عاجل

البث المباشر

المفكر الشيعي إياد جمال الدين:العراق مهيأ لولاية الفقيه والميلشيات تحكمه

العنف المتبادل يلاحق عبد الحسين وعمر.. والمذاهب تتحول لأحزاب

قضى المفكر العراقي الشيعي إياد جمال الدين 16 عاما في قم الإيرانية، يتفقه في علوم الدين والفلسفة، لكنه خرج منها عام 1995 بعمامة على رأسه وفكر ليبرالي في عقله يدعو لمناهضة ولاية الفقيه وإقامة دولة علمانية بعيدة عن تدخل المرجعيات، ومشددا بشكل دائم على أن "الإسلام يحمل روحا ديمقراطية وليبرالية تتفوق على الموجودة في الغرب، إلا أن هناك من أراد تفسير الإسلام وفق مشيئة الحكام".

ومع تصاعد أعمال العنف في العراق، وتحذير الخبراء والمراقبين من نشوب حرب طائفية في بلاد الرافدين، برز صوت إياد جمال الدين كمفكر شيعي، من مدينة النجف، ينشر أفكارا ليبرالية ويدعو لفصل السياسة عن المرجعيات الدينية وتدخلها فيها.
وفي حوار مع "العربية.نت"، قال إياد جمال الدين إن الميليشيات هي التي تحكم العراق اليوم وتسيطر عليه أكثر من الجيش والحكومة المنتخبة، لافتا إلى أن بلاده لا تزال مفتوحة على احتمالات عديدة منها قيام حرب طائفية أو نشوء دولة ولاية الفقيه، ومحذرا من تحول المذاهب الإسلامية في العراق إلى أحزاب سياسية.
وأشار جمال الدين إلى انتشار ثقافة العنف في العراق والتي طالت حتى النساء والحلاقين وحاملي أسماء "عبد الحسين" و "عمر" واصفا إياه أنه "عنف متبادل" وناجم عن عزل العراق عن العالم على مدار عقود طويلة.

ميلشيات تحكم العراق

وجمال الدين، العائد إلى العراق من رحلة محاضرات في جامعات غربية، يطرح تساؤلا أمام السياسيين العراقيين تحت قبة البرلمان: "العراق إلى أين؟ هل هو ذاهب إلى حرب طائفية أم وحدة وطنية؟".
يقول: "توجد تمنيات بالوحدة الوطنية لكن القراءة الدقيقة للواقع العراقي بعيدة عن ذلك لوجود ميليشيات مسلحة في كثير من مناطق العراق لا بل نتسطيع القول إن الميلشيات تسيطر على العراق ولا يسيطر عليه الجيش الوطني ولا الشرطة الوطنية، وقوة هذه الميلشيات في مناطقها أقوى من أجهزة الدولة بكثير تنظيما وتسليحا وحتى عقيدة قتالية وهنالك تمرد مسلح في بعض المناطق".
لكن "منظمة بدر تقول إنها تحولت إلى جماعة سياسية ولم تعد فيلقا مسلحا"، سألت "العربية.نت". ويجيب إياد جمال الدين، عضو البرلمان العراقي، أن "هناك ميلشيات معروفة في الوسط السني والشيعي والكردي، وتغيير الاسم لا يعني تغيير الواقع، وهذه ميلشيات موجودة وعلينا أن نعترف بحقيقة وجودها ونعالج المشكلة وتغيير الاسم من فيلق إلى منظمة مدنية لا يغير الواقع، والذي يحافظ على وحدة العراق هو الدولة العراقية الوطنية بمؤسساتها المدنية والعسكرية والعقبة الرئيسية أمام نشوء الدولة وقوتها وجود الميلشيات". كما يشدد على أن هذه الميلشيات صارت أقوى من الحكومة المنتخبة وقد تقود إلى حرب طائفية.

