"حماس".. من دروس التأسيس المسجدية إلى قلب الحياة السياسية

الجذور التاريخية لحماس وأطوار التشكل

نشر في:

انتابت المحللين والمراقبين حالة من الحيرة وصلت لدى بعضهم إلى حد الذهول، إزاء النتيجة التي حققتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية، وحصولها على نسبة تقارب ثلثي مقاعد البرلمان، في أول انتخابات تشريعية تخوضها. فالأمر في منظور كثير منهم يتعلق بحركة ما زالت ناشئة، لا يزيد عمرها المعلن عن ثمانية عشر عاماً.

من هنا برزت تساؤلات جدية عن الإمكانية المتاحة لحركة فتية لأن تصل إلى ما وصلت إليه حركة "حماس" في هذه الانتخابات، خاصة مع ما أخضعت له من عقبات، وعمليات استئصالية منهجية، واغتيال صفوف متلاحقة من أبرز قادتها ومؤسسيها، خلال انتفاضة الأقصى.

جماعة الإخوان في فلسطين .. تاريخياً

لكنّ الدارسين لتجربة "حماس"، يتحدثون بثقة عن أنّ العمر الحقيقي لهذه الحركة هو أبعد بكثير من مجرد عقدين من الزمن. إذ انبثقت "حماس" عن جماعة الإخوان المسلمين، التي تشير المصادر التاريخية إلى أنّ نواتها في فلسطين تعود إلى أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين.
وبينما كان للإخوان حضورهم في مراحل عدة من التاريخ الفلسطيني، فقد كانت لهم صلات وثيقة مع القيادة الفلسطينية، المتمثلة بالحاج أمين الحسيني، قبل نكبة سنة 1948، في ما تركت قوات الإخوان القادمة من عدد من الدول العربية المجاورة، كمصر وبلاد الشام والعراق، أعمق الأثر بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين، خلال مواجهات عامي 1948 و1949، مقابل الأداء الرديء لسبعة جيوش عربية، لم تتمكن من هزيمة القوات الصهيونية آنذاك.
وكان مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ومرشدها العام الأول حسن البنا، قد أعلن عام 1948 عن عزم جماعته، ذات الحضور الشعبي الكبير في مصر آنذاك، الدفع بقوات للدفاع عن فلسطين في وجه مخاطر احتلالها من قبل الحركة الصهيونية. وقال البنا في خطاب شهير آنذاك "لبيك فلسطين، دماؤنا فداء فلسطين، إنني أعلن من فوق هذا المنبر أنّ الإخوان قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف مقاتل للاستشهاد في فلسطين".
وكان ذلك الموقف السابق للموقف الرسمي في عهد مصر الملكية، وللمواقف الرسمية العربية الأخرى، دافعاً على ما يبدو لأن تبادر الجيوش النظامية العربية لإرسال قواتها إلى فلسطين أيضاً. واكتسبت معارك الإخوان في فلسطين سمعة طيبة للغاية آنذاك، بالنظر إلى أدائهم الميداني اللافت للانتباه، كما في مواقع مثل الفالوجا، الواقعة إلى الجنوب من الضفة الغربية، وصور باهر المحاذية للقدس، والمناطق المحاذية لقطاع غزة من النقب الغربي، وغيرها.
أما الامتداد الجماهيري لدعوة الإخوان المسلمين في فلسطين، فشهد انتعاشاً كبيراً خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وذلك في كل من الضفة الغربية التابعة للحكم الأردني آنذاك، وقطاع غزة، الذي أدارته مصر في ذلك الحين.
وفي ظل الحملة المشددة، التي تم شنها على الإخوان المسلمين في تلك المرحلة، في عهد مصر الناصرية؛ خيّمت على حركة الإخوان في فلسطين ظلال مرحلة صعبة، وهو ما كان له تأثيره البالغ على علمنة بعض إحدى التجارب الناشئة في ذلك الحين من بيئة إخوانية، أي حركة "فتح"، التي ستقود في ما بعد منظمة التحرير الفلسطينية، بدءاً من العام 1969، وتالياً السلطة الفلسطينية بدءاً من العام 1994.
لكنّ جماعة الإخوان استمرت في تجديد ذاتها، مواصلة عملها وحضورها في الضفة الغربية وقطاع غزة، ليأتي الاحتلال الإسرائيلي في صيغته الجديدة سنة 1967، ملقياً بتحديات إضافية على الواقع الفلسطيني وتياراته الفكرية والاجتماعية وحركاته السياسية، بما في ذلك جماعة الإخوان المتجذرة محلياً.
وبعد أن باتت كل الأراضي الفلسطينية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، أعادت جماعة الإخوان بلورة حضورها، لتبدأ عملياً من الأجيال الجديدة الناشئة تحت الاحتلال، بغية إعادة تهيئة جيل الجهاد والتحرير، كما كانت تقول أدبياتها في هذا الشأن.
كانت الساحة الفلسطينية حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي مفتوحة بقوة على الخطاب العلماني والأيديولوجيا اليسارية، في ما خسرت الرموز الدينية التقليدية مكانتها المؤثرة في المجتمع. ويلاحظ المراقبون للتحوّلات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني في غضون ذلك، أنّ تركيزاً على خصوصيات محورية للشعب الفلسطيني لم يكن في وارد الخطاب التعبوي العام للساحة الفلسطينية في تلك المرحلة، وهو الخطاب الذي شكلته عملياً الآلة الإعلامية والدعائية لمنظمة التحرير وفصائلها. أما الإشارة المباشرة مثلاً إلى المسجد الأقصى، النقطة الأسخن في الصراع مع الاحتلال ومشروعه، فلم تأخذ فرصتها إلاّ بدءاً من الثمانينيات، عندما بدأت أدبيات الحركة الإسلامية تلقى رواجاً واسع النطاق في الساحة.

