المرشد الروحي السابق للزرقاوي يندد بالعمليات التفجيرية في العراق

سجين سابق روى للعربية.نت تفاصيل خفية من حياة أبو محمد المقدسي

نشر في:

قال المرشد الروحي السابق لابي مصعب الزرقاوي اليوم الثلاثاء 5-7-2005م والمفرج عنه مؤخرا ان "العمليات (التفجيرية) التي يشهدها العراق وغيره من بلاد المسلمين تشوه صورة الجهاد" مشيرا الى انه "لا يجوز توجيه المتفجرات نحو المسلمين".

وقال ابو محمد المقدسي في مقابلة مع صحيفة "الغد" الاردنية المستقلة "لقد حذرت سابقا من مثل هذه العمليات التي تحصد عشرات الابرياء من ابناء الشعب العراقي, ولا تفرق بين امرأة وطفل ومدني وعسكري واميركي محتل" مشيرا الى انه لا علاقة له بما يجري في العراق حاليا.
وتابع "انا لا ابرأ من المسلمين المجاهدين, كما لا اجد غضاضة ولا حرجا من ان أتبرأ من اخطاء بعض الشباب المجاهد او المسلم حين تكون اخطاء ظاهرة بينة".
وافرجت السلطات الاردنية يوم الاحد عن المقدسي منظر الحركة السلفية الجهادية بعد ان برأته محكمة امن دولة من تهمة التخطيط لضرب مصالح اميركية بينها السفارة الاميركية في عمان بعد اعتقال دام 6 أشهر.
وشدد المقدسي على "ضرورة تجنب تجمعات المدنيين والنساء والاطفال ممن اصبحوا الوقود الحقيقي للعمليات التفجيرية في الكثير من الأحيان اضافة الى عدم استهداف مساجد الشيعة والكنائس ودور العبادة بعامة".
واضاف "هذه العمليات التفجيرية سواء اكانت في العراق او في غيره من بلاد المسلمين, تشوه صورة الجهاد المبارك اذ يتوجب على المجاهدين ان لا يوجهوا حرابهم ومتفجراتهم إلى المسلمين".
واوضح المقدسي انه "رغم ان كثيرا من التنظيمات المقاتلة اليوم في العراق قد تتلمذت على كتاباتي الا انه ليست لي علاقة مباشرة باي منها"، وقال "رغم ان كثيرا من الشباب ينتسبون الى مشيختنا, بل ان بعضهم اتخذ اسم موقعي على الانترنت اسما لتنظيم في مرحلة من المراحل كما فعل اخونا (ابو مصعب الزرقاوي) الا انني تحفظت على بعض الاختيارات والاعمال التي كان لهم فيها اجتهاداتهم الخاصة, وقد فعلت ذلك علنا باعتباره حقا لي".
وتابع "اما بعد ان تغير اسم التنظيم الى (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) فقد اختلف الامر, ولم يعد هناك اي شبهة في اننا نتحمل اختيارات ذلك التنظيم وان مسؤولية اعماله تقع على كاهلنا, لكن يبقى علينا حق المناصحة".
وكان الزرقاوي التقى المقدسي عام 1991 في باكستان قبل ان يلتحق بالسلفية الجهادية ومن ثم اعتقلتهما الشرطة الاردنية عام 1994، لكن المقدسي والزرقاوي افترقا في وقت لاحق بسبب "خلافات ايديولوجية" حيث يعارض المقدسي العمليات المسلحة ضد المدنيين.
وفي ما يتعلق بالعمل المسلح قال المقدسي " لم اتورط فيه طوال حياتي ولم ازج فيه اخواني".

