عاجل

البث المباشر

نيويورك تايمز تضع قناة "العربية" تحت المجهر

بعنوان "الحرب داخل غرفة الأخبار العربية" وفي بادرة نادرة من نوعها:

في بادرة غير عادية، نشرت مجلة "نيويورك تايمز" الشهيرة بتحقيقاتها الرصينة والعميقة (والتي تصدر مع الجريدة المعروفة) موضوعا صحفيا مطولا عن قناة العربية، تسللت المجلة من خلاله بين جدران القناة، وقدمت قراءة تحليلية للقناة، وروتين الإخباري اليومي، وعلاقتها بالعالم من حولها، بل وحتى للأبعاد الشخصية لأؤلئك الذين يقودون العمل الإخباري في القناة.

وربما ما دفع المجلة لنشر الموضوع وثقتهم بالتحليل الذي طرحوه هو أن "العربية" (في بادرة غير عادية أيضا على مستوى المؤسسات الإعلامية العربية) سمحت لمراسلة المجلة بالبقاء حوالي 20 يوما تتجول في القناة، تتحدث مع من تشاء، وتقف حيث تشاء، في غرفة الكونترول، في الاستديو، مع التحرير، في مكاتب المدراء.
التحقيق كتبته سامنثا شابيرو، ويمثل وجهة نظرها ووجهة نظر المجلة بالطبع، ورغم أن مدراء العربية قد يتحفظون على بعض عناصر تلك الرؤية، إلا أن التحليل يبقى قيما في فهم أبعاد متعددة في الإعلام الإخباري العربي.
وكانت جريدة البيان الإماراتية قد نشرت ترجمة لمعظم نص تحقيق مجلة نيويورك تايمز وذلك" لما يقدمه من معلومات تعكس ما يجري من نقاشات وحوارات خلف جدران قاعات التحرير"، وأشارت البيان لتركيز التحقيق على مسألة المنافسة المحتدمة بين فضائيتي «الجزيرة» و«العربية»، وعرض واقع الصحافة والحريات في العالم العربي.
وتضيف جريدة البيان بأن التحقيق الذي حمل عنوان «الحرب داخل غرفة الأخبار العربية» يعرض لطبيعة عمل القناة وظروف إنشائها مع إيراد مقارنة بينها وبين قناة «الجزيرة» بالاستناد إلى مقابلات مع عدد من العاملين في هذه القناة «العربية» تتراوح وجهات نظرهم إزاء الأحداث السياسية وكيفية تغطيتها، مع إبراز خلفية هؤلاء وطبيعة نشأتهم، وذلك في إشارة ضمنية إلى أن هذه النشأة أسهمت في تكوين الآراء ووجهات النظر، كعبد الرحمن الراشد مدير القناة السعودي الذي نشأ في المملكة وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة وقضى معظم وقته في بريطانيا، والذي يرى أن "ما ينقصنا الآن هو الحقيقة والمعلومات، وبعد ما يتحقق ذلك سيكون مجتمعنا سوياً". ويشير التقرير إلى البيئة التي تعمل فيها القناة، أي إمارة دبي التي يرى الراشد أنها كتجربة يمكن أن تحض على الإصلاح في البلدان العربية الأخرى.
وعلى رغم ورود إشارات كثيرة في التحقيق عن تعليمات بعدم تسمية القوات الأجنبية والأمريكية خصوصا في العراق بـ"القوات المحتلة" بحجة الموضوعية، وهو ما يخفض أسهم القناة في صفوف الرأي العام العربي والإسلامي ـ كما يرى عاملون آخرون ـ إلا أن تصنيف الجيش الأمريكي للقناة هو أنها في تغطيتها سيئة ولكنها أقل سوءاً من «الجزيرة».
ويتناول التحقيق أيضاً مسألة التقنيات الحديثة المتوفرة للقناة كما لغيرها من الفضائيات الأخرى، إلا أنه يشير على لسان أحد مسؤولي العربية (نبيل الخطيب) إلى أن "النظم الحكومية والأهلية المطلوبة لدعم حرية الصحافة الحديثة غير موجودة في الشرق الأوسط، وبالتالي لا تواكب التطور التقني المتوفر، ولا توفر بيئة ملائمة للعمل الصحافي".
وتقول "البيان" بأن الكاتبة تركز على تناول التفاصيل الدقيقة داخل غرفة أخبار قناة «العربية» وتنجح بجدارة في النفاذ إلى عمق نفوس العاملين فيها، فكثير منهم تحدثوا بصراحة كاشفة أنهم يعيشون حالة من التمزق السياسي والفكري بين قناعاتهم وبين ما هو مفروض عليهم الالتزام به من جانب القناة.
واختصوا في ذلك تناول القناة لما يجري في العراق. فالسياسة التي تتبعها «العربية» في رأي من شملهم التحقيق يخشون أن تفقدها تعاطف كثير من المشاهدين، فهي تصور القناة ـ حسب رأيهم ـ وكأنها موالية للأمريكيين على حساب القضايا العربية، ومن هؤلاء: عبد القادر خروبي، وديار العمري وإيهاب الألفي، بل ونبيل الخطيب المشرف على طاقم المراسلين، حسب ما تنقله "البيان" عن مجلة نيويورك تايمز.
وتقول "البيان" بأن مثل هذا الأمر لا ينكره عبد الرحمن الراشد المدير العام لقناة «العربية» ويقولها بصراحة «إن العربية لا يمكنها أن تقوم بتغطية حرة لقضايا تمس الحكومة السعودية مثلا، لأنها مملوكة لجهة سعودية» وذلك التحدي المتصل بممارسة العمل في حرية مطلقة تتفق مع القناعات الذاتية ليس هو التحدي الوحيد الذي يواجهه العاملون في غرفة أخبار «العربية»، وإنما واحد من تحديات كثيرة تهدف إلى تقديم إعلام عربي أفضل ومعتدل للمشاهدين.
وفيما يلي نقل للموضوع كما ترجمته جريدة "البيان" الإماراتية:يتابع عبد الرحمن الراشد المدير العام لـ «العربية»، القناة الإخبارية الفضائية التي تذيع برامجها على مدار الساعة من دبي، ست شاشات بلازما في مكتبه في قاعة غرفة أخبار القناة اللامعة الشديدة الحداثة.
هذه الأجهزة تعمل على الدوام. تم ضبط أحدها على قناة «العربية» والثاني على قناة «الجزيرة» أهم قناة منافسة، والثالث على القناة الفضائية للحكومة السعودية، والرابع على «سي.ان.ان» ويحب الراشد أن يدير الجهازين الآخرين لينتقل من «الحرة» القناة الإخبارية التي تلقى تجاهلا كبيرا، والتي أطلقتها الحكومة الأمريكية في شهر فبراير الماضي إلى الـ «بي.بي.سي» ثم «المنار» القناة المملوكة لحزب الله التي حظرتها الحكومتان الفرنسية والأمريكية الشهر الماضي لأنها أذاعت عبارات سب تنم عن معاداة السامية ولما وصفه متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بأنه «تحريض على العنف».
وينصب عمل الراشد على إيجاد مكان لـ «العربية» وسط هذه المجموعة المتباينة ويفضل أن يكون هذا المكان في القمة. ولكن في الوقت الحالي قناة «الجزيرة» التي أطلقتها قطر عام 1996 هي التي تحدد المعايير ونبرة الأخبار العربية التلفزيونية.
ووفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة الزغبي انترناشيونال وجامعة ميريلاند في شهر مايو الماضي فإن «الجزيرة» هي الخيار الأول لاثنين وستين في المائة من مشاهدي القنوات الفضائية الإخبارية في الأردن وستة وستين في المائة في مصر وأربعة وأربعين في المائة في السعودية.
في معظم الدول التي شملها الاستطلاع جاءت «العربية» في المرتبة الثانية بفارق كبير على رغم أن الأستاذ الجامعي الذي صمم الاستطلاع شبلي تلحمي قال: «إن القناة التي بدأ بثها منذ عام فقط استحوذت على حصة من السوق تثير الإعجاب» فقد ذكر 39 في المائة من المشاهدين أنهم يشاهدون العربية يوميا تقريبا. وفي السعودية أكبر سوق للإعلان في المنطقة، فإن نتيجة التنافس على عدد المشاهدين أقرب بكثير.
السعودي الشيخ وليد الإبراهيم يملك «العربية» والشبكة الأم «MBC»، وتحظى «MBC1» بعدد من المشاهدين أكبر من مشاهدي أي قناة أخرى في الشرق الأوسط.
أطلق الشيخ وليد «العربية» في فبراير عام 2003 لتقديم خيار بديل أكثر اعتدالا عن قناة «الجزيرة»، وهدفه وفقا لما قاله الشهر الماضي هو وضع «العربية» بالنسبة إلى «الجزيرة» في الموقع نفسه الذي تحتله «سي.ان.ان» من «فوكس نيوز» كمنفذ بث إعلامي هادئ ومتخصص معروفة بالتغطية الموضوعية وليس الآراء التي تقدم في صورة صراخ.
وقال إنه يعتقد أن السوق مستعدة لبديل. وأضاف أنه بعد أحداث 11 سبتمبر وأفغانستان والعراق يريد الناس أن يعرفوا الحقيقة وهم لا يريدون الأنباء من وزارة الدفاع الأمريكية أو قناة «الجزيرة».
واهتمامات الشيخ وليد السياسية الشخصية ربما تكون أيضا عاملا دافعا. فهو نسيب العاهل السعودي الملك فهد، ولا تعجب قناة «الجزيرة» العائلة المالكة السعودية لأنها تفرد وقتا للقاعدة في الوقت الذي يعد إطاحة الحكومة السعودية واحداً من أهم أهداف التنظيم.
وقبل «الجزيرة» كان رجال أعمال سعوديون يمتلكون كل وسائل الإعلام الرئيسية التي تعبر عن العالم العربي بما في ذلك «ام.بي.سي» القناة الوحيدة التي تذيع نشرات إخبارية في الشرق الأوسط، ولذلك فإن هذه الدولة وحكامها نادرا ما كانوا يقابلون بالمساءلة والاعتراض من الصحافيين العرب. وقد سمحت قطر لمراسلي «الجزيرة» بالهجوم على السعوديين وحكومات أخرى في الشرق الأوسط.
والقيم الإنتاجية المتقدمة تميز قناة «العربية» عن قنوات إخبارية عربية أخرى. فتصميماتها وصورها لها مظهر ذو تقنية عالية ونشراتها الإخبارية سريعة، حيث لا يزيد كل موضوع عن دقيقتين ونصف الدقيقة، كما أن إيقاعا موسيقيا دراميا يصاحب هذه النشرات.
وفي المقارنة يجلس مذيعو «الجزيرة» خلف مكتب ووراؤه خلفية مملة ذات بعدين تشبه إلى حد ما خلفية برنامج إخباري أمريكي في السبعينات بينما تذيع «العربية» بثها من غرفة أخبار تتميز بالحداثة ذات تصميم ثلاثي الأبعاد من المعدن الفضي والزجاج.
وكان لقناة «العربية» منذ إنشائها نمط مختلف عن «الجزيرة». لم يكن في «العربية» أي شيء يشبه برامج «الجزيرة» مثل «برنامج الشريعة والحياة» الذي يقدم نصائح للمشاهدين عن كيفية تطبيق الشريعة في حياتهم «والاتجاه الآخر» الذي يقدم مناقشات شرسة.
ولكن ما كان يغطي ويذاع في العربية في شهورها الأولى كان مماثلا في بعض الأحيان لما يمكن أن تراه وتشاهده على «الجزيرة». وتنافست القناتان في عرض مشاهد مستفزة عن القتلى والجرحى من العراق. وبعد أن استولت القوات الأمريكية على بغداد قالت «العربية» في خبر غير صحيح إن القوات الأمريكية نهبت كل كنوز المتحف الوطني.