البروز الجديد للتجربة الإخوانية في الساحة الفلسطينية

ومع اندلاع الانتفاضة الشعبية السابقة، في نهاية العام 1987، أخذ الخطاب الإخواني في شغل الواجهة العامة للمشهد، إلى الدرجة التي جعلت المراقبين يتحدثون حينها عن "ثورة المساجد".
في تلك اللحظة التاريخية انطلقت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بوصفها المشروع الجديد للإخوان في فلسطين للمقاومة والعمل السياسي.
ولمن لم يكن قد درس التجربة عبر مراحلها المتعاقبة، ولأولئك الذين لم يلحظوا أطوارها المتلاحقة؛ فإنّ المفاجأة كانت على أشدها، خاصة بالنسبة للذين لم يلقوا بالاً لأهمية البدايات التأسيسية في مرحلة ما بعد احتلال قطاع غزة، مثل حلقات الدرس التي كان يعقدها الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس" في ما بعد، لعدد من الفتية الصغار في المسجد الشمالي لمخيم الشاطئ قبل نحو أربعة عقود. لقد أثمرت تلك الجهود تنظيماً كبيراً يؤيده ويناصره معظم أبناء الشعب الفلسطيني، وحاز على أصوات أغلبية الناخبين في الانتخابات التشريعية والبلدية على السواء.
أما إسماعيل هنية، القيادي البارز في حركة "حماس" ورئيس قائمة التغيير والإصلاح لانتخابات المجلس التشريعي، فلم يكن سوى أحد رواد هذه الحلقات التأسيسية، ولذا فإنّ هنية لا يتردّد في القول إنّ حركة "حماس" هي "حركة جهادية إخوانية إسلامية العمق فلسطينية الوجه، للتحرير".
ويسرد هنية في حديث خاص لوكالة "قدس برس"، المراحل التي مرّت بها الحركة منذ بدأ العمل الإسلامي في فلسطين في طوره الجديد في الستينيات، موضحاً أنّ المرحلة الأولى كانت تسمى إعادة البناء بعد الضربة التي تلقتها حركة الإخوان المسلمين في مصر في منتصف القرن الماضي، والتي كانت تمتد لتطال قادة الإخوان في فلسطين، وكانت هذه المرحلة من عام 1967 حتى عام 1974.
وأوضح هنية الذي تتحدث التقديرات عن أنه قد يكون رئيس الوزراء الفلسطيني القادم، أنه بعد هزيمة عام 1967؛ جلس مجلس شورى إخوان فلسطين من أجل التشاور في ما آلت إليه الأمور بعد الهزيمة، وكيفية التصرفّ من أجل النهوض بالواقع المرير الذي سببته الهزيمة. وتم في الاجتماع المنعقد في بيت أحد أعضاء مجلس الشورى، وبحضور الشيخ ياسين، اختيار أحد الإخوان ليقود العمل في هذه المرحلة. ولكن "هذا الأخ" الذي لم يذكر هنية اسمه، قال "أنا سأدّلكم على من يقود هذا العمل بهمة عالية ونشاط لم يتوقف"، وأشار إلى الشيخ أحمد ياسين، حيث تم الاتفاق على ذلك، وبدا الشيخ ياسين بقيادة العمل من خلال الشباب المتجدد الذين كان يربيهم في المسجد الشمالي بمخيم الشاطئ، ومسجدي أبو خضرة والعباس بمدينة غزة.
وأضاف إسماعيل هنية، أنّ المرحلة الثانية من التجربة في طورها الجديدة كانت مرحلة بناء المؤسسات والجمعيات، وهي التي امتدت من عام 1974 حتى عام 1980، في ما أنّ المرحلة الثالثة كانت مرحلة تشكيل النقابات لكافة الأطر المهنية، وامتدت من عام 1980حتى عام 1982. وحسب هنية؛ فقد جاءت بعد ذلك مرحلة بناء أجهزة الحركة المختصة، سواء الأمنية منها، أو العسكرية، أو الإعلامية، أو أجهزة الفعاليات التي أُوكلت لها مهمة مقاومة الاحتلال.
وكشف هنية أنّ حركته كانت لديها استعدادات لخوض مظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل اندلاع الانتفاضة السابقة (1978-1994)، وذلك على خلفية تصاعد ممارسات الاحتلال التنكيلية بالمواطنين الفلسطينيين، وكان مخططاً لها أن تنطلق من الجامعة الإسلامية بغزة، إلاّ أنّ إغلاق قوات الاحتلال للجامعة حوّل فعاليات الطلاب إلى مناطق سكناهم، حيث كانت شرارة الانتفاضة الأولى.

