تيري ميسان: الترابي كان نائبا لبن لادن.. وهذا تفسيري لاغتيال الحريري

"العربية.نت" تواجه مؤلف كتاب "الخديعة المرعبة"..

نشر في:

يرى عدد من المحللين البارزين أن نظريات الكاتب الفرنسي تييري ميسان التي لا يكف عن طرحها بشأن قضايا عدة وأحداث ساخنة، ليست إلا محض استنتاجات لا يسندها سوى دأبه على اجترار "فقه المؤامرة". وينظر هؤلاء إلى مؤلفاته على أنها لا ترقى لمستوى البحث الجاد الذي يليق بالأحداث، عوضا عن أنها لا تنفك توجه أصابع الاتهام لدوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة والغرب بشكل عام، وتتغافل عن أدلة ووقائع متوفرة بالفعل. ويزيد عدد من هؤلاء المحللين بأن تييري ميسان حاول الافادة من مناخ يتقبل تماما "نظرية المؤامرة" لينسج عليها مرئيات مغرقة في التحليلات غير المنطقية. ويؤكد هؤلاء أنه ليس بحوزة ميسان أدلة تدحض أقوالهم، أو تشفع له توسله بنظرية المؤامرة. ولم ينثن ميسان منذ سنوات عن إثارة الرأي العام وخصوصا في الشرق الأوسط من خلال مؤلفات تؤشر بوضوح إلى دور صناع القرار في واشنطن في كل شيء. ولا يشاطر ميسان هؤلاء المحللين الرأي. فهو يجزم بأن طروحاته من قبيل "النضال" من أجل الحقيقة التي يراها متناقضة مع الرواية الرسمية الأمريكية بشأن الأحداث المتواترة منذ سبتمبر 2001. وفي هذا الخصوص كان لكتابه الموسوم "الخديعة المرعبة" فعل السحر، حيث بنى عليه كثير من المحللين تأويلاتهم لتلك الأحداث. وفي الحوار الذي أجرته معه "العربية.نت"، تحلى ميسان بالجرأة ذاتها في طرح رؤى مغايرة لما هو سائد. ولم يتحرج - هذه المرة أيضا - من نفي الاتهامات الموجهة لدمشق باغتيال الحريري، ذاهبا إلى أبعد من ذلك بتفكيكه المعطيات التي يمكن أن تؤشر في اتجاه مصلحة دولتين فحسب - برأيه – كامنة في اغتياله: الولايات المتحدة وإسرائيل.ويؤكد ميسان أيضا في هذا الحوار أن زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن والزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي، وجهان لعملة "العمالة" للولايات المتحدة، مهمتهما تكمن في تقويض أية مبادرة عربية ضد "الامبريالية الأمريكية". كما تناول التناقضات القائمة بين "البنتاغون" والمخابرات الأمريكية بشأن هجوم عسكري على سوريا وإيران بسبب تردد وزارة الدفاع !!

