أسرار وتفاصيل جديدة في حياة المخرج السوري الراحل مصطفى العقاد
أسرته وأصدقاؤه يتحدثون لـ"العربية.نت"
لن يكون بوسع محبي أعمال المخرج السوري مصطفى العقاد السينمائية، رؤية أكثر أفلامه واقعية وانغماسا في الألم، ذلك الفيلم الذي كان سيرصد رحيل ابنته "ريما" في الاعتداءات الارهابية التي طالت ثلاثة فنادق في عمّان، ويسجل اللحظات الأخيرة في حياته هو.ولن يكون بمقدور هؤلاء، حتى مشاهدة حلمه المؤجل في اخراج فيلم "الناصر صلاح الدين". هكذا أراد الارهاب كما يرى بعض، وضع نهاية حافلة لفنان حساس، نذر حياته من أجل الفن، ومن أجل طرح رؤية موضوعية عن الإسلام والعرب من خلال بصماته الاخراجية الواضحة في هوليود. ولم يكن "الناصر صلاح الدين" الحلم السينمائي الوحيد المؤجل بالنسبة للمخرج الراحل، ففيلم عن السلطان العثماني محمد الفاتح، وآخر عن الأندلس، حضارتها، وما وصل إليه العرب هناك، كانا مشروعين يشغلان باله بحسب شقيقته الدكتورة ليلى العقاد التي تحدثت لـ"العربية.نت" عن تفاصيل تكشف لأول مرة في حياته.وتقول الدكتورة العقاد إن شقيقها الراحل شغلته السينما منذ طفولته، فقد كان يقصد بيت جارهم اليوناني جان كليوس في مدينة حلب لمشاهدة السينما. ثم انتقل العقاد بعدها لتشغيل سينما يدوية لأولاد الحي في بواكير صباه، وتحميض الصور الفوتغرافية بنفسه كهواية ترافقت مع هوايتي السينما والرسم لديه.
وساعد مولد العقاد (1935 ـ 2005) في كنف أسرة مثقفة، في توفير بيئة تتعاطى الأدب والفن من حوله، لكنه اصطدم بممانعة والده لفكرة احترافه الاخراج السينمائي حين أراد ذلك بعد فراغه من الدراسة.عمل العقاد في بنك لمدة عام، قبل أن يقتنع والده بميوله السينمائية، ويقرر ارساله للولايات المتحدة في 1954 من أجل الدراسة هناك. وقبل أن يغادر سوريا، أخرج العقاد مسرحية "شعلة من الصحراء" طافت بالمدن السورية كلها تقريبا. وفي الولايات المتحدة، تفجرت مواهبه، لتجتذبه هوليود، بعد أن درس الفنون المسرحية في لوس أنجليس.
علاقته بأنتوني كوين
وتشير الدكتورة ليلى في سياق حديثها لـ"العربية.نت" إلى أن المخرج الراحل جمعته صداقات بعدد من العاملين في هوليود، لكن صداقته بالممثل الأمريكي الراحل أنتوني كوين الذي شاركه بطولة فيلمين، تظل هي الأكثر متانة. ولا تنسى العقاد الاشارة إلى أن شقيقها لطالما أكد بأنه "لولا أنتوني كوين لما شاهد الغربيون فيلم الرسالة". وتقول إن شقيقها كان ذا طبيعة اجتماعية مرحة، وكان علاقاته بأفراد أسرته دافئة، علاوة على تواضعه.وعن العملية الارهابية التي أودت بحياته، تؤكد العقاد بأن ما يحدث حاليا "خطأ إذ ليس في ديننا ما يبيح قتل الأبرياء". وتضيف بأنه - العقاد - كان محبا لمسقط رأسه "حلب"، ولم ينسلخ عن قضيته "في الدم والتاريخ والجغرافيا". أما صديق مصطفى العقاد الكاتب والروائي الحلبي وليد الاخلاصي, الذي كان يرأس اتحاد الكتاب العرب في مدينة حلب السورية, فيقول لـ"العربية.نت" إن بداية معرفتهما كانت خلال فترة الشباب أيام ظهرت ميول العقاد الفنية وهو طالب في المرحله الثانوية. وكان العقاد وقتذاك كثير التحدث بأنه سيعمل في الفن. ويشير الاخلاصي إلى أن غالبية الكومبارس الذين ظهروا في فيلم "عمر المختار" يتحدرون من حلب. كان يطمح في الحصول على موافقة الأزهرعلى فيلم الرسالة - يقول الاخلاصي - لكنه لم يحصل عليها,لذلك منع الفيلم حتى الآن في كثير من الدول العربية، واكتفى الناس بمشاهدته عبرأشرطة الفيديو.وكشف ناقد سينمائي سوري عن خلافات سابقة بين العقاد والسينمائيين السوريين لأسباب سياسية وأخرى تتعلق بأسلوب العقاد "الهوليودي". وقال الناقد فضل كواكبي،في حديث لـ"العربية.نت"، إن السينمائيين السوريين لم يتفقوا مع أسلوب العقاد "الهوليودي"، وأوضح " العقاد عمل في هوليود وتدرب على العمل السينمائي في هوليود مع مخرجين كبار واستوعب الدرس التقني الهوليودي من حيث التقنيات العالية في فيلمي الرسالة وعمر المختار عندما استعان بطاقم فني تقني من هوليود".