حماس .. الأجهزة والأسماء

وأعاد إسماعيل هنية إلى الأذهان أنّ الانطلاق باسم حركة المقاومة الإسلامية كان مواكباً لانطلاقة الانتفاضة السابقة أواخر عام 1987، مشيراً إلى أنه كانت هناك أسماء أخرى تنطلق بها الحركة قبل انطلاق الانتفاضة، وصدرت بها بيانات كان يجري توزيعها في شوارع غزة، مثل "المرابطون على أرض الإسراء"، "المجاهدون الفلسطينيون".
وقال هنية "إنّ كلمة "حماس"، "اختارها أخ من مدينة القدس المحتلة، قالها ثم ها هي تملأ الفضاء"، مشيراً إلى أنه كان بعد ذلك تشكيل الذراع العسكري للحركة، والذي أُطلق عليه اسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، نسبة للشيخ السوري عز الدين القسام، الذي شكّل منظمة هدفت لتحرير فلسطين من الاحتلال البريطاني والتهديد الصهيوني، لكنّ قوات الاحتلال خاضت معارك قبل انطلاقة منظمته ما أدى إلى استشهاده في أحراش قرية يعبد شمالي الضفة الغربية سنة 1935، ما ألهب في السنة اللاحقة ثورة شعبية فلسطينية واسعة النطاق.
في ما سبق ذلك؛ اشتهر الإسلاميون في الأراضي المحتلة بعدة أسماء للدلالة عليهم، فمن "الإخوان"، إلى "المشايخ"، و"الشباب المسلم"، و"أبناء المساجد"، وكذلك "المجمعيون"، نسبة للمجمع الإسلامي الذي كان الشيخ ياسين ينطلق منه، من ثم كان اسم "حماس"، والتي انبثقت عنها "قائمة التغيير والإصلاح"، وهو الاسم الذي رأت "حماس" أن تخوض به الانتخابات التشريعية والبلدية.
أما على صعيد أسماء أجهزة الحركة المتعددة، فقد كان هناك "جهاز الدعوة"، المعني بالتعبئة واختيار العناصر الفاعلة في الحركة، و"الكتلة الإسلامية" وهو الإطار النقابي سواء للطلاب أو النقابات الأخرى، ومنظمة "الجهاد والدعوة- مجد" وهو جهازها الأمني، و"حماس المجاهدون"، وهو الاسم الذي أطلقه الشيخ صلاح شحادة (استشهد في عملية اغتيال ضخمة لاحقاً نفذتها طائرات الاحتلال) على الذراع العسكري للحركة بعد تأسيسه، وذلك قبل ظهور اسم "كتائب عز الدين القسام". ومن الأجهزة الأخرى التي تشكلت في مراحل سابقة "وحدة الآداب" و"الصاعقة الإسلامية"، وهما اسمان كانا يطلقان على جهاز خاص جرى تشكيله لمواجهة العملاء واللصوص في الانتفاضة السابقة، وجهاز "الأحداث أو الفعاليات"، والذي نشط إبان تلك الانتفاضة لمواكبة نشاطاتها الميدانية، وهو الذي يُعرف الآن باسم "العمل الجماهيري"، هذا علاوة على جهاز "المكتب الإعلامي"، الذي يتولى إصدار البيانات وتوزيعها.

