سباق بين إسلاميين وإسلاميين: انتخابات الدمام تشعل فتيل "السرورية" و"الإخوان "

"العربية.نت" تقرأ المعركة الخفية بين أقوى تيارين "سلفيين" في السعودية

نشر في:

إن كانت الانتخابات البلدية التي بدأت في السعودية عبر منطقة الرياض قد شهدت سباقاً بين الإسلاميين والليبراليين، فالحال في المنطقة الشرقية مختلف تماماً، فانتخابات حاضرة الدمام، التي تشكل عصب المنطقة الشرقية، بضمها لمدن الدمام والخبر والظهران، تشهد سباقاً بين الإسلاميين والإسلاميين.

ففي المنطقة الشرقية 16 مجلساً بلدياً، سجل فيها 202 ألف ناخب، سيختارون يوم الخميس المقبل (3 مارس) 58 عضواً. والسباق على أشده - كما ينقل المراقبون - في كل مجلس منها، لكن حاضرة الدمام التي غاب عنها الليبراليون، تحولت مساحة المنافسة في دوائرها السبعة إلى سباق تحالفات بين الإسلاميين، متجاوزة في شدتها تحالفات القبيلة والطائفة.
ويتسابق إلى المقاعد السبعة في مجلس الدمام البلدي 255 مرشحاً، يفترض أن يختارهم 45699 ناخباً، على أن تعين السلطات المختصة سبعة آخرين خلال أسابيع.
وفي حصيلة عامة، فالدائرة الأولى تضم 38 مرشحاً، والثانية مثلها عدداً، والثالثة 33، والرابعة 36، والخامسة 42، والسادسة 37، والسابعة 31 مرشحاً.
والمجلس البلدي الذي يشكل باكورة المشروع الديموقراطي في السعودية، تأتي أجواء حملاته الانتخابية كنسخة لما جرى في دول منطقة الخليج، من حيث أساليب التسويق والدعاية التي يعتمدها المرشح في إقناع الناخبين، واللجوء إلى التحالفات الداخلية التي لا تبرز عبر وسائل الإعلام، ولكنها تأخذ طابع "السرية المعلنة"، على الرغم من أن القوانين الانتخابية لا تجرم أي تحالف.

من هما ؟

وفق هذا السياق، بدأت المسابقة بين مدرستين فكريتين، يطلق على المنتمين إليها علناً بـ"الإسلاميين"، بينما في الخفاء، فهناك ما يمكن وصفه بـ"السرورية" و"الإخوان".
والمدرسة السرورية، تأتي نسبة للعالم السوري الإسلامي محمد سرور نايف زين العابدين، الذي تفترض إقامته في انجلترا إلى وقت قريب، وكان قبلها أقام في السعودية للتدريس في أحد المعاهد العلمية الدينية في منطقة القصيم، وكون له قاعدة جماهيرية آنذاك، ومازالت.
وحظوة الشيخ محمد سرور جاءت، لأنه بدأ تحركه باكراً، حينما كانت الساحة خالية من الخبرة الحركية، وقد نشأ مع "الإخوان المسلمين" السوريين، ولكنه كان من الأجنحة المتشددة داخلهم، والأكثر تمسكاً بأراء الشيخ سيد قطب في قضايا "المجتمع الجاهلي والاستعلاء والمفاصلة مع الغرب" من الاتجاه العام لـ"الإخوان المسلمين"، وبسبب تواجده في السعودية، تقارب مع الرؤية السلفية للمجتمع والعالم، ليتحول بعد ذلك إلى اتجاه سلفي حركي، مزج الفكرين مع بعض.
وفي جانب مهم، حسب ما ينقل المراقبون، فإن أنصار المدرسة السرورية لا يحبذون هذه التسمية، ويقولون إن مصدرها أنصار الفريق الآخر، ويقصدون بذلك "الإخوان"، ومجموعة أخرى لا تنتسب إلى أي منهما أيضاً.
أما "الإخوان المسلمين" في السعودية، فهو تيار نشأ بعد قدوم قيادات الحركة الأساسية من مصر إلى السعودية هروباً من حكم الرئيس جمال عبدالناصر، وهذا التيار، رغم محافظته وتمسكه بمنهجية ونمط "الإخوان المسلمين" في مصر وبقية الدول العربية، ورغم انتمائه الواضح لمصطلح "الإخوان"، إلا أنه لم يكن بمعزل عن الجو السلفي السائد في السعودية، بل تأثر به، وتقارب معه في بعض القضايا والمواطن، وتحاشى الاحتكاك معه في بداية التشكل، علاوة على تجنب الاحتكاك بالسلطة طوال العقود الماضية، إلى الآن. ومنذ عقدين بدأ الصراع بين التيارين يأخذ طريقه الخفي إلى المؤسسات الحكومية، خاصة في وزارتي التربية والشؤون الإسلامية، ويتمثل ذلك في السعي إلى تنصيب مريديه على أهم وظيفتين مؤثرتين في الحياة الاجتماعية في السعودية، وهما خطيب الجمعة، والمعلم.