ومن المؤكد أن السلطات العسكرية الأمريكية في العراق والمجلس العراقي الحاكم المعين من أمريكا لم يفرقا بين القناتين الفضائيتين: فقد اعتبرا أن كلتيهما متحالفة مع العدو.
وأوقف المجلس الحاكم في سبتمبر 2003 تغطية «العربية» لنشاطات الحكومة الرسمية لمدة أسبوعين، وقال إن القناة تؤيد هجمات المقاومة. وفي شهر نوفمبر أمر المجلس «العربية» بوقف كل تغطيتها في العراق بعد أن أذاعت القناة رسالة مسجلة من صدام حسين الذي كان مختفيا.
وفي مؤتمر صحافي عقد في ذلك الشهر وصف وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد «العربية» بأنها معادية معاداة عنيفة للتحالف. وقال في حديث مستقل «كثير من الأشياء غير الحقيقية يذيعها صحافيون غير مسؤولين وقنوات تلفزيونية غير مسؤولة ولاسيما الجزيرة والعربية وهذه الأشياء تجعل العراقيين يكونون صورة غير متوازنة لما يحدث في بلادهم».
وعندما سمع الشيخ وليد في أوائل 2004 أن الراشد ترك منصب رئيس تحرير «الشرق الأوسط» وهي جريدة يومية تصدر بالعربية في لندن وتحظى بالاحترام بدأ يحاول إقناعه بالمجيء إلى دبي.
وقد عرف الراشد وهو سعودي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، بمقالاته الغاضبة الصريحة التي تنتقد الاتجاه الإسلامي المتشدد وكتب في عموده مقالا بعد ما فرض الثوار الشيشان سيطرتهم على مدرسة في أوسيتيا الشمالية في سبتمبر انتهى بمقتل أكثر من 300 قتيل، قال فيه إنه من المؤكد أن المسلمين ليسوا جميعا إرهابيين ولكن من المؤكد والمؤلم أيضا أن كل الإرهابيين تقريبا مسلمون.
وأضاف: "بالتأكيد، لا يشرفنا أن ينتسب إلينا من يحتجز تلاميذ في مدرسة، ومن يختطف صحافيين، ومن يقتل مدنيين، ومن يفجر حافلات مهما كانت الآلام التي يعاني منها المنتقمون. هؤلاء هم من شوهوا وأساؤوا إلى الإسلام".

ووراء انتقاد الراشد للاتجاه المتشدد يكمن الدافع الرئيسي الذي يثير غضبه العارم وهو الإعلام العربي. لم يرغب في الحديث عن «الجزيرة» سلبا ولكن في الأسابيع الثلاثة التي قضيتها في الآونة الأخيرة مع إدارة القناة والعاملين فيها أوضح أن الجهة المنافسة له لا تسير فقط في الاتجاه الخاطئ وإنما هي خطيرة أيضا.
وقال لي إن «المنطقة مليئة بمعلومات غير دقيقة وحقائق جزئية» (تحدث إلي بالإنجليزية مثل أي شخص آخر قابلته في مقر القناة ويوجه الحديث إلى زملائه بالعربية).
وأضاف«اعتقد أن الناس سيصدرون أحكاما جيدة لو توفرت لهم المعلومات الصحيحة والكاملة. إن ما ينقصنا الآن هو الحقيقة والمعلومات. وبعد أن يتحقق ذلك سيكون مجتمعنا سويا. المجتمع الآن ليس سليم العقل بسبب الأسلوب الذي تنقل به المعلومات للأفراد».
عندما وصل الراشد إلى قناة «العربية»، عين مديراً جديداً للأخبار وتعاقد مع رئيس تحرير جديد. ويتقاسم الرجال الثلاثة رؤية مشتركة للمحطة تشمل عنفا أقل وتعريفا أوسع للخبر وما ينبغي أن يشد انتباه وعواطف مشاهديهم.
اهتمت هذه القيادة الثلاثية الجديدة بتناول قصص جرائم الشرف والعنف ضد النساء في البلدان العربية، وهي ظاهرة واسعة الانتشار نادرا ما تتطرق إليها وسائل الإعلام العربية الأخرى. كما شجع الراشد ومحرروه الكبار المواضيع الخفيفة عن الحياة اليومية - نوع البرامج غير السياسية التي تملأ البرامج اليومية للقنوات الإخبارية الغربية.

وبتوجيهات من الراشد، صار مراسلو «العربية» ومذيعوها يصفون الآن القوات الأمريكية في العراق بـ «القوات متعددة الجنسية»، وليس «قوات احتلال». وأمر منتج «السلطة الرابعة»، وهو برنامج يعرض اهتمامات الإعلام الغربي، بالتوقف عن ذكر «The Guardian » و«The Independent»، وهما صحيفتان بريطانيتان ذات ميول يسارية اعتاد البرنامج على التركيز عليهما في مواده.
أخبرتني إحدى مقدمات البرامج في «العربية» بأنها أمرت بأن تقاطع الضيوف الذين يخرجون عن الموضوع ويطلقون كلاما معاديا لأمريكا، فيما قال مقدمون آخرون تحدثت إليهم انهم كانوا «يتلقون تشجيعا من أجل طرح أسئلة أكثر صعوبة في مقابلاتهم».