من التأسيس الجديد إلى مواجهة الاحتلال

وأوضح هنية أنّ قرار حركته بالعمل المسلح اتخذ عام 1980، بعد أن تمكنت الحركة من النهوض من جديد وأعادت تشكيل أجهزتها وترتيب أوضاعها التنظيمية، كاشفاً النقاب عن اجتماع عقد عام 1980 لمجلس الشورى لحركة الإخوان في بلاد الشام، في إحدى العواصم العربية، وقد شارك في هذا الاجتماع ممثلون من الحركة عن فلسطين، وتم خلاله مناقشة موضوع الكفاح المسلح في فلسطين من كافة جوانبه، حيث خرج الاجتماع، والذي استمر على مدار يومين، بمقررات منها أن تبدأ الحركة بالاستعداد والإعداد للعمل المسلح، مشيراً إلى أنّ الشيخ ياسين وقيادة الحركة بدؤوا منذ ذلك الوقت بالإعداد للعمل المسلح وإرسال مقاتلين فلسطينيين للتدرّب على السلاح خارج فلسطين، من أجل تدريب مقاتلين آخرين في الداخل لاحقاً.
وتابع هنية "أنّ الشيخ ياسين بدأ آنذاك بجمع الأسلحة لذلك، إلاّ أنّ إرادة الله شاءت أن يُكشف أمره من قبل قوات الاحتلال التي اعتقلته ومجموعة من إخوانه، وحكم عليهم بأحكام عالية جداً"، وكان ذلك عام 1983، لكنه خرج في عملية تبادل الأسرى التي أبرمت مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل عام 1985، منوها بأنّ الشيخ ياسين بعد خروجه من السجن لم يتوقف عن التفكير الجاد في المقاومة، وكان ينتظر اللحظة المناسبة لينطلق، ونُسبت له مقولة "إننا سوف نقاتل اليهود حينما نمتلك مسدساً"، مشيراً إلى الصعوبة البالغة في الحصول على السلاح في ذلك الوقت، وموضحاً أنه تم بعد ذلك تشكيل جذور الجهاز الأمني للحركة على يد المعتقل يحيى السنوار، والذي حمل اسم "منظمة الجهاد والدعوة"، المعروفة اختصاراً "مجد".
وتطرق هنية في حديثه إلى أهم المحطات في تاريخ حركة "حماس"، منها إعادة اعتقال الشيخ ياسين في أيار (مايو) من عام 1989، وكشف التنظيم الذي كان يدير أمور الانتفاضة، وإبعاد قيادة "حماس" إلى مرج الزهور نهاية عام 1992، ومرحلة اتفاق أوسلو، وتأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، ومن ثم الضربة الكبيرة التي وجهتها السلطة الفلسطينية للحركة عام 1996، والإفراج عن الشيخ ياسين في السادس من تشرين أول (أكتوبر) من عام 1997، والذي بدأ مع عدد من قادة الحركة الذين أُفرج عنهم، كالدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور إبراهيم المقادمة، والمهندس إسماعيل أبو شنب، بإعادة تنظيم الحركة من جديد، والإعداد لمرحلة جديدة كانت انتفاضة الأقصى، والتي قال عنها "إنها فتحت آفاقاً واسعة للحركة، بعد تجاوزها مرحلة السجون، لتكون انتفاضة التحرير والتغيير، والتي تُوِّجت بخروج الاحتلال عن جزء من الأرض الفلسطينية والانسحاب من غزة".
وأوضح هنية أنّ حركته "أعادت الاعتبار لإسلامية الصراع مع المحتل، وأعادت الاعتبار لمشروع الجهاد كخيار ثابت لتحرير فلسطين، وكذلك أعادت الاعتبار للعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية"، وأوقفت ما سماه "مسلسل التنازلات".