ساحات المعارك

وتعتبر المنطقة الشرقية مجال تنافس قديم بين هذين التيارين، بعكس بقية المناطق السعودية التي يسيطر عليها "السرورية" ومجموعات فكرية أخرى، فـ"الإخوان" محدودي الوجود في الرياض، ولذا لم يدخلوا في المنافسة مع التيار الفكري المسيطر، إلا في حالة واحدة وكسب فيها في "غفلة" من "السرورية".
والمعركة بين التيارين في المنطقة الشرقية لها أكثر من مسرح، وتبدأ من عند الجوامع الكبيرة التي تشهد صلاة الجمعة، فما أن يبدأ الاعداد لبناء جامع في المنطقة الشرقية، حتى يبدأ تحرك رموز التيارين إلى وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لتزكية ودفع المسؤول فيها لتنصيب من يرونه من مدرسته الفكرية، وأحدث المعارك في هذا الشأن كانت في جامعين، أحدهما جامع حمد المبارك في حي الجامعيين في مدينة الدمام، الذي انتهت المعركة حوله بتعيين إمام وخطيب ينتسب لـ"الإخوان"، بعد أن دخل منافسة قوية مع أحد الأكاديميين المنتسبين لـ"السرورية"، وكان قبلها شهد جامع عباد الرحمن في ضاحية الدوحة في مدينة الظهران معركة مشابهة، انتهت بوصول إمام وخطيب جمعة من " المدرسة السرورية"، بعد أن كان ينافسه أحد مرشحي "الإخوان" في الانتخابات الحالية. ثاني ساحات المعارك تكون في إدارة التعليم، خاصة في الأقسام المتعلقة بتعيين وتوزيع المعلمين، التي كان يديرها أحد رموز "الإخوان" في المنطقة الشرقية، وبعد أن تحصل على ترقية بلغت به الوصول إلى مقعد وكيل وزارة التربية والتعليم، تمكن "السروريون" من الوصول إلى مقعده ليتولى شؤون توزيع وتعيين المعلمين في مدارس المنطقة. أما ثالث ساحات المعارك، فتدور رحاها في الأنشطة الطلابية في المدارس، وهو صراع داخلي للسيطرة على الطلبة، من خلال ترغيبهم بتلك الأنشطة، ولكن طوال الفترة الماضية لم يتمكن أي فريق من السيطرة على المدارس، ليتقاسمونها بالتساوي.
وتتمثل هذه الأنشطة فيما يعرف بجماعة "التوعية الدينية" وجماعة "الثقافة الإسلامية"، التي تحول أوقات الاستراحة إلى جلسات خاصة داخل المدرسة، إضافة إلى تنظيم الرحلات الترفيهية الخارجية.
الساحة الرابعة تكون في مكتبات المساجد والمراكز الصيفية، وهي نسخة موسعة لما يدور في أنشطة الطلاب في المدارس، وتتمتع بخصوصية، وحرية أوسع؛ لأنها تكون عادة بعيدة عن الرقابة الرسمية المتمثلة في إدارة التعليم، لكن العامين الأخيرين شهدا تحولاً جديداً أدى إلى فرض الرقابة بشكل مشدد على ما يدور في تلك الأمكنة، حسب ما يذكره روادها.
وهناك ساحات أخرى في المواقع ذات الخصوصية العملية والسكنية؛ مثل جامعة الملك فيصل التي يتنافس فيها التيارين على إمامة الجامع الخاص بها.
ويتمتع "السروريون" في المنطقة الشرقية بوجود مجموعة من الشخصيات الدينية ذات الوهج الجماهيري تمنحهم مساحة انتشار وحضور أقوى، وهو ما يفتقده الإخوان الذين يعتمدون على وجود أسماء أكاديمية أكثر، وعلى الحضور الاجتماعي بشكل أكثر احترافية.
ويرى مراقبون أن أحد أبرز أنماط الصراعات بين التيارين، يتمثل في توظيف رموز تيار "الصحوة"، وعلى سبيل المثال ادعاء كل واحد منهما أن الشيخ الدكتور سلمان العودة أو الشيخ الدكتور عائض القرني يدعمه.