سبتمبر بداية لسياسة بعيدة المدى

- ألم يدحض استمرار نشاط "القاعدة" واعتراف بن لادن بمسؤوليته عن 11 أيلول/سبتمبر استنتاجاتك السابقة حول مسؤولية أطراف غير القاعدة عن هذه الهجمات؟- تفجيرات 11 سبتمبر ماهي إلا نقطة البداية لسياسة كانت معدة سلفا ومنذ زمن بعيد، وتشهد كل يوم تطورات. عملي تركز على هذه السياسة في مجملها. لم يكن اهتمامي بالتفجيرات في حد ذاتها، لكن عملت على فهمها لأنها تشكل القاعدة التي انبنت عليها كل السياسة التي أتحدث عنها.في غضون السنوات الثلاث الماضية، جمعنا كمية معتبرة من المعلومات بشأن التفجيرات، لكن ليس بشكل تتراكم فيه التفاصيل. كل هذه المعلومات منسجمة مع الطرح الذي طرحت، ونادرا ما تتوافق مع الرواية الرسمية الأمريكية. وبعض هذه المعلومات مثير للدهشة، مثلا كتلك التي توقعت فيها الإدارة العسكرية للولايات المتحدة سيناريو تجيب فيه عما يجب فعله في حال إذا اصطدمت طائرة بالبنتاغون؟ تم توقع هذا السيناريو صبيحة 11 سبتمبر. هذا السيناريو كان أشير إليه من قبل ضابط في الطيران العسكري بأشهر عدة قبل وقوع الحادث، ومن غريب الصدفة أن الضابط الذي كان يقود الطائرة التي ارتطمت بمبنى البنتاغون هو نفس الضابط حسب الرواية الرسمية، هذه الطائرة التي لم نجد لها أي أثر.آخرون أمثال برونو كاردينوزا في اسبانيا، أو ميشال روبرت في الولايات المتحدة كانوا قد نشروا أعمالا كاملة حول هذه المعطيات. ومن جانبه أنشأ البيت الأبيض لجنة تحقيق مستقلة تابعة للكونغرس. استمعت هذه اللجنة إلى جلسات كان من أهمها الجلسات المغلقة. وقد عرضت تقريرا في النهاية اقل ما يقال عنه انه تقريرا أدبيا ولم يكن تقرير بحث جاد. البروفيسور ديفيد راي غريفان كان بدوره قد وجه دراسة مهمة، حيث عرض فيها لأهم الأسئلة التي يطرحها الناس، والتي تجنبت " لجنة الكونغرس المستقلة" الرد عليها. الأمر يتعلق إذن بعمق المعلومات المعروضة، وانه وبعد 3 سنوات على الأحداث لم تتمكن السلطات في الولايات المتحدة من إعطاء رواية وحيدة وذات مصداقية لما جرى. الجدول الزمني المطروح من قبل اللجنة الرئاسية، يختلف عن ذلك الذي وضعته لجنة الكونغرس. لم تعط تفسيرا أوضح لأهم النقاط إلى حد الآن. لا ندري إلى اليوم كيف أن مكتب التحقيقات الفدرالية حرر قائمة أسماء المختطفين المتهمين، ولم يعرض شهادات وفاتهم، ونحن نعلم أن هؤلاء لم يكونوا موجودين على لائحة المسافرين على الطائرة، وأنهم لازالوا على قيد الحياة. مثال آخر: لجنة من المهندسين كانت قد عرضت تقريرا تشرح فيه أن عملية انهيار البناية رقم 7 من بنايات مبنى التجارة العالمية بعد الزوال، كانت بسبب اضطراب قواعدها من جراء الهزات الارتدادية التي خلفتها صدمة انهيار برجي مبنى التجارة العالمي في الصباح. لكن مالك العمارة كان قد صرح للتلفزة انه هو من أعطى الأوامر بهدمها حتى لا تسقط على باقي العمارات.كان قد صرح أيضا أن هذه العمارة كانت مفخخة وأنه كانت ثمة متفجرات قد زرعت في مقدمتها، و أن السلطات الأمريكية هي التي زرعت هذه المتفجرات.القائد العسكري "جيمي والتر" مهندس معماري في نفس الوقت، كان قد عرض مكافأة مليون دولار لمن يعطي تفسيرا علميا مقبولا ومتوافقا مع الرواية الرسمية لظاهرة سقوط برجي مبنى التجارة الدولية بهذه السرعة. لا أحد تمكن من الحصول على هذه المكافأة، حتى من الموظفين الذين اخترعوا الرواية الرسمية.وفي عملية لسبر الآراء قام بها مركز "زوغبي" الدولي، عرض فيها أن أكثر من نصف سكان ولاية نيويورك لا يثقون في الرواية الرسمية، ويعتقدون على الأقل أن إدارة بوش كانت تعلم مسبقا، وأنها وبطريقة متعمدة تركت المجال لحدوث الجريمة.أما عن أسامة بن لادن، فلا أحد يعرف ما دوره في هذه الأحداث. صحيح أنه قد اتهم بهذه التفجيرات، وأنه قد تبناها فعلا، لكن ليس هناك أية أدلة قطعية تثبت علاقته بالتفجيرات. ولا دليل! جورج بوش صرح لنا انه سيقوده إلى العدالة. بل وحاول إقناعنا أن الحرب التي شنها على أفغانستان كانت من أجل توقيفه. لكن ماذا بعد؟ لا شيء. وليس لدينا حتى اليقين بأنه على قيد الحياة، رغم أن صوته وصورته يظهران على شاشة التلفزة من اجل تبني أي شيء.في شهر يناير 2005، صرح المسئول الثاني في جهاز الاستخبارات الروسية " KGB" أنه يجب التوقف عن هذه المهزلة، وأن الاستخبارات الدولية تعلم أن بن لادن ماهو إلا عميل لجهاز المخابرات الأمريكية "CIA"، ليس منذ 20 سنة، بل منذ أبعد من ذلك. وإذا جئتم إلى تقييم حصيلة ما أنجزه بن لادن، فهو لم يحقق سوى إعطاء صورة دموية عن الإسلام، كما أنه عمل على تبرير كل مخططات الإمبريالية الأمريكية بقيادة نشطائها من المحافظين الجدد.