رؤية الشيخ ياسين للتجربة

ويجمع الدكتور يوسف رِزقة المحاضر في الجامعة الإسلامية بغزة، وأحد قادة حركة "حماس"، في قراءة له، رؤية الشيخ ياسين السياسية والاستراتيجية من خلال مقاربة المكونات الرئيسة لها، في خمس مكونات هي: العقيدة والإخوان، والتغيير والاستثمار، والقضية الفلسطينية، والوحدة الوطنية، والأمة العربية والإسلامية. ويشير رزقة إلى أنّ هذه المقاربة "لا تهدف إلي سرد الأحداث التاريخية أو التعريف بها، وإنما تهتم باستكشاف الدلالات العميقة المكوِّنة للرؤية السياسية عند قائد حماس وزعيمها".
وتنسب الدراسة التي تحمل اسم "الرؤية السياسية عند الشيخ ياسين"؛ لمؤسس "حماس" قوله معرِّفاً نفسه وحركته بكلام موجز وواضح "أنا إنسان إسلامي، وتفكيري التفكير الذي كان ينتهجه الإمام حسن البنا في رسائله وكتبه. ويقول: نحن إخوان مسلمون، تربينا ونشأنا علي موائد الإخوان المسلمين".
وأضافت الدراسة "لعلّ حافز الشيخ ياسين إلي هذا التعريف بالذات وبالحركة، إلي كون اختيار من أسسوا حركة المقاومة الإسلامية ـ حماس في كانون أول (ديسمبر) 1987م، اتجه إلى اسم جديد لا يحمل بين مفرداته اسم الإخوان المسلمين، مما دفع المراقبين إلي التساؤل عن حماس، مَنْ تكون، وما علاقتها بالإخوان؟ ولِمَ اختارت لنفسها هذا العنوان؟ وما أسبابه ودوافعه؟".
وتتابع الدراسة أنّ "حسن البنا كان يرى أن إعداد الفرد والمجتمع إسلامياً لم يبلغ في زمنه مبلغاً يسمح له بالبدء في مواجهة الأنظمة العلمانية لإجبارها علي تحكيم الإسلام أو لاستبدالها بحكومات إسلامية ملتزمة. وقد استوعب الشيخ أحمد ياسين فهم البنا ومنهجه ووسائله، وسار علي الطريق الذي اختطه، فأعدّ وكوّن قبل أن يبدأ التنفيذ والمواجهة في انتفاضة الحجارة 1987 ثم في انتفاضة الأقصى 2000".
وأضاف رِزقة متابعاً "إنّ الحديث عن مرحلة الإعداد والتكوين منذ الستينيات وحتى التسعينيات، جدير ببحث مستقل وجاد، غير أنّ حماس التي تولت مرحلة التنفيذ ورثت نتاج هذه السنوات، ومن ثمّ وُلدت حركة مقاومة ناضجة ومتكاملة ذات رؤية سياسية واضحة، تنهل من مصدرين رئيسين: الأول العقيدة والإخوان، والآخر خصوصية التنظيم الفلسطيني والقضية الفلسطينية".
وينسب رِزقة للشيخ أحمد ياسين قوله "نحن موجودون هنا بفكر الإخوان، وبالعقيدة الإسلامية كاملة (...) كلّ الخصوصية التي نتمتع بها هنا في فلسطين أنّ لنا أرضاً محتلة، ووطناً محتلا، ومقدسات محتلة، ونحن نأخذ الجهاد والمقاومة كعنصر أساس في وجودنا وحياتنا، لأنّ الإسلام لا يمكن أن يقوم إلاّ على أرض مطهرة من كل اعتداء، من كل استعمار، من كل احتلال صهيوني".
وأوضح الباحث أنّ الشيخ ياسين يرى أنّ التغيير يبدأ بالإنسان، قائلاً "فإذا تغيّر الإنسان تغيّر المجتمع، وأقام الدولة القوية، والاقتصاد، والتنمية، والبني التحتية والجيش والحضارة، وحفظ لكل ما يقوم علي أرضه هويته الإسلامية وخصائصه الإيمانية. وإنّ الفشل في بناء الإنسان المسلم هو مقدمة للفشل في المستويات المادية المختلفة"، وفق تقديره.
وأضاف رِزقة "أنّ الشيخ ياسين لم يقف عند المستوي النظري من عملية البناء والتغيير، بل اتجه بالفئة المؤمنة التي انخرطت في تنظيم حماس نحو ممارسة التنفيذ والعمل في مستويات متعددة، من أكثرها إشراقاً وإثارة للجدل مقاومة المحتل الصهيوني بقوة السلاح، رغم اختلال ميزان القوى، ثم دخوله بحركته مضمار العمل السياسي والجماهيري بقوة وفاعلية، أجبرت القيادات المحلية والإقليمية علي الإصغاء له ولحركته، وتحليل ما يقول، لاسيما فيما يتعلق باستراتيجية الصراع مع العدو الصهيوني، وأصبحت حماس بذلك قوة متميزة في المجالين السياسي والجهادي، لا يملك الآخرون تجاوزها أو إهمالها"، على حد تعبيره.
واعتبر الأكاديمي الفلسطيني أنّ نمو حركة حماس، وتزايد قوتها، لم يدخل الغرور إلي رؤية الشيخ ياسين السياسية ونظريته التغييرية، فهو يرى أنّ حركته طليعة العمل التغييري، غير أنها لا تنوب عن المجتمع في إنجاح المشروع، وإنما تساهم في حمل التبعية منفتحة على المجتمع باعتباره المخزون الأساس الذي تستمد منه الحركة أسباب الفاعلية وإمكانية الاستمرار. وأوضح أنّ ذلك الانفتاح علي المجتمع وقواه الحية الفاعلة تعزّز من خلال المشاركة فيما يعرف بمرجعية القوي الوطنية والإسلامية، والمشاركة في قيادة الانتفاضة، وفي تعاملات حركته مع لجان المقاومة الشعبية، وفي مشاركته في الحوارات الداخلية التي تدعو إليها السلطة الفلسطينية، أو الهيئات الشعبية، أو الدول الإقليمية، كمصر مثلاً، وفي تبنِّي هموم المواطن اليومية والدفاع عن حقوقه، كما يسجل في قراءته.