الانتخابات.. أم المعارك

"الغفلة" التي اقتنصها "الإخوان" ضمن معاركهم مع "السرورية" كانت في الانتخابات البلدية في مدينة الرياض، التي اهملتها الأخيرة، ولم تعر لها الاهتمام، فنجحت "الأولى" عبر أسمائها البارزة في المدينة.
خروج نتيجة انتخابات الرياض بفوز "الإخوان" في عقر دار "السروريين" كان بمثابة المفاجأة، كما يصفها أحد المراقبين، وهو الأمر الذي دفع "السروريين" إلى إعادة النظر تجاه الانتخابات والانطلاق إليها بكل قوة، وعدم ترك الساحة "فارغة أمام الفريق الند".
ومن هنا تبين الدخول المتأخر "للسروريين" في حملة الاستعداد للانتخابات، بعد أن سبقهم - إعداداً – فريق "الإخوان"، وبدأ في حشد وتشكيل قائمته.
قبل الانتخابات بأسبوعين، بدأ "الإخوان" تسريب قائمتهم النهائية التي يعتزمون الدخول بها يوم الثالث من مارس، مما أحدث "ربكة نوعية" لدى الفريق الآخر.
كان ترويج القائمة قد اعتمد على رسائل الهاتف الجوال، إضافة إلى منتديات الانترنت، خاصة الساحة العربية، مما دفع "السروريين" إلى الطلب من أنصارهم تكذيبها، وبث القائمة الأخرى خلال الأيام القليلة التي تسبق موعد الاقتراع.
ولم يسرد مكذبو القائمة، رغم أنها تمثل شخصيات إسلامية في غالبيتها، خلفيات التكذيب من "علماء الشرقية"، إضافة إلى عدم ذكر أسماء العلماء الذين وضعوا بصمة التزكية على القائمة.
الأكثر "إثارة"، حسب ما يذكره مراقب لـ"العربية.نت" أن المجموعات المسوقة للقائمتين "لا تعلم بمثل هذه التفاصيل التي تحرك التنافس منذ القدم بين هذين الفكرين"، فلكونها معركة لا تظهر على السطح، وتدار بالخفاء، فيتولى مريدوها، الذين لا يشعرون بهذه التقسيمة، الترويج لفكر التيار وأهله من باب "أن فيهم خير".
وما يؤكد ما ذهب إليه "المراقب" في عدم معرفة المروجين لخلفيات الصراع، تأكيد كل منهم على أن "علماء المنطقة" باركوا تلك القائمة عن غيرها، حتى تحولت "الساحة العربية" على شبكة الإنترنت إلى مسرح مواجهة يتصارع حولها مروجو القائمتين على مصداقية ما يأتون به، دون أن يعلموا أن سبب التكذيب لبعضهم أمر لا علاقة له بما يعتقدون، فكل قائمة قد حصلت بالفعل على تزكية "علماء من الشرقية" وليس "علماء الشرقية"، وهنا يكمن الفرق الذي يكشف عن وجود رؤوس تدير المعركة عن بعد.
القائمة التي ظهرت أولاً، وبثها "الإخوان" كانت تضم هذه الأسماء: خليفة الدوسري، خالد البعيجان، عادل الدوسري، عبدالله المجدوعي، عماد الجريفاني، يوسف العثمان، حمد المغيربي. وبعد أن عاجل "السروريون" إلى تفنيدها، والتأكيد على أن "علماء الشرقية" لم يباركوها، ليخرجوا بعدها بقائمة تضم : خليفة الدوسري، محمد التركي، أحمد الموسى، عبدالله المجدوعي، محمد الخاطر، حمد البعادي، محمد ال دايل الدوسري.
ويلفت النظر في القائمتين تكرر اسمين، وهما : خليفة الدوسري وعبدالله المجدوعي، فدخولهما كان بالنسبة للثاني لعوامل "مادية"، والأول لاعتبارات قبلية، إضافة إلى وجود غزل سياسي متبادل مع التيارين، يقابلانه هما أيضاً بتلك الدرجة، على الرغم أنه لا يصنف إسلامياً.
ولكن بصورة عامة، فإن بقية الأسماء في القائميتن عرفت في أوساط المنطقة بانتمائها الفكري إلى المدرستين "الإخوانية" و"السرورية"، وبنشاطها البارز في مسيرتهما طوال العقدين الماضيين.

هل يستغل الدين؟

ويقول "سروري" سابق، ضمن نقاش دام ساعات مع الكاتب، أن الصراع التاريخي بين الإخوان والسروريين الذي كانت حلبته تدور في المساجد والأندية الطلابية في المدارس والمراكز الصيفية، انتقل إلى الصراع على المجالس البلدية، لكنه احتفظ بكل وسائله التقليدية المتمثلة في تشويه الآخر وتحطيم سمعته، مما يجعلنا أمام نمط فريد من الإسلاميين الذين كانوا يمارسون الأستاذية في تمسكهم بالأخلاق الفاضلة، لكن يبدو أن أخلاقهم قد انهزمت أمام لعبة السياسة التي أتقنوا فيها البراغماتية على حساب الأخلاق الحميدة".
وعندما انعرج الحديث على التحالفات، التي وصفها المتحدث بالعمل المشروع، قال إنها "عنصر طبيعي في العمل السياسي، فالمبادئ البراغماتية التي تحكم العمل السياسي تخول المتنافسين استغلال كل ما يحقق المكاسب ولو كان ذلك يستدعي استغلال الدين ذاته، وهذا لا يمثل خصوصية لدى المجتمع السعودي المتدين، وإنما بدا ظاهرا حتى في دعايات المحافظين الجدد في الانتخابات الأمريكية الأخيرة".