مصير بن لادن والظواهري

- برأت إلى حد ما قادة القاعدة وطالبان من مسؤولية 11 سبتمبر، ما هو المصير الذي ينتظر هؤلاء القادة برأيك خصوصا أن غالبيتهم لا زالوا طلقاء ولا يعرف مكانهم على وجه التحديد؟- كما كتبت دائما من قبل، "القاعدة" ليست حركة منظمة. هي اسم لواجهات عدة، هذا الاسم الذي من خلال تعمل الولايات المتحدة على الربط بين هذه الواجهات. من السذاجة أن ننسب إلى الشخص نفسه هجوما على البنتاغون وتفجيرا بالقنبلة لملهى ليلي بمدينة بالي.إذا رغبنا في الحديث عن تنظيم أسامة بن لادن، فان ما نعرفه عنه حتى الآن ليس مكتملا. في مؤتمر صحفي عقد في يناير 2001، أسمع السيد رامسفيلد العالم أن بن لادن يستعد لإطلاق قمر صناعي انطلاقا من أفغانستان. وأثناء الحرب على أفغانستان نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية صورا ومخططات للمخابئ الأرضية التي كان يستعملها بن لادن، كانت عبارة عن أشباه مدن حقيقة. الصحافة الغربية كلها آنذاك نقلت هذه الصور، لكن عندما وقعت الحرب على أفغانستان تبين لنا أنه ليس ثمة أية قواعد فضائية، ولا مبان حديثة تحت الأرض. كان هناك فقط مبان من الطوب والهشيم.أما عن طالبان، فهي حركة بائسة هي الأخرى. طالبان جماعة ناشزة وظلامية. لكنها لم تهاجم الولايات المتحدة. الشيء الذي لا يعطي الحق أبدا في شن الحرب عليها. كان يجب فعلا قلب نظام طالبان، لكن ليس بردم الشعب بالقنابل. وطالبان اليوم تكاد تكون قد ذابت في المجتمع الباكستاني والأفغاني ولا أحد يعتبرها كمشكلة.وفي المقابل، هناك في تصوري تيار فكري إسلامي متطرف، يعظم من مفاهيم الصراع والصدام والخلط بين اليهود والصهيونية، وبين المسيحية والصليبية. انه تيار خطير لأن تقديراته وتحاليله خاطئة، وهي تؤدي إلى تضليل الشباب والى حرفهم إلى اعتماد طرق وتصرفات عقيمة ومهينة. يجب الرد على هذا النوع من الطروحات، وذلك باقتراح أفكار أكثر ملاءمة وأكثر نبلا، وليس بمواجهة العنف بالعنف.
- بعض المحللين السياسيين حملوا عليك بشدة ووصفوا كتاب "الخديعة المرعبة" بأنه عبارة عن تطبيق فج ومباشر لاستخدام تفسير المؤامرة في فهم أحداث العالم، وأنه لا يعدو أن يكون ادعاءات غير مؤسسة؟رد عليك السيدان جول جيسنيل وجيوم داسكيي بكتاب "الكذبة الرهيبة"، كيف ترد على ما جاء في هذا الكتاب؟ - هناك بعض الفرنسيين الذي حملوا على حسابهم الشتائم الموجهة ضدي، مثل دانيال بايبس في الولايات المتحدة، والذي يتهمني بالاستسلام لنظرية " المؤامرة"، وبأنني أثرت نرجسية العالم العربي المتخلف، الذي يرمي على الغرب كل مسئولية فشله. انه العالم بطريقة معكوسة. ما نسميه في السوسيلوجيا بـ" نظرية المؤامرة" هو آلية فكرية تسمح لنا بفهم الأحداث من وجه واحد فقط متخفي وغير قابل للبحث.