العراق نحو ولاية الفقيه ؟

ولا يخفي إياد جمال الدين تدخل المرجعية الشيعية في الحياة السياسية العراقية، محذرا من تحول المذاهب الإسلامية في العراق إلى أحزاب وداعيا إلى قيام دولة علمانية. يقول: "طالبت في أول يوم بعد سقوط النظام بضرورة قيام دولة علمانية في العراق، وذلك لأن مفهوم الدولة الحديثة هو مفهوم الوطن الحديث ودولة المواطنة وهو مفهوم لا ينفك عن العلمنة".
ويستطرد: "هناك تدخل من المرجعية ولا يمكن أن نخفي ذلك وهذا منحى في العراق لتحويل المذاهب لأحزاب سياسية ونحن نعلم جميعا أن المسلمين ليسوا حزبا سياسيا وبطبيعة الحال المسلمون في العالم لا ينحون منحى سياسيا واحدا فالشيعة ليسوا في منحى سياسي واحد ولا السنة أيضا، الشيعة فيهم القومي والبعثي والشيوعي واللبيرالي والإسلامي، وكذلك السنة، وبالتالي ربما هذه المساعي التي ربما تكون غير مقصودة في طريق تحويل المذاهب إلى أحزاب بحيث تتحول كل طائفة إلى حزب سياسي ديني وتكون المرجعيات الدينية في هذا الطرف وذاك هي القيادة الدينية ونحن ننبه ونحذر إلى خطورة هذا الأمر على العراق وعلى كل منطقة الشرق الأوسط بل على السلم العالمي. نحن شيعة ونفتخر بذلك والسنة يفتخرون أنهم سنة وهذه انتماءات لا يمكن الغاؤها ولكن لا يمكن أن نعيد إنتاج المذاهب في أحزاب سياسية".
ويحذّر إياد جمال الدين (45 عاما) من قيام دولة ولاية الفقيه في العراق، لافتا إلى أن الأجواء مفتوحة على كل الاحتمالات إن لم يبادر العراقيون إلى تصحيح المسار السياسي في العراق.
وقال "كل القوى السياسية تطالب بقيام حكومة وحدة وطنية لكن الخلاف في مفهوم الوحدة الوطنية، حيث مثلا أعضاء الائتلاف الشيعي وجبهة التوافق السنية يفسرون الوحدة الوطنية أنها وحدة المذاهب أي الشيعة والسنة والكرد أي وحدة المكونات الاجتماعية وهذه دعوة للتقسيم، إلا أنني أرى أن الوحدة الوطنية هي وحدة المكونات السياسية".
ويتابع "هناك مسعى للسير في خطى لبنان الذي عمره 7 آلاف سنة ولم يحدث فيه حرب أهلية إلا بعد أن كتب دستوره الحديث منذ خمسين سنة الذي أسس للطوائف وهو دستور طائفي، بينما دستور العراق يخلو من هذا الأمر ولكن المسار السياسي السيء يؤسس للطائفية، وعندما يحصل استقطاب طائفي ويتحول الشيعة إلى حزب سياسي سيكون دينيا وبالتالي سوف تظهر النظريات الدينية المعروفة مثل ولاية الفقيه".
ويسهب متحدثا عن ولاية الفقيه ويوضح : "أناهض دولة ولاية الفقيه لأنني أحمل الفكر الشيعي السابق على ظهور الخميني، حيث كل فقهاء الشيعة لا يعتقدون بولاية الفقيه، وإنما فقط الخميني ومن والاه من الفقهاء، وأكثر من 99 % من فقهاء الشيعة من 16 قرنا وحتى الآن لا يعتقدون بقضية ولاية الفقيه بل يعتقدون أن الحكومة العادلة الإسلامية هي التي تكون بقيادة المعصوم المهدي المنتظر الغائب وبالتالي يقولون نحن في عصر الغيبة أي غيبة الإمام المهدي المنتظر ولا يمكن الحديث عن دولة إسلامية عادلة وعندما نقول لهم إذن ماذا نصنع في فترة غياب المهدي هل نسكت، يقولون يجب أن تدار البلدان بطريقة العقلاء مثلما يدير العقلاء في سويسرا واليابان بلدانهم دون الادعاء بأن هذه حكومة دينية، لأن الدين شئ مقدس ولا يمكن أن يطبق هذا المقدس إلا المهدي المنتظر المعصوم".
يتابع "هذا التفكير الكلاسيكي الطبيعي لدى الشيعة استمر إلى أن ظهرت المرحلة الخمينية التي تشارك إلى حد بعيد الفكر السياسي السني المعروف منذ 14 قرنا وهو ضرورة قيام دولة إسلامية وأنا لم آت بشئ جديد، وإنما أمشي على خطى الفقهاء السابقين، وبالتالي هذه علمانية دون أن ينطقوا بهذا المصطلح".

