حملات انتخابية مصرية ساخنة وسجال عن دور الإسلام في السياسة

أقباط يتهمون الحكومة بتجاهلهم

نشر في:

يتطلع ملايين المصريين الى الانتخابات التشريعية التي ستبدأ الاربعاء القادم باعتبارها اول اختبار حقيقي للوعود التي اطلقها الرئيس حسني مبارك في بدء ولايته الخامسة الشهر الماضي من اجل المزيد من الاصلاحات السياسية والديمقراطية.

غير ان الكثين من المراقبين يعتقدون ان من المبكر جدا الحديث عن دخول مصر الى نادي الدول الديمقراطية,حيث لايزال امامها طريق طويل تقطعه من أجل ذلك الهدف,رغم انهم يوافقون الرأي على ان ما يجري بداية جيدة.
ويتنافس اكثر من خمسة الاف مرشح على 444 مقعدا في هذه الانتخابات, وهو اكبر عدد من المرشحين يشارك في اي انتخابات مصرية حتى الان في مؤشر على ازدياد الحراك السياسي الذي اطلقته وعود الاصلاح بعد سنوات طويلة من الجمود والعزوف عن المشاركة السياسية.
ففي العاصمة القاهرة والجيزة,التي تشكل توأمها اللصيق,والتي يسكنهما معا اكثر من 17 مليون نسمة, تزخر الشوارع كل ليلة بمسيرات ولقاءات يعقدها المرشحون اثناء جولاتهم الانتخابية وهم يعرضون بضاعتهم من الشعارات والوعود التي يقطعونها للناخبين لقاء اصواتهم التي ينتظرونها .
بعض المرشحين لجأ الى اساليب غير تقليدية في جذب الناخبين تعدت اللقاءات المباشرة الى الطرق على الابواب وتقديم هدايا بسيطة مثل اكياس الحلوى او ادوات دراسية للاطفال الى بناء مراحيض عامة في بعض المناطق الفقيرة او حتى توزيع اقراص الفياغرا المنشطة جنسيا في بعض المناطق.
ولا تخلو التجمعات الانتخابية في الجيزة,مثلا,من سخونة في بعض الدوائر تفرضها المنافسة الشديدة على 28 مقعدا من مقاعد البرلمان وخاصة بين مؤيدي مرشحي الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ومؤيدي مرشحي المعارضة والمستقلين وهي سخونة تقل وتشتد حسب انتماء المرشحين السياسي احيانا او نفوذههم المالي او ارتباطاتهم العائلية والقبلية احيانا اخرى.

"الاسلام هو الحل"