بالنسبة لعبد الرحمن الراشد، التحدي الذي يواجهه هو أكبر بكثير من تجديد قناة تليفزيونية فقط. هدفه هو تشجيع نوع جديد من الحوار بين العرب، وخلق مكان للأفكار المعتدلة والمتحررة للمشاركة في النقاش، وفي العملية إنقاذ العالم العربي من نفسه.
قال لي «يصبح الناس راديكاليين لأن التطرف يمجد على التليفزيون. إذا ألقيت خطابا متطرفا في مسجد، فإنه يصل إلى أسماع 50 شخصاً. لكن هل تعرف كم من الناس يمكن أن تصل لهم رسالة تبث على التليفزيون ؟».
لم يسبق للراشد، (49 سنة)، أن عمل في التليفزيون قبل مجيئه إلى دبي. لكنه يعرف أن التليفزيون هو الوسيلة التي تعيد صوغ الشرق الأوسط، إلى السيئ أو الجيد. وقال هو يتحدث عن «العربية» «أجلس على مفاعل نووي. يمكن أن ينتج الكهرباء ويضيء مدينة، أو يمكن أن يسبب الدمار. الأمر يتوقف على الشخص الذي يجلس فوق الكرسي حيث أجلس ليقرر أي الطريقين سيسلك».
كانت المحطات التلفزيونية، في أغلب لحظات تاريخ الإعلام العربي القصير، تدار من الحكومات التي استخدمتها كامتداد لوزارات الإعلام. غيرت القنوات الفضائية تلك الديناميكية بالسماح للصحافيين العرب أن يتوجهوا إلى الخارج، في البداية غالبا إلى لندن، وينشروا الأخبار العربية في العالم العربي دون خوف من الاعتقال أو السجن.
كانت «MBC» أول شبكة تفعل هذا، لكن بعد 11 سنة في لندن، استغوتها دبي عام 2002، المركز المتلألئ للرأسمالية والسياحة في الإمارات العربية المتحدة. دبي مدينة تحت البناء، 24 ساعة في اليوم، وما يبنى يبدو في كثير من الأحيان كنوع من المغالاة الغربية:
أرخبيل مكون من جزر اصطناعية على شكل قارات؛ أطول ناطحة سحاب في العالم، وأكبر مركز تجاري في العالم، وإن ما زال حتى الآن مجرد رسوم على ورق، مليء بمنحدرات التزلج الداخلية، وفندق تحت الماء.
أسست الإمارة «مناطق حرة» كجزء من السياسة التنموية لدبي- وهي مناطق معفاة من الضرائب بحوافز مالية لاستقطاب الاستثمارات إلى مجمعات للمكاتب الفخمة. توجد مكاتب «العربية» في مبانى مدينة الإعلام، تقابلها بحيرة صناعية تعلوها الأمواج، غير بعيد عن مدينة الإنترنت، ومدينة الطب وقرية المعرفة.
أثبتت فرصة الوجود في العالم العربي وفي الوقت نفسه بعيدا عن مشاكله السياسية والاقتصادية، جاذبيتها لـ «MBC» وللعديد من وسائل الإعلام الأخرى. لقد أغوت أيضا الراشد. لم يعش الراشد، الثاني بين 14 طفلا ولدوا من زوجتين في عائلة سعودية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، في المنطقة منذ أن ترك الرياض في العشرينات من عمره لمتابعة دراسته في الجامعة الأمريكية في واشنطن.
كانت السنوات السبع التي قضاها في الولايات المتحدة تنويرية: شاهد الثورة الإيرانية من خلال الإعلام الأمريكي وغطى الأحداث في أوائل الثمانينات من واشنطن ثم عمل لحساب «المجلة»، وهي مجلة سعودية تصدر في لندن.
انتقل الراشد إلى لندن عام 1985 وتنقل بين صفوة المجلات والجرائد السعودية. لم يكن يعتقد أنه سيعود إلى الشرق الأوسط. وقال إن دبي هي المكان الوحيد في العالم العربي الذي يمكن أن «يوجد» فيه. ينظر إلى دبي كتجربة يمكن أن تحض على الإصلاح في البلدان العربية الأخرى وتظهر ما الذي يمكن إنجازه من خلال القليل من الانفتاح وفساد أقل. 18 في المائة فقط من سكان دبي هم إماراتيون، أما الباقي فمن المغتربين الغربيين والعرب والعمال القادمين في الأساس من الهند، وباكستان وشرق آسيا الذين يعيشون في تجمعات سكانية ويذهبون ويأتون إلى مواقع عملهم في حافلات الشركات. يخرج الصحافيون العزاب الشباب في «العربية» إلى أماكن مثل «دبي مارينا»، حيث يمكن أن يدخنوا النرجيلة إلى جانب نافورة مصممة لتقليد أصوات المحيط.
وفي مطاعم وملاه ليلية مصممة على الطراز العربي، يجد موظفو«العربية» أنفسهم في أجواء تغيب في أوطانهم. جلست في إحدى الليالي في «رويال ميراج» ، مع أشخاص عدة سني، وشيعي ومسيحي ماروني، جميعهم من لبنان. تبدو دبي، بأسواقها العربية الشبيهة بعالم ديزني التي يمكن أن تشتري فيها سلع الصناعة التقليدية العربية أو سينابون، كموقع مركب أعد للتحديث في العالم العربي، واجهة من ناطحات السحاب الفارغة لا شيء خلفها، حتى الآن، سوى الرمل.

كان الراشد في دبي لمدة تسعة أشهر، ويشتاق إلى بيته في منطقة كينغستون في لندن، حيث عاش وحيدا حيث مازالت معظم أملاكه. يقطن في شقة في فندق وسط المدينة، لكنه قليلا ما يدخل المطبخ، يستخدم السرير كمخزن للحقائب المفرغة جزئيا والقمصان التي مازالت في صناديقها. قابلته في بيته صباح أحد أيام ديسمبر.
وركبنا المصعد إلى المقهى في البهو لتناول الفطور. ابتسم بأدب لمضيفتنا، ألميرا، وهي امرأة إندونيسية رشيقة تعتمر قبعة شبيهة بالطربوش وترتدي مريولة كتب على شارتها اسم « آمي». قال لها «اشتقت إليك. غبت طويلا منذ رمضان».
تلقى هاتفه النقال، الذي كان يضعه بين كوب الحليب والحلوى، رسالة قصيرة من مدير الأخبار في «العربية» يقول «وائل عصام اعتقل من قبل الأميركيين». وائل عصام، أو عصام المتوحش، WILD ESSAMكما يروق للراشد تسميته، هو مراسل العربية في الفلوجة. إنه يبلغ من العمر 27 سنة فقط.
إنه المراسل الوحيد الذي استطاع أن يدخل إلى الفلوجة في بداية الهجوم الأمريكي في نوفمبر من دون أن يكون مدمجا مع الجيش الأمريكي. كان يرسل من داخل الفلوجة، تقارير مثيرة، تتنقل كاميراه بين سحب الدخان فوق المدينة وبين المقاتلين المقنعة وجوههم بقماش أسود الذين تجمعوا في حجرة ينيرها فانوس.
في التقرير الذي رأيته، تحدث المتمردون بهدوء، ليس بالأسلوب الرسمي للخاطفين الذين يظهرون في أشرطة قطع الرؤوس؛ كانوا متجمعين حول عصام، حتى عندما كانوا يخبرونه بأنهم سجلوا أسماءهم للقيام بـ«عمليات استشهادية» .
ولد عصام في قطر من أبوين فلسطينيين. التحق بجامعة بغداد حيث أصبح رئيسا لمجموعة الطلبة الفلسطينيين ثم رئيسا لاتحاد الطلبة العرب. بدأ العمل مع «العربية» سنة 2003 حيث عمل كمراسل. ونظرا لوضعه كطالب حكومي، كان لعصام علاقات مع عائلات في الفلوجة وبأعضاء سابقين في حكومة البعث لصدام حسين.
وقد بدأ في أبريل الماضي يلح على رؤسائه في التحرير لكي يبعثوه مراسلا إلى الفلوجة. لكن صلاح نجم الذي كان يشغل منصب مدير الأخبار قبل مجيء الراشد رفض الموافقة معتبرا أن في ذلك خطورة كبيرة عليه. لكن في أبريل الماضي انتهز عصام فرصة إجازته للتوجه إلى العراق عبر دبي و«حصن» نفسه داخل بيت يقطنه «المتمردون» في الفلوجة.
وعاد عصام في الصيف مجددا إلى دبي ليستأنف عمله داخل قاعة التحرير. لكن بعد إعلان السلطات الأمريكية في الخريف عن خططها لاسترجاع الفلوجة، كان عصام يتوق إلى العودة إلى هناك. فقد أسر لي أنه لم يعد يحتمل البقاء بين جدران المكتب. وقال «إنني لا أحتمله إطلاقا .. إن المرء يظل جالسا على كرسيه مكتفيا باستغلال الأخبار التي تبثها وكالات الأنباء». فقد تردد الراشد في شأن إرسال عصام إلى الفلوجة لأنه كان يراه «شديد الحماسة». غير أنه تراجع ولين موقفه أمام تهديد الأخير بطلب إجازة من أجل العودة إلى الفلوجة.