تقديرات المراقبين لأبعاد مشروع حماس

وإذا كان ذلك متعلقاً بظروف النشأة وطبيعة الرؤية وأطوار التأسيس ومراحل التبلور، فإنّ الامتداد الشعبي الكبير الذي باتت تحظى به حركة "حماس" أثار انتباه المراقبين على شتى الأصعدة. وفي هذا الإطار ترى مجموعة الأزمات الدولية، والتي تقول إنها تعمل على المعالجة المسبقة للصراعات حول العالم، أنّ هناك أسباباً متنوعة لقوة حماس، منها وضوح الأيديولوجيا، وبساطة البرنامج، وتقديم الرعاية للقاعدة الشعبية، وتأسيس شبكة رعاية اجتماعية فعالة، والمؤهلات الإسلامية، والمقدرة على إلحاق الأذى بالاحتلال، وفق تقديراتها.
وقالت المجموعة في تقرير صادر عنها بعنوان "التعامل مع حماس"، "أنّ مكانة "حماس" في صفوف الفلسطينيين تتأتى أيضاً من فشل السلطة الفلسطينية كدولة أولية في رعاية سلامة الشعب الفلسطيني، وفشلها في الجانب السياسي في إنجاز تقرير المصير لهذا الشعب"، معتبرة أنّ "حماس قد راهنت طيلة عملية أوسلو على عدم قدرة السلطة الفلسطينية على تحقيق ما وعدت بتحقيقه، ويبدو، حتى الآن، أنها كانت مصيبة في رهانها. كما كانت "حماس" مرنة تكتيكياً. فخلافاً لغالبية التنظيمات الفلسطينية الراديكالية، علمانية كانت أم إسلامية؛ تراعي حماس الرأي العام السائد، وتقرأ المزاج الجماهيري بمهارة، وتتصرف بطرق منسجمة مع هذا المزاج بشكل عام، أو على الأقل، بطرق غير متعارضة معه".
وأضافت "لهذه الأسباب مجتمعة؛ لا يمكن لاستراتيجية تقوم على العمل العسكري لوحده- مهما كانت مرغوبة لدى كل من يروعهم سجل "حماس" من العنف ضد الأهداف المدنية- أن تلبي التحدي الاجتماعي والإيديولوجي الذي تمثله الحركة الإسلامية. وتبقى المهمة في الخروج ببديل عملي، إن أمكن ذلك".
وترى المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات أفضل وأضمن مسار يتمثل في تجنيد الضغوط الحقيقية على "حماس" لدفعها نحو الانضمام إلى التيار الرئيس، وذلك من خلال تفكيك جناحها العسكري، وإلاّ خاطرت بزيادة انكشافها أمام الضربات وبفقدان دورها، وفق رؤيتها.
ويعيد التقرير إلى الأذهان أنّ مجموعة الأزمات الدولية، كانت قد دعت مراراً إلى استبدال استراتيجية الخطوة بخطوة، التي تقوم عليها خارطة الطريق، باستراتيجية "لعبة النهاية"، القائمة على طرح دولي قوي، بقيادة الولايات المتحدة، لنموذج تسوية إسرائيلية - فلسطينية شاملة. ويمكن لمثل هذا الطرح أن يجند الرأي العام الفلسطيني، ويعزل الرافضين، ويمكن السلطة الفلسطينية من اتخاذ الإجراءات ضدهم، حسب تقديراتها.