ومما زاد من سخونة العملية الانتخابية المشاركة الواسعة لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة التي رشحت اكثر من 150 من اعضائها في حملة شرسة وظفت خلالها الجماعة,التي تعتبر اكبر حركة سياسية منظمة للمعارضة,الالاف من انصارها لمساندة مرشحيها الذين يتنافسون على اساس شعار الجماعة الانتخابي "الاسلام هو الحل".
وفي خطوة لافتة,لا تتدخل قوى الامن التي تقف عادة لحراسة هذه التجمعات,في الجدالات السياسية التي تحتدم,حتى ولو كان الامر يتضمن انتقادات او هجوم يشنه مرشحو الاخوان او انصارهم على الحكومة.
الا ان قيادات الحزب الحاكم وصحافته ترى ان طرح الشعار هو محاولة لإستغلال الدين في السياسة,الهدف من ورائه كسب تعاطف الملايين من المصريين الذين تتميز غالبيتهم بتدينهم وبالتالي الحصول على اصواتهم.
وشن صفوت الشريف الامين العام للحزب الوطني,الذي ترفض حكومته السماح بالعمل الشرعي للاخوان, حملة شعواء على ما اسماه استخدام الدين لاغراض سياسية, بينما تشن الصحف الرسمية حملات شبه يومية ضد الاخوان.
ولا يقتصر رفض شعار "الاسلام هو الحل" على مرشحي حزب الحكومة ففي مدينة نصر شرقي القاهرة حيث تتحدى مرشحة الاخوان مكارم الديري مرشحين حكوميين ومعارضين ومستقلين يرى العديد من الناخبين ان الشعار دون معنى.
وقالت عواطف عبد الرازق وهي موظفة حكومية" ان الناس تريد ان تأكل وتشرب وتلبس وتسكن.. انها تريد ان تعمل وليس ان تسمع شعارا لا يقدم ولا يؤخر فنحن نعرف اننا مسلمون".
اما الصحفي حمدي رزق,فيشن بشكل يكاد يكون شبه يومي,في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة هجوما على الاخوان الذين يتهمهم ببث الفرقة بين المصريين المسلمين والمسيحيين من خلال شعاراتهم الانتخابية.
ويستهجن مرشحو الاخوان هذه الاتهامات رغم انهم يؤكدون ان الشعار جذاب ويدغدغ مشاعر الناخبين في مجتمع اسلامي محافظ.
ويشير جمعة البدري مرشح الاخوان في دائرة "اطفيح" في الجيزة في مقابلة مع يونايتد برس انترناشونال الى ان "هذا شعار يقبله رجل الشارع البسيط لانه في داخله ويفهمه بسهولة".
غير ان البدري يقر ايضا بان الاخوان لا يعملون فقط بالشعارت ويؤكد انهم يستخدمون شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية التي يديرونها كالمستوصفات ومراكز محو الامية او دروس التقوية في تقديم الخدمات للناس.
ويعتقد مراقبون ان السجال حول استخدام الشعارات الاسلامية يعكس طبيعة الصراع الدائر بين الاتجاهات العلمانية والليبرالية سواء داخل الحزب الحاكم او خارجه مع التيار الاسلامي الذي يمثله الاخوان وهو صراع سيقرر مصير مسيرة الاصلاح الديمقراطي في مصر خلال السنوات القادمة.
ومن الواضح ان طرح شعار "الاسلام هو الحل",ومايراه خصومه بانها حملات استعراض للقوة,تقوم بها الجماعة,تستهدف اجبار الحكومة على الاعتراف بوجودها ومنحها شرعية العمل السياسي.
ويحظر القانون النافذ منذ عام 1954 العمل العلني للاخوان الا ان الجماعة تنشط سياسيا كما ان لها 15 نائبا في البرلمان المنقضية مدته انتخبوا بصفة مستقلين.
ومن وجهة نظر هؤلاء المراقبين فان الصراع قد ينتقل إلى داخل الحزب الحاكم نفسه الذي فشل في منع المئات من اعضائه من الترشح كمستقلين امام مرشحيه الرسمين.
ولعل الامر لا يقتصر على ذلك اذ ان هناك همس عال عن تحالفات بين بعض رموز الحزب الحاكم مع الاخوان في بعض الدوائر الانتخابية التي قرر الاخوان عدم المنافسة على مقاعدها تاركين امكانية الفوز فيها لهولاء الرموز.
الا ان عبد الرحيم علي, الباحث في شؤون الجماعات الاسلامية يرى ان العملية هي مجرد تكتيك انتخابي بين تياري الحرس القديم الذي يقوده الشريف وتيار الحرس الجديد الذي يقوده جمال مبارك نجل الرئيس المصري حسني مبارك.
وأضاف علي ليونايتد برس انترناشونال ان التيارين يريدان تقليل الاضرار التي يمكن ان يلحقها فوز الاخوان بعدد كبير من المقاعد مما يجعلهما كتلة انتخابية مؤثرة داخل البرلمان القادم.
وتابع "الجميع يسعى في المحصلة النهائية الى قص اجنحة الاخوان وتقليص حجمهم".
وتوقع علي ان يلجأ مبارك الى اختيار عدد من خصوم الاخوان السياسيين من بين عشرة نواب يحق له تعينهم في البرلمان, اضافة الى ال 444 عضوا المنتخبين.
اضافة الى كل هذا, فان ما يعكس سخونة الحملة العدد الكبير من المستقلين الذين يخوضون الانتخابات بهدف الحصول على مقاعد في البرلمان من المؤكد انها ستؤثر على حصة الحزب الحاكم الذي يحتاج الى اغلبية الثلثين لتمرير بعض القوانين المهمة.
ومع هذا, فان خليل العناني, الخبير في "مركز الاهرام للدراسات السياسة والاسترايجية" أكد على ان كثرة المرشحين لا تعكس اتجاها نحو حيوية العملية الانتخابية ولا نتائجها.
وقال العناني ليونايتد برس انترناشونال "هذا ليس صراعا على الديمقراطية او من اجلها انه صراع من اجل النفوذ والمال".
وأشار العناني الى ان المعركة الاساسية تدور بين مرشحي الحزب الوطني وبين الاعضاء المنشقين الذين قرروا ترشيح انفسهم بشكل مستقل بعد ان استبعدهم الحزب من الترشيح.
وأضاف "لكن المهم ليس هذا العدد الكبير من المرشحين بل المهم ان تتحرك هذه الكتلة الصامتة من الناخبين وتراها فاعلة".
وتجري الدورة الانتخابية الاولى في ثماني محافظات على ان تجري دورتان اخرييان في 20 نوفمبر /تشرين الثاني الحالي والثالثة يوم 1 ديسمبر /كانون الاول القادم.
وتشير كل التوقعات إلى ان مصر ستشهد برلمانا مختلفا هذه المرة,ولكن يبقى السؤال الى اي مدى سيعمل ذلك على تحقيق اكبر قدر من الديمقراطية التي اصبحت مطلبا شعبيا ملحا لاول مرة منذ سنوات طويلة.