وبشكل عام كان الراشد مسرورا بتقارير عصام من الفلوجة. فقد خصص لها موقع «العربية» الإلكتروني ركنا متميزا يسرد تفاصيل رحلة عصام في الفلوجة بدءا من لقاءاته بالمقاتلين وبالجنود الأمريكيين وانتهاء بـ« حشرات البعوض المفترسة» خارج المدينة.
كان الراشد يدرك تماما أن وجود مراسل للقناة خلف خطوط النار في الفلوجة يمثل بالنسبة إليه «خبطة» صحافية كبيرة. فمراسلو المحطات التلفزية الأمريكية والبريطانية لم يكن في استطاعتهم إنجاز تقاريرهم من هناك بأمان، كما أن قناة «الجزيرة» منعت من حكومة إياد علاوي من تغطية الأحداث في العراق.
بدا الراشد، الذي انتهى للتو من تناول كعكته، أنه غير منزعج لخبر البرقية عن اعتقال عصام. فقد خلص إلى أنه إذا كان عصام أسيرا لدى الأميركيين فليس هناك أي احتمال من أنهم سيقتلونه أو يفجرونه. فقد أكد الراشد «أن احتمالات تعرض عصام للقتل كانت كبيرة جدا من احتمال تعرضه للاعتقال»، مضيفا: «لو أن الأمريكيين اعتقلوه وهو ما زال سليم الساقين واليدين فإن ذلك سيكون خبرا سعيدا». (كان على حق إذ تم الإفراج عن عصام ساعات قليلة بعد ذلك).
لقد قتل الجنود الأمريكيون ثلاثة موظفين لدى «العربية» في العراق، وهم المراسل الصحافي علي الخطيب والمصور علي عبد العزيز اللذين قتلهما قناص أمريكي قرب موقع لهجوم بالصواريخ على أحد الفنادق في بغداد في شهر مارس الماضي، في حين قتل مازن الطميزي بصاروخ أطلقته مروحية أمريكية في سبتمبر الماضي حين كان يقدم تقريرا حيا عن حشد من الأشخاص كانوا يحتفلون في أحد شوارع بغداد بتفجير مركبة عسكرية أمريكية.
ولقي، إلى ذلك، عدد من مستخدمي «العربية» في العراق حتفهم على يد المقاتلين الأجانب. ففي أكتوبر الأخير فجر أحد الانتحاريين سيارة مفخخة بالقرب من مقر مكتب القناة في ضاحية المنصور في بغداد مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وجرح ما يزيد على عشرة إلى جانب تدمير مكتب المحطة في بغداد.

وكانت «العربية» وعلى غرار العديد من المحطات الإخبارية قد تلقت تهديدات من جماعات إسلامية عبر البريد الإلكتروني في الأشهر السابقة. وقد تبنت هذا الهجوم جماعة تطلق على نفسها اسم «كتائب المجاهدين الشهداء». هاجم أعضاؤها في بيان لهم قناة «العربية» متهمين إياها بالتحيز السافر لصالح الحكومة العراقية الجديدة. فهم يصفونها بـ«القناة الإرهابية» ويقترحون تغيير اسمها إلى «العبرية».
بعد الهجوم كانت أولى تعليمات الراشد لموظفي القناة في بغداد هومواصلة البث. فقد اتصل هاتفيا دقائق بعد ذلك بمسؤولة الأخبار في بغداد نجوى قاسم وهي صحافية جادة ومتميزة غطت خمس حروب. فقد أكد لها الراشد أنه لا بد من توجيه رسالة إلى الإرهابيين في الحين، مفادها أنهم فشلوا في إخراج القناة من العراق أوفي ثنيها عن مواصلة أداء مهمتها.
كانت قاسم داخل مبنى القناة وقت الهجوم حيث أصابتها شظايا من الزجاج جراء الانفجار. وكانت منهمكة في مساعدة بعض الجرحى من العاملين معها في القناة عندما اتصل بها الراشد بالهاتف.
مباشرة بعد حديثها معه شرعت في تقديم تقرير حي عبر الهاتف من مكان الانفجار، ثم بمجرد ما أعيد البث بالصورة حتى انبرت تتحدث بصوت مضطرب عن أجساد زملائها التي تحولت إلى أشلاء يتعذر تحديد هويتها. وقالت إن لائحة القتلى قد تم تحديدها وفقا لقائمة الأشخاص المفقودين نظرا لاستحالة التعرف على الجثث.
عاينت الشريط في مكتب «العربية»، كانت مشاهده جد قوية يبدو فيها وجه نجوى شاحبا بشكل غريب ـ فقد صرحت لي الشهر الماضي بأن الوقت لم يكن مناسبا لوضع المساحيق من أجل البث ـ وكانت ترتجل تقريرها بسرعة بالغة وبأسلوب خلا من كل المؤثرات الإيقاعية وما يرافقها من حركات رفع الحاجبين المعهودة في قراءة التقارير الإخبارية.
وفي الأيام التي أعقبت التقرير، كشف الراشد أن مجموعة تطلق على نفسها اسم «المؤتمر العربي لحزب البعث» بدأت تصدر بيانات على شبكة الإنترنت تهدد فيها نجوى بالاسم.
وقد اتهم أحد هذه التقارير الذي صدر يوم 13 نوفمبر نجوى قاسم بأنها الشخصية الرئيسية في في التنظيم المسؤول عن «نشر وبث الأكاذيب ضد المقاومة» معتبرا إياها «المحرك الرئيس لمثل هذه السياسة في الوقت الحاضر».
وبعدما اطلع الراشد على هذا التقرير وكذا على تهديدات أخرى نقض تعليماته السابقة لقاسم. وطلب منها من دون أن يقدم لها تبريرا التوجه إلى بيروت وإلا سوف تطرد من العمل. وانتظر حتى وصلت إلى بيروت ليخبرها بأن حياتها كانت في خطر.
العديد من العاملين في قاعة التحرير بـ «العربية» كانت لهم علاقات حميمة مع النزاع الذي كانوا في صدد تغطيته، ولم يكن جميعهم متفقين مع أفكار الراشد. هناك عرب سودانيون وفلسطينيون ترعرعوا في مخيمات اللاجئين في سوريا، كما يوجد بينهم مراسل كان عضوا في حزب بعث صدام حسين.
وكان هناك أيضا عدد من الموظفين الذين سبق أن عملوا مع قناة «الجزيرة». فبعضهم تم استقطابه نتيجة لخبرته، في حين غادر الآخرون الجزيرة بعدما بات ملموسا لديهم أن إدارة القناة أضحت في الوقت الحالي أكثر أصولية بالنسبة إليهم. فقد صرحوا بأن النساء أصبحن يعاتبن على ارتيادهن السراويل الضيقة وأن بعض الرجال يرفضون مصافحة من يعتقدون أنه لا يتبع التعاليم الإسلامية.
ما المشرف المباشر على هذا الطاقم من المراسلين المنحدرين من مناطق مختلفة جغرافيا وسياسيا فيدعى نبيل الخطيب الذي لم يوظفه الراشد مباشرة وإنما جاء به رئيسه نخلة الحاج المدير السابق في «ام بي سي» الذي صار اليوم مدير الأخبار في «العربية».
فقد كان أول عمل قام به الحاج لدى توليه منصبه الجديد هو توظيفه للخطيب الذي يعرفه منذ 12 سنة، عندما كان يشغل منصب مدير مكتب قناة «ام بي سي» في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

