارمة التي عمّت بسبب النشاط العسكري الإسرائيلي الكاسح للمناطق الفلسطينية.
الفلسطينيون الذين مرّوا على هذا السجن السرّي ظلوا تحت سلطة جهاز الأمن العام (الشاباك)، المسئول عن عمليات التحقيق في جميع مراكز التوقيف الإسرائيلية المعتادة. أما أصحاب الجنسيات الأجنبية فمسؤوليتهم تقع على عاتق شعبة خاصة للمخابرات العسكرية الإسرائيلية يطلق عليها اسم "الوحدة 504".
هذه المواصفات الإسرائيلية لاغوانتانمو إسرائيل قديم لدولة تعتبر في عالم انقلبت موازينه دولة حقوق وديمقراطية، ليعيش أسراه سنوات من العزلة هي بطبيعة الحال تفوق سنوات بطل "ماركيز" في روايته "مئة عام من العزلة".
1391 هو "اغتصاب" رهيب للحقوق المدنية الفلسطينية والعربية يضاف إلى اغتصاب الأرض والحريات الشخصية، وكما أوردت مجلة "كان" الألمانية فإن ما يجري للسجناء في هذا السجن هو بمثابة "محرقة جماعية لسجناء أحياء".
البروفسور أريئيل بورات، عميد كلية الحقوق في جامعة تل أبيب، كتب قائلا: "لا تقتصر المسؤولية عن تنفيذ هذه الأعمال، من الناحية القانونية والأخلاقية، على من ينفذ ومن يأمر بالتنفيذ فحسب، كان هناك المئات من الجنود شهودا على ما يحدث ومساعدين للمحققين، فيما فعلوه. أن هؤلاء الذين رأوا والتزموا الصمت، هم بالفعل مجرمون حالهم في ذلك حال المنفذين المباشرين، إن الادعاءات بأن هؤلاء فعلوا ذلك استنادا إلى صلاحيات ما وانصياعا لتنفيذ الأوامر لن تساعدهم يوم إصدار الأحكام الحقيقية، إذ أنه مثلما قضت به المحكمة العليا في قضية "كفر قاسم"، لا يجب الانصياع للأوامر غير القانونية حقا".
هذا كلام بروفيسور إسرائيلي يرى ويطالب بمحاكمة المسؤولين عن هذا السجن، لكن ماذا عنا، نحن الذين نمتهن الصمت عادة، هل سنتكلم، نصرخ، نضغط في سبيل فضح ما هو مفضوح أولا، ومحاولة الوقوف على حقيقة ما يحدث في هذا المكان الرهيب ثانيا، التحقيق كشف المكان، وأخذ الحكايات من أفواه معذبيها الذين ما زالوا يعيشون الهاجس والخوف نفسه.
الكثير من المعتقلين في السجن هم لبنانيون وإيرانيون ألقي القبض عليهم أثناء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لجنوب لبنان على مدار 18 عام