اقباط يتهمون الحكومة بتجاهلهم

وقد انسحب الشهر الماضي مرشح قبطي في الاسكندرية من المعركة الانتخابية اثر مقتل ثلاثة في اعمال شغب مناهضة للاقباط في دائرته ويقول بعض الاقباط ان اعمال العنف الطائفية تبرز عزلتهم السياسية.
وقال جون مايكل (26 عاما) اثناء مؤتمر لدعم أحد المرشحين "يهددنا المسلمون كل يوم بلا سبب .. ساءت الامور قبل الانتخابات. هناك عدد كبير من المسلمين وقلة من المسيحيين. لذا يهاجم المسلمون المسيحيين لكسب اصوات".
ويرى اقباط كثيرون انه راي متطرف ولكن البعض يعتقد ان الحكومة تتجاهلهم لارضاء الاسلاميين.
ويقول محللون ان الحركات الاسلامية مثل الاخوان المسلمون تمثل التهديد السياسي الخطير الوحيد للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بزعامه الرئيس حسني مبارك.
وذكر يوحنا نصيف وهو قس قبطي وطبيب سابق "هذا وضع غير متوازن وغير طبيعي ات يتم تجاهل المسيحيين دائما .. بما في ذلك في مجال السياسة".
واضاف "يفسد الاستبعاد المنظم النتائج في هذا البلد. ينبغي ان تستند المنافسة على اي منصب للمؤهلات المهنية وليس الدين".
وأدى الاعتقاد بان الدولة تتجاهل الاقباط الى تنفير كثير منهم من المشاركة في المعترك السياسي لايمانهم بانهم ليسوا محل ترحيب.
ولا يزيد عدد المرشحين المسيحيين على قوائم الحزب الوطني عن عدد اصابع اليد الواحدة رغم انهم يمثلون عشرة بالمئة من سكان مصر.
وقال ميلاد حنا الكاتب والمفكر المسيحي البارز "لا ينخرط الاقباط في الحياة العامة. لا يحظون بتقدير وليسوا محل ترحيب من احد. لماذا يابهون..".