كان الحاج شديد الإعجاب بروح الحياد التي كان يتسم بها الخطيب على رغم ما كانت تسببه من مشاكل للقناة. يقول الحاج في هذا الصدد: «لقد واجهت بسببه العديد من الانتقادات».
كان الناس يتساءلون في الندوات واللقاءات «كيف يمكن أن يكون المرء محايدا في فلسطين؟» و«لماذا لا تتلفظون بكلمة الشهيد؟» ـ في إشارة إلى أنه كان يتعين على الخطيب استعمال كلمة «شهيد» لوصف الفلسطينيين الذين يقومون بأعمال انتحارية. يعترف الحاج «لقد كنت مسرورا لأننا لم نفعل ذلك»، مشيدا بأن نبيل كان «أكثر المراسلين حيادا في المنطقة».
غير بعيد عن مكتب الراشد، يوجد مكتب الخطيب الذي يشهد حركة دؤوبة من الذهاب والإياب وحيث لا يتوقف رنين برقيات وكالات الأنباء العاجلة، ورنات الهاتف على مكتبه أو نغمات هاتفه المحمول. فتراه يرد على كل المكالمات بالتحية الصادقة نفسها «حبيبي».
وهي عبارة الترحيب نفسها التي يلقيها على مسامع أي زميل يصادفه على حين غرة. كانت هناك لحية خفيفة تغطي ذقن الخطيب وهالات سود تحيط بعينيه المحمرتين وتجعلهما ذابلتين. كان رأسه وكتفاه يبدوان وكأنهما منحنيان بشكل دائم إلى الأمام حتى عندما لا يكون محدقا في شاشة الكمبيوتر. في العادة توجد علبة سجائر على لوحة مفاتيحه.
يعتبر الخطيب رجلا ضخما، ولكنه كان أكبر حجما من ذلك، فهذه الأيام صارت ملابسه تبدو واسعة في منطقة الخصر حين يحزمها، خلال الأشهر الأربعة التي عمل خلالها في قناة «العربية»، فقد الخطيب 36 رطلا من وزنه. وقد تذمر لي ذات ليلة أنه لم ير ابنته الرضيعة لمدة أسبوعين لأنها تكون نائمة حين يصل إلى المنزل في الليل ولا تكون قد استيقظت بعد حين يغادره في الصباح. وقد وصف بحزن كيف جعل زوجته تلتقي به في مركز تجاري قريب من أجل تناول الغداء معا وليتمكن من رؤيتها ورؤية ابنته. وقال: «كان لدي فقط ما يكفي من الوقت لاحتساء القهوة ولتقبيلها. كنت أتلقى اتصالات طوال الوقت».
كان نبيل الخطيب منحنيا فوق مكتبه ذات صباح منكبا على مجموعة الأخبار التي ستبث في النشرة المقبلة حين اتصل به وائل عصام. وكان هذا الأخير منزعجا من كون آخر تقرير كتبه عن الفلوجة بث مرتين فقط خلال نهاية الأسبوع.

لم يكن الخطيب قد شاهده. أخبرني عصام لاحقا أنه يقوم بهذا النوع من الاتصالات بشكل منتظم إلى الخطيب والراشد ليتذمر من عدم البث الكافي لتقاريره. وقال إنه أخبرهم: «نحن القناة الوحيدة التي تملك هذا النوع من التسجيل. لم نقم ببثه كل ساعة؟ يجب أن نبثه مرات عدة!»
ضغط الخطيب على مفاتيح عدة في الكمبيوتر ليظهر بعدها آخر تقرير أعده عصام على الشاشة. وكانت العملية الأمريكية في الفلوجة قد شارفت على الانتهاء حينها. ولكن طبقا للتقرير الذي أعده عصام، لم ينته الهجوم الأمريكي بعد. وكان صوت عصام يقول عبر الشاشة: «يحاصر الجيش أكثر من 200 عائلة في الفلوجة». انحنى الخطيب وسأل: «ماذا يعني بذلك؟ لنرى».
صرخ رجل عراقي غاضب في كاميرا عصام قائلا: «لا يسمحون لنا بالخروج من منازلنا. وهم يأتون بحجج مختلفة حينما نقول لهم أننا يجب أن نخرج من المنزل. يقولون إن القناصة سيطلقون النار إن غادرتم المنزل».
وأضاف الخطيب متأملا: "لا يبدو ذلك مثل حصار. ربما كان منع تجول. لنرى". ثم أصدر هاتفه النقال رنينا. أجاب على الاتصال وأزال الصوت ولكنه ظل يراقب الشاشة. وبينما كان يتحدث كان الشريط يظهر عمالا في الهلال الأحمر وهم يبحثون عن شخص مفقود، في حين كانت امرأة تجهش بالبكاء بغضب داخل منزلها الذي أصابه الدمار.
وقد ركز عصام الكاميرا على الثقوب التي تخترق الحيطان. أنهى الخطيب المكالمة وزاد مستوى الصوت وبدأ يترجم لي قائلا: «تقول المرأة إنها فقدت ابنها في هذا المنزل وها هو الآن قد تم تخريبه. إنها تصرخ: شأين أذهب الآن بعدما فقدت منزلي، هل أنام في الشارع؟».

وأظهرت اللقطة التالية عائلات تغادر منازلها في اتجاه مأوى أقامه الهلال الأحمر. أعاد الخطيب الشريط إلى الوراء وشغله ثانية. العائلات تدخل إلى السيارات مجددا. ثم أعاد الشريط إلى الوراء مجددا، إلى حيث كان الرجل يشرح أنه غير قادر على مغادرة منزله بسبب القناصة. شغل الخطيب الشريط حتى نهايته عندما ختم عصام التقرير وهو جالس على رف في مأوى الهلال الأحمر مع مجموعة من العائلات التي تعتبر من اللاجئين الجدد في مدينتها.
ظن الخطيب أنه رأى بعض التناقض هناك. قال عصام في تقريره إن العائلات غير قادرة على الخروج بسبب القناصة وحظر التجول، ولكنه في الجزء الثاني من الشريط أظهر العائلات وهي تغادر منازلها للذهاب إلى المأوى وتمشي في الشوارع مع الجنود الأمريكيين في الخلف ولا يبدو أن هؤلاء يطلقون النار عليهم.
قال الخطيب: «لدي إحساس أنه لم يبد اهتماما كافيا بدقة المعلومات. كل ما أراد شرحه هو أن الناس في الفلوجة يعانون بكثير من الأشكال». بعد ذلك بقليل، اجتاز الخطيب غرفة الأنباء متوجها إلى الكافتيريا لتناول الوجبة الوحيدة التي يأكلها خلال اليوم. عندما جلس ليتناول الطعام، رن هاتفه ثانية. كان عصام هو المتحدث.
رأى أن تقريره لم يبث ثانية. سأله الخطيب إن كان حظر التجول الذي تحدث عنه عصام مفروضا في الفلوجة كلها. ثم سأله عن المشاهد التي يبدو فيها الجنود الأمريكيون يقفون حول الناس وهم في طريقهم إلى المأوى. وشرح عصام قائلا أن المشهد الثاني كان من منطقة أخرى في الفلوجة حيث حظر التجول ليس مفروضا.
وقال له الخطيب «إذا كان هناك مكان لا يمكن للناس أن يذهبوا إليه يجب أن تقول إن هذا المكان بالتحديد لا يمكن الذهاب إليه. لا يوجد ما يدعو للمبالغة في عرض المأساة. الصور قوية ولكنها مشكلة كبيرة بالنسبة للمشاهدين أن يفكروا أن كل شخص في الفلوجة لا يمكن أن يغادر مكانه». ولم تتكرر إذاعة الفيلم الخاص بعصام.

ويشترك الخطيب والراشد في كثير من الآراء في شأن الصحافة. كلاهما ينزع إلى المثالية بخصوص قوة التغيير الاجتماعي للصحافة الموضوعية وكلاهما يرغب في دفع العربية باتجاه رأي أقل عاطفية وأكثر عقلانية للشرق الأوسط غير أنهما توصلا إلى هذه الأفكار من تجارب كانت متعارضة تماما.
منظور الراشد السياسي تطور بعيدا عن العالم العربي، في الولايات المتحدة وانجلترا، حيث يبدو أنه وجد حياة أكثر عقلانية وأكثر إثارة للاهتمام بالمقارنة مع الحياة في السعودية.
وعلى النقيض ارتبطت حياة الخطيب وعمله بالصراع المروع الذي ولد فيه. فالخطيب هو الأصغر بين سبعة أبناء قامت بتربيتهم أرملة في نابلس بالضفة الغربية.
وقال إن فكرة العمل في الصحافة واتته وهو في الخامسة عشرة، عام 1978 وبعد أن قضى ثلاثة أشهر في سجن إسرائيلي كان يتم استجوابه فيه بشكل مستمر قبل أن يفرج عنه بدون أن توجه له اتهامات.
وقال لي إنه ضرب كثيرا وقيل له خلال واقعة ضرب فيها على يد ضابط إسرائيلي كان يسمي نفسه الكابتن عوزي أنه اعتقل بتهمة التحريض. ولم يعرف الخطيب معنى الكلمة. وبعد الإفراج عنه سأل شقيقه الأكبر عن معناها فقال له «التحريض هو الصحافة».
وعندما أنهى الخطيب المرحلة الثانوية كان يتطلع لما يمكن أن يجعل الكابتن عوزي يستشيط غضبا ولذلك تقدم في عام 1981 للحصول على منحة من منظمة التحرير الفلسطينية للدراسة في جامعة روسيا البيضاء في مينسك لدراسة الصحافة. وتدرب من خلال دراساته على فن السوفيات في خلق الدعاية بالإنابة عن البروليتاريا.
وخلال عامه الثاني في الجامعة عندما عبأت منظمة التحرير طلبة الجامعات للذهاب إلى لبنان لمحاربة الجيش الإسرائيلي أراد الخطيب أن ينضم إليهم وأقنع صديقا كان يدرس الطب بالذهاب معه.
وقال الخطيب إنه لدى وصولهما أدرك بسرعة كم هما غير مستعدين للحرب. لم يتلق أي واحد منهما أي تدريب عسكري. وقتل صديقه أمام عينيه وبعد أسبوعين شعر بالضيق وعاد إلى مينسك، ولكن غضبه كان موجها لشيء مختلف.
وقال الخطيب «كنت مستعدا للموت من أجل قضية ما وكنا متحمسين للقتال من أجل العدالة. ولكن ذلك فرض علي سؤالا صعبا عن الحق والباطل: من هم هؤلاء السياسيون الذين قرروا أن أذهب للحرب وأنا لا أعرف كيف أقاتل - هل كان هذا قرارا حكيما أن يرسلوني إلى الحرب وأنا غير مقاتل لكي يتباهوا بعدد الجنود؟ من قرر أن الصواب هو أن أترك دراستي؟».
وبعد أن حصل الخطيب على درجة الدكتوراه عاد إلى الضفة الغربية حيث أسس وكالة أنباء خاصة به وأصبح في ما بعد مديرا لمكتب «ام.بي.سي». وقربته تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من الموت مرات أخرى.
كان موجودا عندما اكتشف زميله الصحافي نحوم بارنيع الذي كان صحافيا في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن ابنه قتل في هجوم انتحاري كان الرجلان يقومان بتغطيته. وقام بالتغطية في الخليل عام 1994 بعد أن قتل باروخ جولدشتين 29 مصليا مسلما. وكان ينظر في قائمة بأسماء القتلى عندما سألته امرأة أمية هل اسم ابنها في القائمة. وكان اسمه هو الأول في القائمة ولكنه لم يتحمل أن يخبرها.
ولا يناقش الخطيب هذه التجارب بسهولة ولكن تأثيرها العميق عليه واضح. يشعر بثقل المهمة المكلف بها: نتيجة الخطأ أو الحصول على معلومة غير صحيحة لا يمكن تصحيحها. ومن الواضح أنه يشعر بضيق بالغ من الخلفية الإعلامية للعالم العربي. «الإثارة تحفز الناس على الكراهية. شممت رائحة الكراهية ولا أستطيع أن أفهم كيف يشعر شخص في غرفة أخبار مكيفة في أن من حقه أن يتحكم في مشاعر الناس أو أن يستفزهم أو يصدر أحكاما عامة بشأن جماعة ما إذا كان يعرف النتائج».

