إصدار أول قانون للأحوال الشخصية في البحرين يثير جدلا شرعيا وشعبيا
قاض يزوج طفلة بزوج عمتها..
رغم التقدم الكبير الذي حققته مملكة البحرين على صعيد الإصلاحات الاجتماعية والسياسية في السنوات الأخيرة بحسب رأي الكثير من المراقبين، إلا أنها لا تزال من الدول العربية والإسلامية القليلة التي لا يوجد فيها قانون للأحوال الشخصية، وقد أثيرت هذه القضية بشكل كبير في السنوات الأخيرة داخل أوساط المجتمع المدني وعبر وسائل الإعلام.
وقد طالعتنا وسائل الإعلام البحرينية في الآونة الأخيرة عن "أمور مجحفة" تحدث في أروقة بعض المحاكم الشرعية نتيجة غياب جهات تراقب عمل القضاة الشرعيين وتحاسب "الفاسدين" منهم، ومن القصص التي تداولتها الصحف البحرينية قصة امرأة جميلة وافق أحد القضاة على أن يطلقها من زوجها شريطة أن توافق على الزواج منه.
وكانت أيضا هناك قصة الفتاة البحرينية ذات الـ(9 سنوات) التي أخذها والدها من أمها الفلبينية وعقد قرانها على زوج عمتها، ولم تتم محاسبة القاضي الذي وافق على ذلك الزواج "الباطل شرعا".
ويستعد البرلمان البحريني لمناقشة مسودة مشروع قانون "أحكام الأسرة" بعد إجازة عيد الفطر وسط تجاذبات كبيرة بين مؤيد لقانون يرى فيه إنصاف للمرأة والأسرة، وبين معارض يخشى أن يكون القانون "علمانيا ولا يستمد مواده من أحكام الشريعة الإسلامية".
وقد رحب المجلس الإسلامي العلمائي (شيعي) برئاسة الشيخ قاسم عيسى قاسم بالدعوة التي وجهتها الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة لولوة العوضي إلى قاسم إلى الحوار بشأن قانون الأحكام الأسرية.
وبحسب صحيفة "الوسط" البحرينية، فقد وضع عضو المجلس الشيخ محمد صنقور ثلاثة شروط لهذا الحوار، هي: اعتماد القانون الإسلامي مصدرا وحيدا مع المحافظة على الخصوصية المذهبية، وإيجاد ضمانات بعدم تغيير القانون في المستقبل وأن يكون الحوار مع من وصفه صنقور بـ "من بيده القرار".
من جهة أخرى، أعلنت الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة لولوة العوضي عدم معارضة المجلس إضافة نص يؤكد ضرورة العودة إلى علماء الدين قبل الشروع في تعديل القانون. وقالت: "إذا أراد علماء الدين إضافة نص يقول: لابد من الرجوع والأخذ برأي علماء الدين قبل تعديل القانون فلا مانع من ذلك وهو أمر معمول به في المغرب ومصر ولن يكون استثنائيا لو حصل في البحرين".
وأضافت العوضي أن "المجلس الأعلى للمرأة مستعد لدعم تعديل أية مادة تخالف ضوابط الشريعة الإسلامية"، مشيرة إلى أن الجميع متفق على هذا المبدأ"، مستبعدة أن يتم طرح قانون الأحوال الشخصية للاستفتاء الشعبي العام لأن ذلك يعد بدعة دستورية.
وقد أطلق المجلس الأعلى للمرأة حملة للتوعية بضرورة وجود قانون للأحوال الشخصية استخدمت فيها طريقة مميزة باعتماد على لافتات ولوحات من الرسوم الكارتونية كان شعارها "أسرة آمنة.. وطن آمن"، وقد أثارت هذه الحملة غضب "المتضررين والخائفين من إقرار هذا القانون" بحملة مضادة برزت بشكل كبير من خلال تبادل رسائل جوال، وعبر منتديات الانترنت، ولاسيما بعد الخطبة "النارية" التي ألقاها الشيخ عيسى قاسم يوم الجمعة المنصرم وأبدى فيها تخوف وتحفظ على قانون الأحوال الشخصية.