الإسلام والديمقراطية

وعن رؤيته لموضوع الديمقراطية والإسلام، يؤكد إياد جمال الدين أن "الإسلام قابل لكل التفسيرات وهنالك أبيات شعر رائعة لجلال الدين الرومي يتحدث فيها عن الناي ويقول استمع إلى الناي كيف يشكو ألم الفراق عندما يحن إلى مزرعة القصب التي قطع منها، ويقول الناي إنه صديق المسرورين بفرحهم وصديق الحزانى بأحزانهم والمسرور يظن أنني أتحدث عما في قلبه والحزين يتصور أنني أتحدث عما في قلبه ولكني في الحقيقة أتحدث عما في قلبي".
ويتابع "أغلب تفسيرات الأديان سواء كانت الإسلام والمسيحية أو اليهودية هي تفسيرات انطباعية، بمعنى أن الإنسان الدموي يفسر الإسلام أنه دين دموي كما هي حال الحركات المتطرفة عبر التاريخ الإسلامي، والمعتدل يفسر الإسلام أنه معتدل، وللأسف التفسير السائد -ولا أقول حقيقة الإسلام- ينحو منحى التفسير السلطوي للإسلام الذي يدعم سلطة الحاكم الديكتاتور، أي وجود تفسير سلطوي للإسلام يتناقض مع الديمقراطية".
ويشير إلى "تفسير آخر ينسجم مع الديمقراطية والليبرالية مثل تفسير جلال الدين الرومي بل هو أكثر تطورا من الليبرالية الموجودة في الغرب، عندما يقول إن الأساس في الوجود هو الإنسان وأن كل ما خلقه الله هو لخدمة الإنسان وحتى الدين جاء لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة الدين، والإنسان ليس لخدمة النظرية وإنما النظرية لخدمة الإنسان، وقطب الوجود هو الإنسان، وهناك أحاديث نبوية تشير إلى ذلك".

عنف يلاحق عمر وعبد الحسين

وعن انتهاكات حقوق المرأة وعمليات العنف الطائفية التي وصلت حد استهداف من يحملون أسماء مثل "عمر" أو "عبد الحسين" في العراق، يرى جمال الدين أن "ثقافة العنف سادت العراق خلال الحكم المستبد، وخلال 25 سنة من الحروب المتواصلة، لم يعرف العراقيون سفرا أو اتصالا مع العالم ولم يسمعوا إلا اناشيد الحرب والجثث التي تصلهم يوميا من جبهات القتال فسادت ثقافة العنف الديني التي ترافقت مع حملة إيمانية قام بها صدام بعد غزوه الكويت وحلت محل الثقافة العراقية العادية، وكل ذلك من إنتاج الفكر الصدامي بعد غزو الكويت، ولذلك صار هناك عنف ضد المرأة وكرة القدم والحلاقين وقتل من يحملون اسم عمر وعبد الحسين وهو عنف متبادل".
وعلى صعيد عراقي آخر لا يستبعد إياد جمال الدين وجود مافيات عراقية للنهب ليس من مصلحتها أبدا أن تنشأ ديمقراطية في البلاد. ويوضح: "الديمقراطية الوليدة بحاجة دائمة إلى قوة تحميها والديمقراطية قد تنتج أنظمة مؤسسات كما هي في السويد وسويسرا، وقد تنتج أنظمة مثل فنزويلا أو كولومبيا أو البرازيل وضعت نخبا من سياسيين واقتصاديين فاسدين، ونحن الآن في مرحلة انتقالية حرجة جدا ورثنا عصرا طويلا من الديكتاتوريات المستبدة ونحن في عراق منفتح على كل الاحتمالات يمكن أن ينتج ديمقراطية فيها مؤسسات، ويمكن أن ينتج ديمقراطية على شاكلة أمريكا الجنوبية، وهناك الآن أخطاء ونوايا سيئة وصراع حقيقي نحو إما بناء دولة مؤسسات أو تحول البلاد إلى مافيات سياسية واقتصادية فاسدة".
وقال "لو انسحب الأمريكيون في هذ الوقت ستحصل كارثة في العراق، ولا نفكر بذلك الآن، كانت بعض القوى تطالب بذلك عندما كانت خارج العملية السياسية ولكن أنا مطمئن بعد أن انخرطوا في العملية السياسية سوف يتخلون عن لغة الشعارات ويتكلمون بلغة الواقع، لأن الانسحاب الأمريكي لا يجوز أن يكون قبل بناء الجيش والأمن وإنهاء دور الميلشيات".