ويشعر الخطيب أكثر من أي شخص آخر في القناة بالإحباط الشديد إزاء القواعد الأساسية للصحافة التلفزيونية العربية. فإلى جانب التحفظات الخاصة بالحفاظ على القيم عند إرسال صحافي ما إلى أماكن خطيرة مثل العراق والضفة الغربية هناك مخاطر أخرى مرتبطة بإرسال الصحافيين إلى دول عربية لا توجد فيها حرية صحافة أو الحرية فيها محدودة.
وقال الخطيب مفسرا «إذا طلبت من شخص ما في ليبيا أو مصر أن يغطي خبرا سيجعله في صراع مع السلطات لا أستطيع أن أقول له اننا نحتاج لهذه التغطية لأنه من البديهي أن الموضوع شائك. ينطبق هذا على معظم القضايا المهمة - كل الأشياء المرتبطة بالفساد والصراعات السياسية».
واعترف لي الراشد بصراحة أن «العربية» لا يمكن أن تقوم بتغطية حرة لقضايا مرتبطة بالحكومة السعودية كما أن مراسل القناة ممنوع في الجزائر في الوقت الحاضر. فقد منعت حكومة عبد العزيز بوتفليقه الذي انتخب رئيسا في الآونة الأخيرة مراسل العربية من التغطية في الأشهر الثمانية الماضية لأنه تنبأ خلال الانتخابات بأن يفوز خصمه.
والمشكلة الرئيسية من وجهة نظر الخطيب هي أن الصحافيين العرب لديهم القدرة على الحصول على أحدث التقنيات إلا أن النظم الحكومية والأهلية المطلوبة لدعم حرية الصحافة الحديثة غير موجودة في الشرق الأوسط. وقال الخطيب مفسرا «قناة سي.ان.ان تعمل في جو يدعم سي.ان.ان».
وأضاف قائلا «في الولايات المتحدة توجد جماعات تنظم الإعلام وتحمي المصلحة العامة. هناك حكم القانون وإمكان الحصول على المعلومة» ولكن ذلك ليس هو الحال في كل دولة عربية.
وقال إنه حتى المعلومة الأساسية مثل الإحصاءات السكانية تعامل وكأنها سر من أسرار الدولة ومن المستحيل تقريبا أن تقوم أي قناة بتغطية مرتبطة بالعمل الداخلي للحكومات العربية وكيف يتم التصرف في الميزانيات أو يتم اختيار القادة.
هذه الأخبار بالنسبة للخطيب أهم بكثير من الأنباء اليومية الآتية من إسرائيل والتي تعتبر من المتطلبات الأساسية للقنوات العربية سواء كانت قنوات تقليدية تعمل على الدعاية للحكومة أو قناة فضائية جديدة. وقال الخطيب «الناس كسالى وإسرائيل هدف سهل.
الحصول على المعلومة أسهل هناك من كثير من الدول العربية، ولكن هذه التغطية لا تساعد الفلسطينيين على اختيار مرشح ما في انتخابات محلية على سبيل المثال».
والخطيب عضو في الأقلية الموجودة في غرفة الأخبار. فعلى مقربة منه كان يجلس عبد القادر خروبي الذي كان مسؤولا عن هذه المهمة. وأعرب عن اعتقاده بأنه من الطبيعي أن يكون مكتب إسرائيل - فلسطين في «العربية» هو المكتب الأكبر والأكثر تعقيدا لأن هذا الصراع يشكل مأساة لم تتكرر أبعادها في تاريخ الإنسانية.
وأضاف «لم يسبق أن حدث شيء كهذا في العالم. ما حدث في فلسطين هو أفظع عملية قتل في تاريخ الإنسانية». وأعرب عن اعتقاده بأن مراسلي «العربية» يجب أن يستخدموا تعبير «القدس المحتلة» عند الإشارة إلى القدس مع التأكيد على كلمة «محتلة».

أكد لي خروبي أنه منذ تعيين الراشد مديرا للأخبار ساد شعور عام مكاتب «العربية» بأن القناة أصبحت موالية للأمريكيين، موضحا أن نصائح الراشد والخطيب الأخيرة التي تحض على التزام التوازن في تغطية الأحداث في العراق قد تجاوزت المدى.
قال لي الراشد إن تغطية العربية للنزاع في العراق كانت تستهدف التركيز على القتلى من المدنيين في الفلوجة من قبل الأمريكيين ولا تقابلها تغطية ضد الإرهابيين. ولكن الخروبي رأى عكس ذلك، متسائلا: «كيف يمكنك أن تلتزم الحياد في تغطيتك لقتلى مدنيين؟» ربما تستطيع تصوير القتلى من الجنود، لكن الحكومة الأمريكية تمنعنا حتى من رؤيتهم.
عندما تتحدث عن مدنيين يحتضرون فليس هناك من سبيل نحو تحقيق متوازن ـ إنها شريحة مختلفة من الناس. ترجونا الحكومة العراقية «التركيز على المظاهر الإيجابية»، «فلماذا يجب علينا أن نركز على الأشياء الإيجابية فقط؟».
توجه خروبي أخيرا إلى مكتب الراشد ليعبر له عن انزعاجه من أن تصوير المحطة للعسكريين الأمريكيين والحكومة العراقية الانتقالية كان إيجابيا أكثر مما يجب. قال «لقد كنت قلقا جدا، لأن ذلك يعرض طاقم القناة في بغداد لتهديد مستمر»، مؤكدا أن «أحد الانشغالات التي عبرت عنها هي أننا لا نريدهم أن يقتلوا مرة أخرى. سواء من الأمريكيين أومن طرف الإرهابيين».
وذكر أيضا بأن «التعليمات التي وجهت في الآونة الأخيرة لتغطية القناة تعني تعريض القناة لخطر عزوف المشاهدين». وقال «إذا ظللنا نحدث المشاهدين العرب عن هذه الحكومة ـ يقصد حكومة علاوي في العراق ـ وكأنها ستقوم بإدخال الديمقراطية ونصف لهم الجنود الأمريكيين بأنهم محتلون طيبون لا يقتلون سوى الإرهابيين، فسوف فلن يشاهدوننا».
كشف الراشد أنه بعد قتل الأمريكيين مراسلي «العربية»، تلقت المحطة المئات من مكالمات التعازي من الصحافيين بالقنوات الأخرى كما تم تشييع جنازتهم كما يشيع الشهداء، لكن وعلى العكس من ذلك، يضيف الراشد، أنه بعدما تعرض مكتب «العربية» في بغداد للتفجير من قبل المقاتلين لم يتصل إلا عدد قليل فقط من زملائه للتعبير بكلمات جد مقتضبة عن تعازيهم في وفاة الموظفين الخمسة.
وبدوره أبدى ديار العمري مراسل «العربية»، العراقي المولد، انشغاله من أن العالم العربي بدأ يلاحظ أن القناة أصبحت تنحاز يوما بعد يوم لحكومة علاوي. وقال «لقد بدأنا في العراق نفقد تعاطف الناس. فهم لم يعودوا ينظرون إلى العربية كقناة مستقلة».
إيهاب الألفي مراسل آخر لـ «العربية» من مصر، 30 سنة، ملتح قوي البنية، كشف لي أنه كان سعيدا جدا بالعمل في المحطة حتى حدود الأشهر القليلة الأخيرة. ففي ظهيرة أحد الأيام وبينما كنت في زيارة للألفي، طلب منه مباشرة بعد عودته من صلاة الظهر أن يحرر تقريرا انطلاقا من برقية لإحدى وكالات الأنباء تتحدث عن نتائج حادثة هجوم شنه المقاتلون على جنود عراقيين كانوا يتدربون تحت إشراف الأمريكيين في الموصل.
فقد ثارت ثائرته عندما قرأ تصريحا لمتحدث عسكري أمريكي يقول «لقد عثرت القوات المتعددة الجنسية على 12 جثة أخرى مجهولة الهوية». قال الألفي لا أحد على وجه التحديد طلب منه أن يتوقف عن استعمال عبارة «القوات المحتلة» في نشراته الإخبارية، لكنه كلما فعل ذلك يتم حذفها.
لم يكن هذا التغيير هو الوحيد الذي أزعجه في عمله، فقبل أشهر قليلة اعتاد الألفي البحث في محرك «غوغل» باللغة العربية على رأس كل ساعة أو أكثر عن كلمات مثل «الزرقاوي» اسم أحد قادة المقاتلين الأجانب، كان غالبا ما يجد صفحة لم يمر على بثها إلا ساعات قليلة تتضمن شريط فيديو يحمل تهديدا أو شريطا عن أحد الرهائن فكان يأخذها مباشرة إلى رئيس التحرير.
وقال: « كنت أشعر بفخر كبير، لأنه بفضل هذه الجهود كانت المحطة تسبق في بعض الأحيان قناة الجزيرة في بث هذه الأشرطة». غير أنه في الآونة الأخيرة بدأ يظهر أن رؤساءه لم يعودوا يهتمون بذلك.
كمسلم ممارس لدينه لم يكن الألفي يحب هذه الأشرطة فهي في رأيه تنتهك القوانين الإسلامية في شأن كيفية معاملة أسرى الحرب، وخصوصاً النساء والمدنيين. لكنه كان يعتقد، مع ذلك، أن هذه الأشرطة هي ملك للقناة.