اتحاد الاقباط والمسلمين

ويتناقض عزوف المسيحيين عن العمل السياسي كثيرا مع الحال في حقبة العشرينات والثلاثينات التي يرى مصريون كثيرون انها واحدة من اعظم الحقب في تاريخهم السياسي حين اتحد الاقباط والمسلمون لانهاء الاحتلال البريطاني.
وهلل الحاضرون في المؤتمر الانتخابي للمرشحة مني مكرم عبيد حين ظهر جدها السياسي المخضرم وليم مكرم عبيد في شريط الفيديو خاص بحملتها الانتخابية اذ كان عضوا نشطا في حزب الوفد القوي في النصف الاول من القرن العشرين وكان يعتبر وطنيا عظيما.
وقال حنا ان الاقباط كانوا يحتلون نحو عشرة بالمئة من مقاعد البرلمان وهي نسبة قريبة من تعدادهم.
وقال حنا "النسبة صفر تقريبا الان. اختلف نسيج المجتمع والثقافة .. تريد الحكومة ان يكون المرشحون من المسلمين لانهم الاغلبية وهم الزعماء".
ورغم ان الحكومة حظرت استخدام شعارات دينية في الانتخابات والاحاديث التي قد تهدد الوحدة الوطنية فان لافتات الاخوان المسلمون الانتخابية التي ترفع شعار "الاسلام هو الحل" لا زالت منتشرة في شوارع القاهرة.
وجماعة الاخوان المسلمون محظورة رسميا الا ان الحكومة تساهلت معها على غير المعتاد قبل الانتخابات وافرجت عن قادتها من السجن وسمحت لها بتنظيم مسيرات واجتماعات.
وفي انتخابات عام 2000 فاز مرشحو جماعة الاخوان بما يبلغ 17 مقعد من 444 مقعدا في البرلمان يشغل بالانتخاب لتصبح اكبر كتلة معارضة في البرلمان وتتقرب احزاب المعارضة من الاخوان لاحتمال تشكيل تحالفات.
وقال حنا "القوة السياسية الوحيدة التي تقف في وجه الحكومة بفعالية هي الاسلاميون.اذا وصلوا للسلطة ياالهي ... سيغادر معظم الاقباط مصر قبل ان يحدث ذلك. لايريدون العيش في ظل الشريعة الاسلامية".
وبالفعل ينص الدستور المصري الحالي على ان الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع غير ان اسلاميين كثيرين يقولون ان الحكومة غالبا ما تتجاهل هذا النص او تتغاضى عنه.
ويقول الاخوان المسلمون انه ليس هناك ما يخشاه المسيحيون وانها ستحمي حقوق المسيحيين اذ قدر لها ان تتولى السلطة.
عادة ما تتسم العلاقات بين الجانبين بالهدوء ولكن تثور اعمال عنف طائفية من حين لاخر من ابرزها في عام 1999 حين قتل 22 في قرية الكشح في الجنوب.
وفي الشهر الماضي اندلعت اعمال العنف في الاسكندرية بعد توزيع اقراص مدمجة لمسرحية عرضت قبل عامين يقول مسلمون انها تهين الاسلام. ويشكك مسيحيون وحتى بعض المسلمين في توقيت توزيع الاقراص المدمجة.
وقالت مسيحية من الاسكندرية رفضت نشر اسمها "نعتقد ان هدفا سياسيا وراء ذلك... نسمع شائعات كثيرة عنا. واكاذيب عما نقوله وتزعم الصحف اننا نهين الرسول".
وكانت الاتهامات بشان التحول قسرا او طواعية من المسيحية الى الاسلام او العكس وبصفة خاصة بين النساء سببا لمصادمات طائفية في معظم الاحوال.
غير ان من الصعب ملاحظة تعصب علني. ويقول صالح عيد (38 عاما) وهو عامل مسيحي في مصنع "مسيحي ومسلم كلها ديانات ربنا.. في يوم القيامة هل سيحاسب ربنا المسلمين وحدهم ام الكل.. الكل معا".
وحضر اصدقاء عيد من المسلمين المؤتمر الانتخابي لمني مكرم عبيد وذكروا ان جميع المصريين يعانون من نفس المشاكل اي الفساد والبطالة وانهم سيختارون من يساعد في حل هذه المشاكل بغض النظر عن الديانة.
وقال محمود سامي احمد (23 عاما) وهو يعمل في شركة تسويق //نحن كشباب نعاني .. لا توجد وظائف وتنقصنا اشياء كثيرة نريد ان يصل صوتنا للمسؤولين الكبار".