الأنظمة الفاشية استخدمت نظرية المؤامرة من أجل التهرب من مسئولياتها، ومن أجل ترويع قطاعات كبيرة من الشعوب. على سبيل المثال، في عهد الحكم الملكي الثالث في ألمانيا، اعتمد هذا الأخير على ترويج فكرة أن اليهود هم سبب كل المشاكل، وبعدها قام باضطهادهم وانتهى بالقضاء عليهم. عن نفسي، أنا لا أبحث عن تفسير كل أوجاع الأرض بإعادتها إلى مسئولية الآلة العسكرية – الصناعية الأمريكية. لكن في المقابل فان إدارة بوش تسعى إلى تبرير كل التفجيرات في العالم باعتماد نظرية " المؤامرة الإسلامية الدولية". عندما يحدث خلل في توزيع الكهرباء، فان الحكومة الأمريكية لا ترجع ذلك إلى همجية تحرير الصناعة، لكن تقول إن سبب هذه المشكلة هو بن لادن.وعندما يقاوم الشعب العراقي الاحتلال، لا يقولون إن هذا الشعب يقاوم من اجل استقلاله، لكن الخطأ يعود إلى بن لادن...الخ.وفي السياق نفسه، لا أفهم التأكيد على أن العالم العربي يتلذذ بنظرية " المؤامرة"، وبأنه استغل تحقيقاتي من أجل التملص من إخفاقاته. أولا العالم العربي عالم شاسع ومتعدد، ويجب أن نكون جهلة حتى لا نرى الفروق بين المغرب والإمارات العربية المتحدة. ثانيا أعمالي وتحقيقاتي لاقت ترحيبا ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم بأسره. وقد قيل لي أيضا أن أعمالي تم الترحيب بها في أمريكا اللاتينية لأن سكان أمريكا اللاتينية عانوا كثيرا من نظرية الأمريكي الأبيض "اليانكي" وكانوا ضحية لسياساته.نفس الكتاب يتهموني بأنني قزمت من حجم الخطر الإسلامي، وبتنويم حذر الإنسان الغربي. صحيح هناك خطر يمثله بعض المتطرفين المسلمين، لكن الإسلام لا يشكل خطرا، الإسلام دين تسامح. والغرب في خطر ليس بسبب بعض المتطرفين المسلمين الذين يهددونه من الخارج، لكن بسبب قبوله في الداخل زعامة المحافظين الجدد التي تدفعه إلى مزيد من الجرائم. لا أتصور أن الغير يمكن أن يكونوا سبب أخطائنا. لا أعتقد في مفهوم " المؤامرة الإسلامية العالمية". اعتقد انه يمكننا العيش معا وفي سلام، ومن أجل هذا أنا أناضل.
- صرحت سابقا بأنك تلقيت تهديدات بالقتل هل لا زلت تتلقى تهديدات بالقتل؟ وما هو حجم المخاطر على حياتك؟ وهل يدفعك ذلك لتنحية جهودك في هذا الاتجاه جانبا؟- لقد صار من المتأخر عن أوانه الرجوع إلى الوراء.
- تصاعدت في الآونة الأخيرة موجة تضييق على المسلمين في فرنسا وألمانيا وهولندا على خلفية تصرفات فردية، هل تتوقع استمرار هذا الأمر؟- في دراسة مستقبلية تقدم بها البنتاغون، حررت من طرف بول وولفوفيتز وبطلب من ديك تشيني بعيد حرب الخليج. في هذه الدراسة إشارة إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على ضمان دعم اقتصاديات أوروبا وضمان توفير الطاقة من العالم العربي. ومن أجل الهيمنة علينا كلنا، يجب إحداث إنقسامات وخلافات بيننا. ومن اجل تحقيق هذا الغرض، عمل الكثير من استراتيجيي المحافظين الجدد أمثال: برنارد لويس، صموئيل هانتنغتون وآخرين على استفزاز مفاهيم " صدام الحضارات" وعملوا على محاولة إقناعنا بأن ذلك حتمية لا مفر منها. ولهذا تعمل الولايات المتحدة اليوم كل ما من شأنه تأجيج التوتر الذي يجعل العيش الجماعي مستحيلا بين الشعوب وبالتالي حملها على الانفصال عن بعضها البعض.وفي فرنسا، مسئول سياسي حليف للولايات المتحدة وإسرائيل، هو من حمل الهيئات الإسلامية بفرنسا على الدخول في مجلس وطني، كما افتعل بعد ذلك كل هذه الحكاية الطويلة عن الحجاب الإسلامي، ولقد وجد تجاوبا عند بعض مواطنينا لكن ليس كلهم. ومهمته حاليا هي إحراج كل سياسات الرئيس شيراك.