بعد أن طبع الألفي تقريره اقتربت من مكتبه رانا أبوعطا وهي صحافية شابة من المملكة العربية السعودية تعمل في القناة نفسها، شعرها قصير مجعد أسود اللون كانت تشده بعصابة الرأس إلى الوراء، لتسأله عما إذا كان يرغب في أن يشاركها طلبها لتناول وجبة غذاء من بيرغر كنغ.
لكن الألفي عبس في وجهها. فضحكت الفتاة واعتذرت قائلة «آسفة لقد نسيت». خلال السنوات الثماني الماضية قاطع الألفي المنتوجات الأمريكية اقتناعا منه أنها «تساعد الإدارة الأمريكية على تحقيق أرباح كثيرة يتم استغلالها في تزويد إسرائيل الأسلحة لتقتيل المدنيين الفلسطينيين».
حتى وقت قريب، كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو الموضوع المهيمن على تصورات واهتمامات الألفي. فقد انتهى مؤخرا من تأليف رواية لم ينشرها بعد تحت عنوان «أنا وأفضل تمنياتي» يسرد فيها قصة صحافي مصري خطط لزيارة مسجد الأقصى في القدس لكنه كان يرفض الاعتراف بشرعية إسرائيل ومن ثمة لا يريد المرور عبر حدودها بشكل قانوني.
لذلك وعوض أن يمر عبر الحدود تسلل عبر الحدود اللبنانية مع انتحاريين. لكن بطل الألفي تخلى عن وجهته بعدما سقط في حب فتاة فلسطينية، قتلت في غارة جوية إسرائيلية. ودفعه يأسه إلى «الانتقام لمقتلها» بالمشاركة في هجوم على الجنود الإسرائيليين.
في أحد الممرات المغمورة بدخان السجائر داخل مبنى «ام بي سي» حيث يسير العاملون أعمالهم وهم يدخنون السجائر ويرتشفون قهوة النسكافي التي يسحبونها من إحدى الآلات ـ قال لي الألفي أن من بين الأسباب التي جعلته يرغب في أن يكون كاتبا روائيا هو استلهام القومية العربية، فهو يرى أن الدول العربية يجب أن تكون بلدا واحدا. إنه لأمر يدعو للضحك، يقول الألفي، ان يطلب منه تأشيرة للدخول إلى لبنان. كان يتخذ من جمال عبد الناصر الرئيس الأسبق لمصر بطلا له لأنه «عندما حصلت مصر على استقلالها ساعدت على تحرر كل الدول العربية».
كذلك، شرع الألفي أخيرا في كتابة رواية جديدة تدور أطوارها حول العراق، القضية التي أصبحت إلى جانب القضية الفلسطينية من ألح القضايا وأهمها في العالم العربي. وتعكس هذه الرواية في جزء منها تجربة الألفي كمراسل صحافي لقناة العربية من العراق خلال أشهر قليلة مضت. ففي العراق، يسرد الألفي قصصا قريبة من قلبه، وهولا يتردد في إقحام نفسه في ما يحكيه.
حدثني عن حادثة رأى فيها جنديا أمريكيا يعامل عراقيا بوحشية مما جعله يدخل في صراع مع الجندي. يقول الألفي أنه عندما كان يمارس عمله الصحافي في الفلوجة كان يساعد على سحب المدنيين من المناطق التي طالها الدمار. وقد احتفظ لنفسه بلباس أخضر منقوش علاه التراب كان لفتاة صغيرة، أحاطه بإطار خشبي على شكل لوحة. يقول الألفي «لقد كان اللباس لطفلة اسمها حنين، توفيت وهي تحمله، وقد سمح لي أخوها بالاحتفاظ به».
كنت جالسة مع الألفي في أحد الأيام عندما طلب منه أن ينجز تقريرين صوتيين انطلاقا من كلمة لعلاوي مدتها 45 دقيقة. كان يريد أن يستتبع تصريحا لعلاوي ـ بأن العمليات الانتحارية في العراق ليست من الجهاد في شيء ـ بتصريح لإمام يناقضه تماما ويؤكد أنها كذلك بالفعل. لكن رؤساءه في التحرير لم يسمحوا له بذلك.
قال الألفي وهو ينفض كتفيه وكأن الاستسلام تمكن منه «ليس هناك توازن بين مختلف النقط». وما أن انتهى من إعداد تقريره حتى استقل سيارته عائدا إلى الحدائق، المجمع الذي يقطن فيه مستخدمو وسائل الإعلام في المدينة، مدلكا يديه بعطر زيتي مصري من أجل إزالة رائحة السجائر. وعلى مسند رأس أحد مقاعد سيارته كانت توجد كوفية فلسطينية مطوية.
لا يتضح ما إذا كانت وزارة الدفاع قد غيرت رأيها عن قناة «العربية» منذ وصفها دونالد رامسفيلد قبل عام مضى بأنها «معادية للتحالف بعنف». قال لي اللفتنانت كولونيل باري فينابل المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية في أواخر الشهر الماضي «عند هذه المرحلة الزمنية لا نريد أن نقدم تقييمنا للمضمون الإخباري ولا اتجاه بث إخباري معين».

