القضاء اللبناني يقبل الاستعانة بخبراء أجانب حول اغتيال الحريري
150 ألفا واروه الثرى وسط فوضى عارمة
في ظل تنامي الدعوات الدولية لإجراء تحقيق دولي حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.. قالت مصادر قضائية لبنانية أمس الأربعاء 16-2-2005م إن لبنان سيطلب خبراء دوليين للمساعدة في التحقيق في انفجار السيارة الملغومة الذي أودى بحياة الحريري و14 شخصا آخر.
وقبل هذا الإعلان كانت السلطات اللبنانية ترفض بشدة إجراء تحقيق دولي، حيث قال وزير الداخلية سليمان فرنجية أمس الأول الثلاثاء إن لبنان يرفض إجراء تحقيق دولي في عملية الاغتيال، لكنه قد يوافق على الاستعانة بخبراء أجانب من دول محايدة غير معنية بالملف اللبناني وبالصراع اللبناني.
وجاء في نص قرار صادر عن قاضي التحقيق العسكري الأول في لبنان رشيد مزهر "نقرر تكليف جهاز الأدلة الجنائية بالإضافة إلى المهمة الموكولة إليه الاستعانة بخبراء أجانب من الدولة السويسرية أخصائيين في حقلي المتفجرات والطب الجنائي لإجراء فحوصات من نوع (دي ان يه) تسهيلا لمهامه".
وأضاف القرار "نفقات الخبرة الأجنبية ستكون على عاتق الدولة اللبنانية على ألا يباشر الخبراء مهمتهم إلا بعد تحليفهم اليمين القانونية أمامنا في المحكمة العسكرية"، وأوضح القرار أن الموافقة جاءت "بعد الاطلاع على الطلب المقدم من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وعلى التقارير الشفهية الواردة والمبلغة إلينا من قبل الأجهزة المكلفة للقيام بمهام الكشف العلمي على موقع الجريمة واستكمالا للإجراءات الفنية".
وكان رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري قد ووري الثرى في باحة مسجد محمد الأمين أمس الأربعاء بعد حالة هستيريا انتابت الوفود الشعبية التي أحاطت بنعشه -وقدرت بنحو 150 ألف شخص- وأجبرت أفراد عائلته على الابتعاد.
ولم تتوصل كاميرات مختلف شاشات التلفزة التي كانت تنقل مباشرة التشييع إلى نقل لقطات لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وهو يؤم الصلاة عن روح الحريري ومرافقيه أو صورا عن الجثامين مسجية على الأرض قبل مواراتها الثرى.
وحمل مواطنون أكياسا حمراء فيها تراب أفرغوه على جثمان الراحل الملفوف في كفنه، بينما قال شيخ عبر مكبر للصوت إن "أفراد العائلة لم يتمكنوا من الاقتراب لكن كل اللبنانيين عائلة الحريري ونحن نواريه الثرى".
وأدى التدافع إلى سقوط نجل الحريري بهاء الدين على الأرض، ثم رفع على الأكتاف وخاطب عبر مكبر الصوت، الجموع لتهدئتها ومطالبتها بالتراجع: "يا أيها القوم نريد أن نصلي عليه لو سمحتم ابتعدوا عن قبره لا نريد هذه الدقائق هكذا، ابتعدوا عن قبره وكفنه إكراما للشهيد البطل أرجوكم".
لم تستطع هذه الكلمات إبعاد الجماهير، فأخرج الجثمان من النعش ونقل عبر طريق آخر محمولا على الأكتاف، وسجي إلى جانب المرافقين في الخيمة التي نصبت في الباحة الخارجية للمسجد تمهيدا لبدء الصلاة.
وكان موكب التشييع وصل إلى مسجد محمد الأمين بعد ساعتين وربع من انطلاقه من قريطم. ونقل النعش إلى المسجد محمولا على الأكف بعد أن أجبرت كثافة الحشود التي ناهزت مئات الآلاف سيارة الإسعاف التي كانت تقله على التوقف.
وحمل النعش أنجال الفقيد وفي مقدمهم بهاء الدين وسعد الدين إلى جانب عدد من المقربين منه وتشبثوا بالنعش الملفوف بالعلم اللبناني الذي تمزق من شدة التدافع لتلمسه بعد أن أنزل من سيارة الإسعاف قبل مئات الأمتار من المسجد. وغصت الخيم البيضاء التي نصبت أمام المسجد بالرسميين العرب والأجانب يتقدمهم وليام بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط.
واحتشد فيها زعماء المعارضة اللبنانية وفي مقدمهم النائب الدرزي وليد جنبلاط ورموز السياسيين المسيحيين المعارضين ومنهم النائب نسيب لحود وأعضاء لقاء قرنة شهوان التي يرعاها البطريك الماروني نصر الله صفير. وغاب الحضور الرسمي عن التشييع واقتصر على واحد من الرؤساء الثلاثة هو رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك وصل أمس إلى بيروت لتقديم التعازي لعائلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري الذي اغتيل الاثنين، وذلك بعد أن قام بتبكير موعد مجلس الوزراء الفرنسي ليتمكن من حضور الجنازة، واعتبر قصر الاليزيه في بيان رسمي أن شيراك يزور لبنان لأنه يريد التعزية "بالرجل الذي طالما جسد إرادة الاستقلال والحرية والديموقراطية في لبنان. وسيظهر للبنان والشعب اللبناني صداقة فرنسا والشعب الفرنسي الراسخة".