اغتيال الحريري

- كيف يمكن النظر إلى اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وما هي الجهة المستفيدة ؟ وهل سيصار إلى نزع سلاح حزب الله لاحقا؟ وكيف يمكن النظر إلى المستقبل اللبناني القريب؟- رفيق الحريري كان رجل الإجماع. كان له الكثير من الأصدقاء المعارضين لسوريا، ومع ذلك كان يلعب معهم دور وزير الخارجية الممثل لسوريا. كان يتمتع بعلاقات جيدة مع الكل إلى الحد الذي صار يشكل الرجل اللغز الذي يستطيع تثبيت الأمن في لبنان. عمل على تجميع ثروة شخصية هائلة لكن لا احد اعترض عليه لأنه قدم خدمات عمومية جمة. والذين قتلوا الحريري، فعلوا ذلك من أجل زعزعة استقرار لبنان وافتعال الحرب. القتلة إذن ليسوا من يخدمون مصلحة لبنان، وليسوا من يخدم مصلحة سوريا.منذ 1954، ترغب إسرائيل في تفكيك لبنان، وتأسيس دولة مارونية وضم باقي الأجزاء إليها. ومنذ 2003، تستخدم الولايات المتحدة لبنان كوسيلة ضغط على سوريا من أجل إجبار دمشق على التنازل عن الجولان والتوقف عن دعم المقاومة الفلسطينية. هاتان الدولتان هما الوحيدتان اللتان لهما مصلحة في اغتيال رفيق الحريري. زعزعة استقرار لبنان كانت عملية معدة منذ مدة طويلة، ويقف وراءها ديفيد ساترفيلد بوزارة الخارجية الأمريكية، مع اليوت أبرامس بمجلس الأمن القومي. ويعتمد هذان الأخيران على مخططات " اللجنة الأمريكية من أجل لبنان الحر" التي يتزعمها زياد عبد النور، واللجمة منشأة من طرف الاستخبارات الأمريكية. حاليا، يتم التحضير لعملية انقلاب على الحكومة. هي نفس التحركات التي اعتمدتها الولايات المتحدة في كل من يوغسلافيا، جورجيا، فنزويلا، أوكرانيا، روسيا البيضاء، هاييتي، قرغيستان وزيمبابوي. الناس قد سئمت من الحرب الأهلية ومن اتفاق الطائف. بالنسبة لهم " كفاية"!. الجيل الجديد لم يعرف الحرب ولا مبرر لكراهيته للوجود السوري الذي قارب على النهاية. الرغبة في طي صفحة الماضي واستقبال عهد جديد، ظاهرة بشكل قوي في مناسبة اغتيال الحريري، مع أن الحريري لم يكن من الحقبة التي عايشتها الحرب. إنها القطرة التي أفاضت الكأس. نشطاء المنظمات غير الحكومية الأمريكية يعززون هذا الإحساس ويشغلون ساحة الشهداء ببيروت، ويعملون منذ وفاة الحريري على صد كل رغبة جادة للتفكير في مستقبل لبنان.إنهم يشرحون للناس أن السلطات غير شرعية، ويجب عصيانها. كما يوزعون نتائج سبر آراء سخيفة مفادها أنه لو بقى الحريري على قيد الحياة لكان حصل على أغلبية كبيرة في الانتخابات البلدية، هذه الانتخابات التي لا يقرون بمصداقيتها، اذ كيف يحكمون بعدم نزاهتها قبل حدوثها. إذا استمرت تفاعلات الأزمة على هذه الوتيرة، فان الدولة مهددة بالانهيار خلال الأسابيع القليلة القادمة، والمجتمع اللبناني متخوف من حدوث الكارثة. الولايات المتحدة تناسبها وضعية كهذته لتضع على راس الحكم من يخدم مصالحها. وضعية كهذه تكشف لنا حقيقة تورط الرئيس حافظ الأسد وراء اغتيالات لشخصيات لبنانية في الماضي، وهذا ما يسمح لنا بكشف المبررات الواهية الرامية لتحميل المسؤولية اليوم للرئيس بشار الأسد عن عملية اغتيال الحريري. من الخطأ تحميل المسئولية للأسد الابن فقط لأن أباه كان وراء اغتيالات مضت. لقد تم استدعاء تدخل مجلس الأمن، وتجريم سوريا، لأن أحد أهداف هذه الحملة هي استخدام لبنان كمدخل إلى سوريا.وأخيرا، حزب الله كما هو اليوم، هو بيت القصيد، ولايمكن تعديل الموازنات دون حزب الله. حزب الله نجح في الانتخابات البلدية، وهو ممثل في البرلمان وتمكن من جمع مسيرة تعدادها مليون ونصف ببيروت. لكن الصحافة الأطلسية تجاهلت تقدم هذا الحزب، وتستمر في تصويره على أنه حركة إرهابية. حزب الله لا يتبنى حمل السلاح إلى الأبد. انه الحركة التي دافعت عن لبنان في مواجهة إسرائيل، ولن يتخلى هذا الحزب عن لبنان.حزب الله لن يلقي السلاح إلى أن يتعزز الجيش اللبناني بقدراته ويصير قادرا على الدفاع عن الوطن. وهو لن يتخلى عن البلد عندما يصير مصيره متعلقا ببعض المهاجرين اللبنانيين المرتشين من قبل وزارة الخارجية الأمريكية.