تفاصيل خفية في حياته

وعلى خلاف الأفكار المتشددة والتكفيرية التي تزخر بها مؤلفاته التي طالت مجتمعات بأكملها وأنظمة سياسية بالاضافة لعلماء مسلمين بينهم الشيخ عبدالعزيز بن باز، يرى سجناء سابقون رافقوا أبا محمد المقدسي المنظر الفكري للزرقاوي أن الأول يتمتع بروح لطيفة ولا تعوزه قدرة تكوين علاقات اجتماعية وصداقات بالاضافة لطيب المعشر.
ويعتقد الناشط الإسلامي الدكتور هاني السباعي (مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية في لندن) أن اطلاق سراح أبي محمد المقدسي لن يؤثر كثيرا على مستوى الساحة العراقية، لكن سيبقى التأثير روحيا فحسب على مشايعيه.

خطورة المقدسي !

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يوضع فيها المقدسي في الحبس نتاج تهم بالمؤامرة بقصد القيام بأعمال ارهابية، فقد سبق أن حكم بالسجن مدة 15 عاما في 1994 لتزعمه تنظيما إرهابيا ولكنه خرج بالعفو العام في 1999. وقال السباعي لـ"العربية.نت" إن المقدسي ربما يبقى قيد المراقبة الأمنية بهدف أن يقود تاليا لخيوط قد تؤدي لزعيم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين الأردني أبي مصعب الزرقاوي.
وأضاف السباعي بأن المقدسي يتمتع بنشاط ذهني وتتمثل خطورته في قدرته على اعطاء مسوغات شرعية لأعمال العنف، مشيرا إلى عمق تأثيره في الخليج وبلاد الشام. ونوّه بأنه يعتقد أن العلاقة حاليا بين الزرقاوي والمقدسي تظل روحية وأدبية فقط، إذ أن الأول محاط بمستشارين شرعيين. وعاد ليؤكد بأن المقدسي على حد علمه لا يقيم أية علاقات بتنظيم القاعدة، "إلا أنه يتمتع باحترام وتقدير كبيرين في أوساط مختلف الفصائل".
وكشف سجين قضى 3 أعوام إلى جانب المقدسي والزرقاوي في سجن "سواقة" (65 كلم جنوب عمّان) بين 1996 و1999 عن تفاصيل خفية في حياة المقدسي وعلاقة الرجلين، مشيرا إلى أن هذه العلاقة كانت جيدة إلا أنها توترت نتيجة خلافات شخصية. وأكد يوسف ربابعة لـ"العربية.نت" أن الزرقاوي كان يعتمد على المقدسي فكريا، إلا أنه كان يعيب عليه لينه وايثاره عدم "المفاصلة". كما أنه كان على خلاف معه في تطبيق الأفكار التي كان ينادي بها.

قطيعة في السجن بينه وبين الزرقاوي !

وأشار ربابعة إلى أن خلافات الرجلين بلغت ذروتها بقطيعة تامة بينهما في 1999، على الرغم من محاولات المقدسي للصلح. ويبدو بحسب ربابعة أن نظرة الزرقاوي آنذاك للمقدسي كرجل لا تؤهله سلوكياته للقيادة، دفعه هو ومناصريه لاستبعاد المقدسي عن إمارة التنظيم في الأردن واسنادها للزرقاوي. ولم يخف ربابعة استغرابه واستغراب السجناء الآخرين من آراء المقدسي التكفيرية بالنظر إلى شخصيته الوديعة وقدراته على تكوين صداقات وعقد علاقات اجتماعية حتى مع السجانين الذين كان يراهم "كفارا".
وقال إن المقدسي ولد بالكويت وتلقى تعليمه بها إلى أن بلغ المرحلة الجامعية لينقطع عن التعليم النظامي ويتجه تماما للعلوم الشرعية متأثرا بالأفكار السلفية. وبعد غزو الكويت بواسطة نظام صدام حسين، عادت أسرة المقدسي التي ترجع جذورها لـ"برقة" في فلسطين، إلى الأردن. وسافر المقدسي إلى باكستان ثم السعودية التي قضى بها فترة وجيزة قبل أن يغفل راجعا للأردن.
وأوضح ربابعة أن أفكار المقدسي بدأت تأخذ منحى تكفيريا نتاج انشقاق عن الفكر السلفي، وبعد الانتصار الذي تحقق في أفغانستان ضد القوات السوفيتية، ما حدا ببعض الإسلاميين للتفكير في إمكان تحقيق انتصارات على الشاكلة ذاتها على أنظمة المنظقة كلها. وقال إن المقدسي لم تكن تشغله القضية الفلسطينية لأنه كان يرى فكرته شاملة المسلمين كلهم والبلاد الإسلامية.

