عاجل

البث المباشر

مظفر النواب في أبوظبي يبكي حنينا لبغداد

"القدس عروس عروبتكم" أشعلت المسرح..

كان من المتعذر تماما الحصول ليس على مقعد وإنما حتى مكان للوقوف بداخل مسرح المجمع الثقافي في العاصمة الإماراتية أبوظبي لمتابعة أمسية الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب أمس الأحد 4-4-2005 على هامش معرض الكتاب. فقبل ساعة من بدء الأمسية، كان المسرح قد أمتلأ عن آخره، واضطر القائمون على الأمسية إلى وضع شاشة عرض خارج المسرح لتمكين المئات الذين جاءوا متأخرين من الاستماع إلى قراءات النواب.

في تمام الثامنة مساء صعد مظفر النواب يرافقه عازف عود أجاد هو الآخر في خلق جو موسيقي مواز للقصائد التي تجاوب معها الحضور بشكل منقطع النظير. بدأ النواب الذي كان يلبس حلة سوداء وبلوفر أحمر مطفأ وعلى كتفه كوفية فلسطينية، مرهقا وحزينا. مشى على المسرح ببطء، واختار أن يلقي قصائده واقفا. ربما احتراما للشعر.
غرقت القاعة الكبيرة في الصمت ما خلا صوت مظفر بمصاحبة العود وهو يبدع القصيدة تلو الأخرى. وقدم مختارات من الفصحى والعامية لاقت كلها تصفيقا حادا بلغ أوجه حين انتهى من قراءة إحدى قصائده العامية ليعرج إلى مقاطع: القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتهاووقفتم تسترقون السمع
كانت كافية ليضج المسرح بتصفيق لم تقطعه إلا إشارات الشاعر لكي يواصل. لم يعد للقصيدة ذاتها، لكنه عاد ثانية إلى العامية. وفي أمسيته، كان مظفر موجوعا بـ"بغداده" وتغنى لها بقصائد مازجت سخطه على الاحتلال بحنقه على "فتاوى الموت". ودعاها "يا حبيبة يا بغداد" – بكسر الحاء – هاتفا:
الله والشعب وآل البيت جبهةوجبهة "العفنين" للحمام !!
وإثر انتهائه من الأمسية، أصيب النواب بإعياء شديد مما أضطر لاصطحابه فورا للفندق الذي يقيم فيه. وتأكد لـ"العربية.نت" اليوم أن النواب كان يعاني من ارهاق فحسب وأنه عاد صباح اليوم لمواصلة نشاطاته ولقاءاته في أبوظبي.
وكانت "العربية.نت" تناولت سابقا الشاعر مظفر النواب في موضوع بعنوان "مظفر النواب.. الساكب ملحه على جراحنا" جاء في مطلعه:
يجزم غرامشي أنه يمكن الربط بين الفلسفة المثالية ككل، ووضع التركيبة الاجتماعية للمثقفين وفقا لتصوراتهم حول أنفسهم أنهم "مستقلون".
والمبدعون المتهمون دوما بانحيازهم إلى فضاءات خيالية صرفة تباعد بينهم وبين الواقع بكل قسوته ووحشته، هم القادرون على رسم لمسة مختلفة عن الواقع، كرافعة تهيئ لعالم متخيل مطوق بالحب والسلام.
هكذا يمكن معاينة الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب ورصد فضاءاته الشعرية من دون الخوض في جدليات عقيمة عن الشقة الواسعة بين الواقع المفترض القناعة به وبين متخيّل ليس بالعسير تحقيقه، ان أضحى إيمانا لدى الآخرين بجدوى النضال لتحقيقه. ومظفر من الشعراء الذين طابقوا تماما بين نتاجهم الإبداعي وحياتهم، إلى درجة تدفع لمقارنته بالتشيلي بابلونيرودا والإسباني غارثيا لوركا.
فالشفافية - بالغة القسوة- التي تتحلى بها نتاجات مظفر الشعرية، هي استحقاق إبداعي يأتي في سياقاته الطبيعية ضمن المؤثرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طبعت تجربته الحياتية، وانعكست بشكل كبير على أدواته الشعرية. هذا عدا عن كونه تشبع بمكون عراقي أصيل هو: الحزن ذلك الحزن الذي يبدو متغلغلا في الشخصية العراقية ومؤثرا فيها إلى حد كبير وكأنه معجون بتراب الرافدين.
ولد مظفر النواب في بغداد-جانب الكرخ في 1934 من أسرة ثرية أرستقراطية تتذوق الفنون والموسيقى وتحتفي بالأدب. وفي أثناء دراسته في الصف الثالث الابتدائي اكتشف أستاذه موهبته الفطرية في نظم الشعر وسلامته العروضية، وفي المرحلة الإعدادية أصبح ينشر ما تجود به قريحته في المجلات الحائطية التي تحرر في المدرسة والمنزل كنشاط ثقافي من قبل طلاب المدرسة.
وبحسب موقعه على الانترنت فإنه - مظفر النواب - تابع دراسته في كلية الآداب ببغداد في ظروف اقتصادية صعبة، حيث تعرض والده الثري إلى هزة مالية عنيفة أفقدته ثروته، وسلبت منه قصره الأنيق الذي كان يموج بندوات ثقافية، وتقاد في ردهاته الاحتفالات بالمناسبات الدينية والحفلات الفنية على مدار العام.
بعد عام 1958، أي بعد انهيار النظام الملكي في العراق، تم تعيينه مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد، فأتاحت له هذه الوظيفة الجديدة تشجيع ودعم الموهوبين من موسيقيين وفنانين تشكيليين، لئلا تموت موهبتهم في دهاليز الأروقة الرسمية والدوام الشكلي المقيت.
في عام 1963 اضطر لمغادرة العراق، بعد اشتداد التنافس الدامي بين القوميين والشيوعيين الذين تعرضوا إلى الملاحقة والمراقبة الشديدة من قبل النظام الحاكم، فكان هروبه إلى إيران عن طريق البصرة، إلا أن المخابرات الإيرانية في تلك الأيام (السافاك) ألقت القبض عليه وهو في طريقه إلى روسيا، حيث أخضع للتحقيق البوليسي وللتعذيب الجسدي والنفسي، لإرغامه على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها.
في 28/12/1963 سلمته السلطات الإيرانية إلى الأمن السياسي العراقي، فحكمت عليه المحكمة العسكرية هناك بالإعدام، إلا أن المساعي الحميدة التي بذلها أهله وأقاربه أدت إلى تخفيف الحكم القضائي إلى السجن المؤبد.وفي سجنه الصحراوي واسمه (نقرة السلمان) القريب من الحدود السعودية-العراقية، أمضى وراء القضبان مدة من الزمن ثم نقل إلى سجن (الحلة) الواقع جنوب بغداد.
في هذا السجن الرهيب الموحش قام مظفر النواب ومجموعة من السجناء السياسيين بحفر نفق من الزنزانة المظلمة، يؤدي إلى خارج أسوار السجن، فأحدث هروبه مع رفاقه ضجة مدوية في أرجاء العراق والدول العربية المجاورة.
وبعد هروبه المثير من السجن توارى عن الأنظار في بغداد، وظل مختفياً فيها ستة أشهر، ثم توجه إلى الجنوب (الأهواز)، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة.
وفي 1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. أعتقل النواب ثانية، ثم غادر بغداد إلى بيروت فدمشق وبقى متنقلا بين عدد من العواصم إلى أن استقر به المقام في دمشق.