اختار جورج بوش الموافقة على مقابلة مع «العربية» بعد فضيحة سجن أبوغريب، وقال شفاعات خان المدير التجاري لـ «العربية» أن بضعة جنرالات أمريكيين قاموا بزيارته في الصيف وكانوا يريدون إقامة علاقات ودية. وأجملوا وجهة نظرهم عن وسائل الإعلام العربية بقولهم حسب ما فهموه «الجزيرة بالغة السوء والعربية سيئة».
ولكن في غرفة الأخبار قال معدو البرامج والمحررون إنهم يجدون صعوبة في الوصول إلى الرؤية الأمريكية عندما يرغبون في التعبير عنها على الهواء. في يوم 19 نوفمبر، اندلعت معركة نارية في أحد المساجد في شمال بغداد. قال نبيل الخطيب إنه اتصل فوراً بشيخ من المنطقة على الهواء مباشرة ليقول ما يعرفه عن الهجوم:
إن الجيش الأمريكي أطلق النيران على مدنيين. ولكن الخطيب شاهد في عرض الحدث تبادلا لإطلاق النار وتساءل ما إذا كان المسجد يؤوي مقاتلين. وأمضى 45 دقيقة حتى حل وقت محاولة الحصول على رواية أمريكية أوحكومية عراقية للحدث، وبعد مرور ثلاث ساعات لم يكن قد حصل على الرواية.
وقال «لدهشتي أن المعارضة تتصرف من ناحية العلاقات العامة بصورة أفضل من تصرف المسؤولين الأمريكيين والعراقيين الذين لم يكونوا مستعدين على الفور للتعليق تعبيرا عن رؤيتهم مثلما كانت المعارضة مستعدة. المسلحون مستعدون بشريط لرجال ملثمين وشخص مستعد للتعليق بعد نصف ساعة من اندلاع الحدث».
ومضى الخطيب قدما وأذاع الفقرة عن المعركة النارية في المسجد من دون رواية الجيش للحدث، قال إن الفقرة تبدو غير متزنة ولكن كان أمامه اختيار بين فقرة ناقصة وبين عدم تغطية القتال على الإطلاق.
إن الاستراتيجية الأساسية لحكومة الولايات المتحدة مع وسائل الإعلام العربية تتمثل في إنشاء منافذها الإخبارية الخاصة - محطة «الحرة» الفضائية الجديدة وإذاعة «سوا» - بتكلفة قدرها مئة مليون دولار، وليس الانخراط بعمق في المحطات الفضائية العربية.
ولكن النتيجة هي عدم وجود آلية سهلة للصحافيين في هذه المحطات للوصول إلى أصوات أمريكية، حتى الأصوات التي يمكن أن تقدم قضية يتعاطف معها المشاهدون العرب.
وفي إحدى الليالي، هرع نائل نجداوي وهو منتج في منتصف العمر ونظارته تهتز بشدة في رباط حول رقبته. سألني ما إذا كنت أعرف أي شخص من أقارب أحد ضحايا هجمات 11 سبتمبر.
قلت إن سيدة في الحي الذي أقيم فيه وقابلتها منذ وقت قريب فقدت شقيقها. سأل «هل يمكن إحضارها لتتحدث على الهواء مباشرة في النشرة الإخبارية في الساعة العاشرة؟».
وقد دافع مسؤولون في قسم الدبلوماسية العامة في الخارجية الأمريكية عن انخراط أكثر بصورة مباشرة في وسائل الإعلام العربية. ولكن نورمان باثيز العضو في مجلس حكام الإذاعة والتلفزيون والذي كان الرأس المفكر لقناة «الحرة» وإذاعة «سوا» قال لي إنه يعتقد أن الرؤية خاطئة لأنها «تفترض مسبقا أن وسائل الإعلام المحلية هي الحل وليس المشكلة».
يتحدث باتيز عن وسائل الإعلام العربية باعتبارها شيئا جامدا. وقد كتب في بحث نشر مؤخرا «الجزيرة والعربية تجاوزتا الأدوار التقليدية لوسائل الإعلام. فهما في الواقع تعملان كحركتين شبه سياسيتين وتعكسان اثنتين من السمات المميزة للشرق الأوسط اليوم. إحداهما هي الافتقار إلى الحرية السياسية وحرية الصحافة.
والأخرى هي القومية العربية. والشبكات العربية تعبر عن الاثنتين». قال إن الجزيرة والعربية تفعلان ذلك بتغطية أخبار تحظرها الأنظمة العربية وأنباء «تثير بشدة عواطف العرب»، وبالتحديد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وحرب العراق.
وفي صفوف الخبراء الذين يتابعون وسائل الإعلام العربية، هناك جدل عما إذا كان هذا النوع من التغطية جيدا أم سيئا بالنسبة لإمكانات الديمقراطية في الشرق الأوسط. يتفق مارك لينش الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في «ويليامز كولدج» في الرأي مع نورمان باتيز على أن المحطات الفضائية تركز على القضايا الساخنة - تناول بحثه الأخير بالتفصيل التغطية في «الجزيرة» منذ عام 1999.
وخلص إلى أن الموضوعات الثلاثة الرئيسية تدور حول العراق والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني والإصلاح السياسي العربي - ولكن لينش يرى «أن ذلك يجعل من الجزيرة أكثر المحطات ميلا للديمقراطية في العالم العربي: هي تعكس الرأي العام وتفتح المجال للجدل السياسي.»

وبالمثل، يعتقد وليم روغ السفير الأمريكي السابق والأستاذ المساعد في معهد الشرق الأوسط أن الحوار على قناة «الجزيرة»، وإن كان ساخنا، فهو يفتح المجال لمناقشات ترغم السلطات على أن تظهر مزيدا من المسؤولية.
ولكنه يقول إن اهتمام الجزيرة بالقضايا مثار الجدل ومختلف وجهات النظر لم يترجم إلى سياسة ديمقراطية. يقول «هذه الخطوة التالية لم تؤخذ كما يمكن أن تتوقع بمعنى إدخال الديمقراطية على العالم العربي. الشعوب لم تكوّن أحزابا سياسية ومنظمات تهتم بقضايا معينة. لا يمكن أن تفترض أن لمجرد تعالي الأصوات بكثرة فهناك كثير من الشفافية والمساءلة».
يقول عبد الله شلايفر مدير مركز Adham لصحافة التلفزيون في الجامعة الأمريكية في القاهرة إن جانبا من الديمقراطية الصحية يتمثل في وجود بعض القواعد الأساسية للمناقشة. ويقول «إن خطر صحافة تبتعد عن الأسلوب الاستبدادي هوأسلوب الإثارة، وهذا يتحقق أحيانا في «الجزيرة». هناك أشياء تقال في هذه القناة لا يمكن أن تقال أبدا في انجلترا وأميركا لأنها تدخل أرضا مجهولة، ومن ثم ليس هناك محرّمات ولا قذف وتشهير، ليس هناك حدود لما يقوله أحد». واستطرد شلايفر قائلاً: إنه يأمل أن يكون نهج العربية الأكثر حذرا والأكثر احترافا الثقل الموازن أمام قناة الجزيرة: «ربما يبرهن ذلك على إمكان تحقق صحافة حرة ولكن بسلوكيات حسنة، والديمقراطية تتوقف على حسن السلوك».
قال الخطيب إنه يعتزم البقاء في العربية لمدة عام واحد فقط. ورغم أن العيش في دبي أسهل من العيش في رام الله، قال إنه لا يريد أن يبقى لأنه منزعج بسبب «الهوة الهائلة» بين دبي وبين العالم الذي يستقبل بث «العربية».
وبالإلحاح على الخطيب أقر أيضا بأنه غير متحمس للعودة إلى مكتبه في الضفة الغربية. قال إنه يعامل دائما كفلسطيني أولا وكصحافي ثانيا، ويستبقى عند الحواجز لمدة ساعات في طريقه إلى مواعيده. وقال إن في بعض الأحيان يتم بذل جهد مضن لتقديم تقارير هادئة في شأن وضع مؤلم. أكد «سئمت من العملية والتوتر الدائم لكبح جماح انفعالاتي، ولا أشعر بأن هذا أمر سينتهي في عام أو عامين».
أوضح إنه التحق بوظيفته في «العربية» لأنه يعتقد «أن العالم العربي غير قادر على أن يصبح معتدلا وحرا كما ينبغي، لأنه لا يحصل على معلومات صحيحة». أراد أن يصبح جسرا بين المثل العليا التي يعتنقها في شأن الصحافة وبين واقع النقل العربي للأحداث، واعتقد أنه يمكن أن يؤثر تأثيرا حقيقيا في العربية.
ولكن الآن وقد أمضى أربعة أشهر في دبي قال ذات يوم في وقت متأخر من الليل في البهوالمرمري لمبنى ام.بي.سي. إن المسافة بين هاتين النقطتين تبدوشاسعة. قال بسأم «لست واثقا من أني أستطيع شخصيا تحمل دفع ثمن هذا النجاح، حتى لو كان ذلك ممكنا».
والراشد عادة أكثر تفاؤلا إزاء إمكانيات النجاح أمام «العربية»، وبالنسبة إلى خلق صحافة حرة حقيقية في منطقة ليست حرة. ولكن بالإلحاح عليه، أقر بأن مشروعه محفوف بالخطر، وبأن تكلفة الفشل ستكون كبيرة.
قال ذات مساء بينما سائقه يقودنا إلى المحطة «يجب أن أنتصر في هذه المعركة حقيقة. دعوت لمدة طويلة إلى هذه الأنواع من الأفكار، وإذا لم تنجح يجب أن أخرج» وأقول « لم تنجح - أنتم متروكون لأنفسكم. إني أسحب كل شخص معي في ذلك. يجب أن أنجح»..