وقالت المجموعة "يبدو أنّ التفكيك الكامل لقدرة "حماس" العسكرية صعب المنال في غياب السلام الشامل، ولكنّ الحركة ستكون مطالبة بتقديم الدلائل الواضحة بأنّ التزامها بوقف إطلاق النار ليس مجرد تكتيك لاستعادة الأنفاس؛ وأنه يمثل قراراً استراتيجياً تصبح الحركة من خلاله لاعباً سياسياً وتتخلى عن العنف".
وأضافت "مع أنّ حماس تحدِّد علناً أنّ النزاع مع إسرائيل هو الأولوية بالنسبة لها؛ إلاّ أنّ لها برنامجها المحلي. فخلال المحادثات التي جرت مؤخراً لمناقشة وقف إطلاق النار؛ طالبت حماس بمكانة سياسية تتماشى مع الدعم الشعبي الذي تحظى به. وفي حال اتخذت حماس جميع الخطوات المطلوبة من أجل إنهاء العنف؛ ينبغي النظر في خيار إعطائها دوراً سياسياً رسمياً، وذلك عبر تسوية الملعب السياسي الفلسطيني من خلال الانتخابات أو أي ترتيبات أخرى لتحقيق المشاركة في السلطة، لكي تتمكن حماس من السعي لتحقيق برامجها الاجتماعية والسياسية سلمياً كحزب إسلامي في إطار من التعددية السياسية"، كما ورد فيها.

جذور "التغيير والإصلاح" وخلفياته

ولم يكن اسم "التغيير والإصلاح" الذي اختارته "حماس" لقائمتها البرلمانية لتخوض به الانتخابات، جديداً في أدبيات هذه الحركة، التي تؤكد أنها مارست التغيير داخليا قبل أن تنطلق به لتمارسه في الشارع لتصل به إلى البرلمان. إذ يعتبر الدكتور محمود أبو دفة، أستاذ أصول التربية في الجامعة الإسلامية بغزة، أنّ الشيخ ياسين هو قائد التغيير الفاعل في جميع النواحي العقلية والنفسية والإدارية والنفسية، مشيراً إلى أنّ مؤسس حماس بدا وهو يتحدث عن تطلعاته في التغيير موضوعياً منطقياً حينما تفهم ظروف وإمكانات الشعب الفلسطيني، وراعى واقع الأمة العربية والإسلامية في ظل أنظمة الحكم الحالية.
وقال أبو دفة، في دراسة له بعنوان "منهج الشيخ أحمد ياسين في التغيير- المفاهيم والممارسات"، أنّ مؤسس حماس، "سار في منهجه التغييري في اتجاهين يكمِّل بعضهما الآخر، حيث اهتم بإصلاح واقع الناس عموماً وتعديل أنماط سلوكهم وقيمهم، كما ركّز على التربية والبناء لعناصر الحركة الموكل إليهم مهام تغيير الواقع بكل أبعاده".
وعلاوة على ذلك؛ فإنّ الشيخ أحمد ياسين أولى اهتماماً ملحوظاً ببناء المؤسسات الاجتماعية، والتعليمية والثقافية التي تقدم الخدمات للجمهور دون تمييز بينهم، ما شكل بالنسبة لبرنامج التغيير قاعدة جماهيرية داعمة لبرنامج المقاومة ومعززة لصمودها، كما يرى أبو دفة في قراءته.