الترابي و11 سبتمبر !!

- ثمة سؤال كبير يطرح على خلفية الملاحقات التي شملت معظم النشطاء الإسلاميين يتمحور في تجاهل اسم الدكتور حسن الترابي فيما يتعلق بـ 11 أيلول/سبتمبر وما تلاها من أحداث، على الرغم من خلفيات تقاربه مع عدد من المطلوبين حاليا؟ - أنا جد سعيد بسؤالكم هذا، وهو يتردد كثيرا في الحافة الغربية. حسن الترابي كان النائب الرئيس لأسامة بن لادن في شركته، وكان مكلفا بالعلاقات الخارجية. وبالطبع بن لادن لم يكن يوما رجلا دبلوماسيا بارعا. لقد استقبل الترابي في كثير من الدول حتى لدى الفاتيكان، لهذا فانه من الصعب اليوم تشويه صورته. لا توجد صور لأسامة بن لادن مع زعماء العالم، لكن صورة الترابي مع العديد من الشخصيات كثيرة. في الحقيقة الاثنان لم يعملا إلا على خدمة مصالح واشنطن، خصوصا عندما يصرحان خلافها، لأن الهدف كان تحييد كل مبادرة عربية ضد الإمبريالية الأمريكية.
- من دراسة القرائن المتوفرة إلى غاية الآن، هل تؤمن بأن خطوة أمريكية تالية ربما تتمثل بهجوم على إيران؟ وماذا بشأن سوريا؟- جورج بوش أعلن عن مشروعه "إعادة تشكيل الشرق الأوسط". وعمليا هذا يعني تدمير الدول الحالية، وإعادة صياغة الحدود والحكومات، ومراقبة الشعوب ووضع اليد على البترول والغاز. الولايات المتحدة تغطي مشروعها الاستعماري بلباس " الدمقرطة". ونحن الأوربيون ارتكبنا هذه الأخطاء نفسها، فقد كان أجدادنا الأوائل يتحدثون عن "تمدين" الشعوب التي يحتلونها. لقد فهمنا أخطاءنا، أما الولايات المتحدة فلازالت متأخرة بقرن.البنتاغون يستعد لمهاجمة سوريا وإيران، لكن CIA ترى نفسها غير قادرة على قلب حكومتي هذين البلدين بدون اللجوء إلى القوة العسكرية. وفي الحقيقة، البنتاغون متردد، فسوريا ليس لديها مؤهلات الدفاع عن نفسها، لكنها قد تلجأ إلى مهاجمة إسرائيل. إيران كانت تملكت قذائف استراتيجية روسية، تمكنها من تفتيت ناقلة نفط كبيرة على مجرى الخليج، مما قد يؤدي إلى شل التجارة البترولية والاقتصاد العالمي. هذه القاذفات تمكنهم أيضا من تدمير حاملة طائرات أمريكية. ومهاجمة إيران وسوريا أمر أكثر صعوبة وتعقيدا من اجتياح بلد أنهكته حربان متتاليتان إضافة إلى حصار اقتصادي دام 12 سنة.