خلاف مع سينمائيي سوريا
وأضاف كواكبي،وهو ابن مدينة العقاد أيضا، " لقد حاور السينمائيون السوريون العقاد ولم يجدوا لغة مشتركة معه لخدمة السينما السورية والأسباب ان متطلباته كانت عالية جدا واقصد المادية والتقنية وغالبية السينمائيين السوريين أيضا قدموا من خلفيات مختلفة عن منبته السياسي حيث كانوا يساريين وهو قومي ذو ميول قومية بالمعنى الفطري للكلمة أي متاثر بفترة الخمسينات والستينات". وتابع " فيما بعد في حياته في أمريكا أصبح العقاد رجلا اقرب للعقل المحافظ بمعناه المعتدل الليبرالي وليس المحافظ بمعناه المتعصب وهناك من المخرجين السوريين من حاول أن يبقى على تواصل معه مثل سمير ذكرى وهيثم حقي .. وهذا الاختلاف معه لم يكن في في الإيديولوجيا فحسب وإنما في فهم السينما وكيف يجب أن تصنع السينما".وعن أفلام الرعب التي أنتجها، يتحدث فضل كواكبي لـ"العربية.نت" ، قائلا " استطاع أن ينتج بتكلفة قليلة سلسلة من افلام الرعب (هالوين) وادرت عليه ارباحا كبيرة وهذه الأرباح استخدمها فيما بعد جزئيا عندما أخذ دعما من بلدان عربية ليقدم أفلامه هذه المرة كمخرج .. افلام هالوين صنعها كمنتج وضمن منطقه كونه قادم من بيئة تجارية حيث كان يعمل مصرفيا في بنك وكان مهتما بالحسابات الاقتصادية الدقيقة... وبقي هذا هاجسه إلى جانب هاجسه الوطني أو القومي".
معجب بسينمائيين في سوريا
ويقول الناقد كواكبي إن علاقة العقاد كانت " حميمية جدا مع مدينة حلب فهو تردد عليها دوما ولم يقدر على الانقطاع عنها .. وهو من منطقة شعبية اسمها العقبة داخل السور الحلبي وكانوا مجموعة من الأخوة توزعوا في حارات جديدة بعد دراستهم .. أحد أخوته كان وزيرا للثقافة في الستينات وهو زهير العقاد ، ووائل العقاد نجم الكرة السورية منذ عقود هو أحد اشقائه أيضا". ويبدو حسب كلام الناقد فضل كواكبي أن مصطفى العقاد "ترك أثره على الأعمال الدرامية السورية الذين انتبهوا لأهمية التقينات العالية خاصة أعمال حاتم علي وآخرين التي استعانت بخبرات تقنية من خارج القطر في المعارك والخيالة والمتفجرات .. وهو أبدى إعجابه أن السينمائيين السوريين رغم إمكانياتهم الضيئلة قدموا أفلاما مثل الليل وتراب الغرباء والتي كانت ضخمة ولكن بإمكانيات ضيئلة ". وكان العقاد أخرج فيلم الرسالة في 1976 ثم عمر المختار في 1980 وعدد من أفلام الرعب الأمريكية.وكان موكب جثمان العقاد انطلق من عمان السبت 12-11-2005م باتجاه الحدود السورية يرافقه رئيس الوزراء الاردني حيث قام بتسليمه إلى أهله عند بلدة "نصيب" الحدودية وتبادل كلمات العزاء نظيره السوري. وتمت مواراة الجثمان الثرى الأحد 13-11-2005. وإن قضى العقاد في اعتداءات عمّان إلى جانب 56 آخرين من بينهم ابنته ريما، فإن محبي أعماله السينمائية، خصوصا في العالم العربي، سيصوبون أبصارهم تجاه من يلتقط "الراية الفنية" ويمضي قدما في اخراج أعمال عالمية، ربما يكون احداها، فيلما عن العقاد ذاته، ونهايته المفجعة.