وفيما إذا كان بالإمكان الوصول إلى اتفاق مع الشيخ قاسم حول القانون، قالت العوضي لجريدة "الوسط" البحرينية "المجلس الأعلى للمرأة يرصد هذه الانتقادات بكل أنواعها والتي تعد (مؤشرا ايجابيا) إذ أن الجميع متفق على ضرورة التقنين، لكنهم مختلفون على آليات التقنين وخوفهم من أن تمس الشريعة الإسلامية مستقبلا وهو أمر ليس واردا على الإطلاق. لذلك، ندعوهم إلى الحوار والى إبداء ملاحظاتهم مباشرة إلى المجلس الأعلى للمرأة الذي يرحب بمثل هذه الملاحظات "فلا مانع من إعلام المجلس أين هي بواطن الخلل في القانون والمواد التي تخالف الشريعة الإسلامية"
وأضافت العوضي في حديثها للزميلة ريم خليفة: "ونحن كمجلس مستعدون للحوار مع جميع المعارضين للقانون وفي مقدمتهم طبعا الشيخ عيسى قاسم لمناقشة الملاحظات، وفي حال موافقة سماحته على المبدأ فإن المجلس مستعد لإيفاد لجنة للحوار وسماع آرائه بخصوص القانون".
وشددت العوضي على أن البحرين هي من الدول العربية والإسلامية القليلة جد التي لم تسن تشريعا خاصا بالأحوال الشخصية، "هنا يأتي السؤال المنطقي ليقول: إذا كان تقنين الأحوال الشخصية خطأ دينيا، فهل معنى ذلك أن مليار مسلم في النار ونحن في الجنة؟!... إذا لابد من تحكيم المنطق أيضا في هذا الموضوع".
كما ناشدت رئيسة لجنة العريضة النسائية الناشطة غادة جمشير كل سيدة وفتاة بحرينية من مختلف الأوساط الشعبية في البلاد إلى مساندة حملة إصدار قانون أحكام الأسرة لا تجاهله.
وأضافت قائلة "الوقت الحالي لا يسمح بتبادل الاتهامات بين جميع مؤسسات المجتمع المدني بل على الجميع تكثيف الجهود لأن الهدف المرجو منه هو تعديل أوضاع المرأة والأسرة معا".
وأوضحت جمشير التي أصدرت كتابا يتحدث عن معاناة النساء في المحاكم الشرعية أن القانون أمر لا بد منه كون أن المجتمع الدولي يدفع بهذا الاتجاه إلى دول الخليج خصوصا فيما يتعلق بتحسين قوانين حقوق المرأة إذ لن تكون هناك أية اسثناءات. وأضافت أن الحملة التي ينظمها المجلس الأعلى للمرأة تعتبر عاملا إيجابا كون أن القانون امل كل بحرينية تسعى للحصول عليه بمستوى ما حققته طوال السنوات الماضية على الصعيدين العلمي والعملي.
وطالبت الإعلامية البحرينية ريم خليفة بضرورة تكاتف نساء البحرين في مختلف الأوساط الشعبية إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني في دعم إصدار قانون أحكام الأسرة "الذي يعد مطلبا نسائيا قديما". وذكرت خليفة عبر حديثها لـ"العربية.نت" أن واقع المرأة البحرينية "لا يتناسب مع صورة البحرين حاليا أمام المجتمع الدولي ولا مع ما حققته المرأة البحرينية على مدار تاريخها الطويل سواء على المستوى العلمي أو العملي الذي جعلها في مصاف الدول الخليجية بل وساهم في دفع عجلة التقدم للمجتمع".
وأضافت خليفة: "المتضررات من المحاكم الشرعية هن كثر وليس من المستغرب أن يبدأ صوت المرأة البحرينية يعلو ويرتفع في السنوات الخمس الأخيرة بعد تفاقم المشكلة في ظل غياب حلول حقيقية تشعرنا كنساء إننا مازالنا نعيش في قانون الغاب... فمتى يفيق البعض من سباته؟".
وطالبت خليفة بضرورة الاعتراف "بواقع الظلم الذي يخرج يوميا من المحاكم الشرعية في البحرين التي تفجع النساء و(تعلق) أو(تنهي) قضاياهم دون حلول عادلة أو حتى عقلانية في بعض الأحيان".
وترى خليفة أنه لا يمكن أن يستمر "الوضع على حاله في عدم سن القانون وفي وقت نرى فيه البحرينية مرشحة لمنصب رئاسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى تقلدها المناصب القيادية في الدولة إلى القطاع الخاص...الأمور تغيرت ولا يمكن أن تستمر حالة المد والجزر بين من هو مؤيد إلى من هو معارض فالمجتمع الدولي يدفع بهذا الاتجاه المطالب بسن وتفعيل قوانين المرأة لا تجاهلها".