وطالب الرئيس الفرنسي جاك شيراك لدى وصوله إلى بيروت "بكشف الحقيقة كاملة" على عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري التي اعتبرها عملا "شنيعا لا وصف له".
من جهته دعا مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز الذي حضر الجنازة في بيروت إلى انسحاب "كامل وفوري" للقوات السورية من لبنان.
وأوضح بيرنز للصحافيين بعد لقاء وزير الخارجية اللبناني محمود حمود "موت رفيق الحريري يجب أن يعزز الزخم من أجل لبنان حر سيد مستقل. وهذا يعني تطبيقا فوريا لقرار مجلس الأمن 1559 وانسحابا سوريا فوريا وكاملا من لبنان". وقد استدعت واشنطن الثلاثاء سفيرتها في دمشق للتشاور.
إلى ذلك ردد آلاف المشيعين الذين احتشدوا أمام دارة الحريري اليوم هتافات معادية لسوريا من بينها "بدنا نقول الحقيقة سوريا ما منريدها" و"يلا يلا سوريا برا" و"اسمعوا اسمعوا يا شباب سوريا مصدر الإرهاب"، حسبما أفاد مراسل لوكالة الأنباء الفرنسية.
وفي الصالة الرئيسية التي درج الحريري على استقبال الوفود فيها حمل الأنصار النعش على الأكف وسط أصوات النحيب والتلويح بالأيدي.. وجابت شوارع بيروت مواكب سيارات وباصات للحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، آتية من منطقة الشوف الدرزية وهي ترفع أعلام الحزب الحمراء للمشاركة في التشييع الشعبي.
وارتفعت على السيارات صور الحريري وإلى جانبه صور كمال جنبلاط والد وليد جنبلاط والذي قتل في كمين نصبه له مجهولون على بعد أمتار من حاجز للجيش السوري في منطقة الشوف في مارس/ آذار 1977.
وسار أبناء الحريري وأقرباؤه وراء السيارة التي تنقل النعش بينما وقفت النساء على الشرفات. وكانت عائلة الحريري قررت السماح للنساء بالمشاركة في الجنازة خلافا للتقاليد الإسلامية. وفي الوقت نفسه دقت أجراس الكنائس في المنطقة بينما كانت تبث المآذن آيات من القرآن.
من جهة أخرى انتشرت قوات من الجيش اللبناني والشرطة بكثافة حول وسط بيروت التجاري وفي محاذاة الشوارع التي سيسلكها موكب التشييع سيرا على الأقدام وصولا إلى مسجد محمد الأمين. وكانت عائلة الحريري رفضت أن تتولى الدولة تنظيم مأتم رسمي لرئيس الوزراء السابق الذي اغتيل الاثنين في عملية تفجير.
وكان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وصل مساء الثلاثاء إلى بيروت لحضور الجنازة، كما وصل وزير الخارجية الفلسطيني نبيل شعث، ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل والقطري حمد بن جاسم آل ثاني ونجل رئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد الصباح، وكلف الرئيس المصري حسني مبارك رئيس وزرائه احمد نظيف بتمثيل مصر في الجنازة، وكلف العاهل المغربي محمد الثاني رئيس وزرائه إدريس جطو لتمثيل المغرب، وأعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي أن إياد علاوي كلف وزير المواصلات لؤي العرس تمثيل العراق في الجنازة.
وكان زعيم المعارضة وليد جنبلاط نصح الثلاثاء الرئيس اميل لحود بعدم المشاركة في مأتم رئيس الوزراء السابق. وقال "غدا ستكون مسيرة المليون لبناني وأكثر. انصح الرئيس لحود أن لا يكون وانصح كل هذا الحكم ألا يأتي، وإلا سيرشقون بالبيض إن لم يكن بالحجارة".
وكان آلاف المواطنين اللبنانيين أضاءوا مساء الثلاثاء الشموع في الأحياء المسيحية والإسلامية في بيروت عشية التشييع. واعتصم عشرات الطلاب في الوقت نفسه قبالة شاطئ بيروت قرب المكان الذي قضى فيه رفيق الحريري و14 شخصا آخرين. وقد أحيط قصر رفيق الحريري في محلة قريطم في بيروت بالشموع وصولا إلى شاطئ البحر.
وبدأت هذه المبادرة برسالة على الهواتف النقالة تدعو إلى "إضاءة الشموع عن نية رفيق الحريري الذي استشهد من أجل استقلال لبنان". كما جابت مواكب من السيارات العاصمة اللبنانية، وهي ترفع صور الحريري وتردد "لا اله إلا الله والحريري حبيب الله".