المقدسي يقرأ بن تيمية

وأشار إلى أن المقدسي أثناء فترة السجن، كان يقضي مددا طويلة في قراءة كتاب "الفتاوى" لابن تيمية، بالاضافة للكتابة لساعات متواصلة. وأضاف بأن المقدسي كان مهتما فحسب بالفكر الإسلامي المكتوب قبل القرن السابع الهجري، ولم تكن لديه أية اهتمامات بالأفكار المعاصرة. وقال إنه لم يكن يشاهد التلفزيون إلا لماما لمتابعة "بعض أخبار المسلمين"، إلا أنه يعتقد بأن المقدسي لم يكن لديه ميل للعزوف عن مشاهدة التلفزيون لولا ضغوط من الزرقاوي.
ونفى ربابعة أن تكون شخصية المقدسي ديكتاتورية، لكنه "كان مراوغا في الحوارات الفكرية التي كانت تجري داخل السجن وخصوصا حول التكفير". وأفاد بأنه كان يتجنب التحدث عن عداوته لأشخاص، كما كان يعزف عن التعرض للعلماء. ولم يكن المقدسي يفكر في الخروج من بلاده آنذاك، وليست لديه "نفسيه رجل قادر على حمل السلاح والقتال". وقال ربابعة إن المقدسي كثيرا ما كان يشير إلى أنه لا يميل للعنف، وأن أفكاره تبقى "مجرد آراء شرعية لا تعني ضرورة تنفيذها".
وتتفاوت آراء خبراء ومحللين بشأن علاقة الزرقاوي بالمقدسي بعد اطلاق سراح الأخير. ففي حين يعتقد بعض أنه تصعب الاجابة جدا على السؤال المتعلق باحتمال تراجع المقدسي عن آرائه التكفيرية، يرى آخرون بأنه - أي المقدسي - يسعى لفتح خط مع الزرقاوي الذي استحوذ خلال العامين الماضيين على الأنظار في حين بقي المقدسي بعيدا عن الأضواء وتراجع صيته كمنظر للتكفيريين.
ولا يستبعد آخرون بأن تكون ثمة خطة أمنية كبيرة موضوعة بعناية من أجل الايقاع بعناصر قد تسعى لنقل رسائل بين الرجلين بهدف الوصول إلى الزرقاوي. في حين يشير بعض إلى أن دور المقدسي قد انحسر تماما، وأنه لا طائل من إبقائه تحت العين الأمنية أو تركه حرا، فالأمر سيان لأن التأثير الفعلي بات بيد الزرقاوي الذي تجاوز بطروحاته التكفيرية وأعماله آراء المنظر السابق له أبي محمد المقدسي.
وللمقدسي مؤلفات عدة أثرت بقوة على عدد من التكفيريين أبرزها "الكواشف الجلية" و"الدرر السنية في رسائل علماء الدعوة النجدية" و "ملة إبراهيم" ويقوم الأخير مثلا على الأخذ بملة النبي إبراهيم كما في نص الآية الكريمة "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده".
والتأسي بنظر المقدسي يتمثل بالكفر بالطاغوت والبراءة منه. ويتجلى الكفر في صور كثيرة مثل ما قالت الآية القرآنية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". وفي عرف المقدسي لا تحكم جميع الحكومات العربية بما أنزل الله، لذا فهي "طواغيت" ولا يجوز أن ينخرط المسلم في وظائف الطاغوت وخصوصا في السلك العسكري.