الهجمات الارهابية على الخليج

- تختلف تقديرات الخبراء حول الهجمات الارهابية التي تتعرض لها السعودية والكويت، هل يعني ذلك أن "القاعدة" ستنتقل حثيثا إلى توسيع عملياتها في الخليج، وهل تتوقع حدوث عمليات كبيرة تستهدف الصناعة النفطية؟- هذا الاختلاف طبيعي، لان القاعدة كتنظيم إسلامي عالمي غير موجود، والعالم كله يستخدم هذه العبارة لكن بمعان مختلفة. هي مجموعات متفرقة تلك التي نشطت في كل من المملكة العربية السعودية والكويت، وهي تعلن ولاءها للتطرف الأيديولوجي نفسه، لكن هذا لا يجعل منها جماعات منتسبة لتنظيم دولي، ولا يجعلها مرتبطة مباشرة بمشاكل العالم الأخرى. هذه الجماعات ليست لها القدرة لهجمات واسعة ضد آبار البترول في الخليج، لكن الدول التي تدعمها قادرة على ذلك.ولي العهد السعودي عبد الله نفسه أشار إلى هذه الدول وعلاقاتها بالجماعات التي تتحرك في العربية السعودية. من يشنون الحروب من أجل الاستحواذ على البترول العراقي، هم مستعدون لشن حروب أخرى بغية وضع اليد على البترول الإيراني مستعملين في ذلك أجهزتهم الاستخباراتية للضغط على الدول النفطية " الصديقة"، والتي تريد إعادة تقييم الصفقات البترولية المدارة من قبل الشركات النفطية الأجنبية.معدل الاستهلاك الفردي للنفط بالولايات المتحدة يقاس بالضعف مع نظيره بالاتحاد الأوروبي. وقد صرح الرئيس جورج بوش: " نمط حياتنا غير قابل للنقاش"، غير أن مؤشرات سوق البترول الدولية في تراجع. والطلب أكثر من العرض في الوقت الذي يشهد فيه العالم أسواق نفطية جديدة. الدول المتقدمة صارت مدينة من أجل تعزيز اقتصادياتها. فهم يستغلون بترول أعداءهم ثم ينتقلون إلى بترول أصدقائهم. لم تعد تقف الصداقة في وجه هذا.
- اسمح لنا بسؤال أخير يتعلق بالكسب المادي والمعنوي الذي جنيته من وراء تأليف كتابك الأشهر "الخديعة المرعبة"؟ بعضهم يتحدث عن "الكسب المادي" كسبب وحيد يدفعك لتناول مثل هذه القضايا الساخنة؟- النجاح العالمي الذي حققته كتبي، جلب إلى مالا كثيرا. إضافة إلى أنه يجب مراعاة الفرق في مستويات النجاح: نجاح كتاب على المستوى العالمي يحقق أقل مما يحققه شريط صوتي على المستوى الوطني. والمال الذي جنيته من بيع كتبي لم أستعمله لأغراضي الشخصية، ولكن من أجل دعم مع بعض من شركائي الجمعية التي أترأسها – شبكة فولتير -. لقد تمكنت من تجميع كثير من النشطاء المثقفين من حولي. وتمكنت من تأسيس كثير من الهيئات في أوروبا، العالم العربي وأمريكا اللاتينية، والتي تراعي لي حقوق تأليفي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وهي تدير مواقع الكترونية إخبارية بلغات عديدة.لقد ركزت دائما عملي لصالح أفكاري، دون أن أغلب مصلحتي الشخصية، أو مستوى معيشتي. قد يكون نجاح بعض المكتبات التي وزعت كتبي قد سمحت لي بتحصيل مال كثير، لكن هذا لم يغير من حياتي. لم أتوفر لا على سيارة، ولا على سكن. لم أذهب للاستقرار على أحد شواطئ الأرض البديعة. واصلت عملي وبمعدل 70 ساعة أسبوعيا عاملا على نشر المقالات. والآن النشرة الإخبارية التي أنشرها تلقى اهتماما كبيرا من بعض الناس وخصوصا المسئولين السياسيين. وستكون متوفرة ومجانا بالعربي عن طريق البريد الالكتروني ابتداءا من الشهر القادم. كثير من الحكومات تستشيرني في تحاليلي بخصوص المسائل الدولية. أنا أفتخر بكون هؤلاء يعطون أهمية لتقاريري، وأن يجدوا في كثير من التصريحات الرسمية وجهات النظر والتحليل التي أعرضها عليهم. غايتي الوحيدة هي النضال من أجل الحرية والسلام. يمكننا أن نشك في جدية مثقف ما أو في وجهات نظره، لكن عن نفسي أنا متيقن أن ما تركته من أعمال لا يترك الحد الأدنى من الشك في نزاهتي.