السيد عربي: حكاية مصري بسيط متشائم من الواقع ويحن لـ"النكسة"

"بائع الورد" الذي عبّر عن أدق المراحل بالتاريخ العربي

نشر في:

لعل الصدفة وحدها جعلت من "بائع الورد" لا غيره، شاهدا - على الشاشة -، وإلى حد ما على أرض الواقع، على مراحل بالغة الحرج في التاريخين المصري والعربي. وعوض التطواف على الحسناوات والعاشقين، من أجل بيع الأزهار، أصبح بائع الورد، "السيد عربي" الذي يرصد مرحلة الثورة، ومرحلة الحرب، والهزيمة، ثم النصر.

وخلف "السيد عربي" الذي رآه مشاهدو قناة "العربية" في الحلقات التي حملت اسمه، "أيام السيد عربي"، شخصية من لحم ودم. أضحى السيد عربي بنظر الكثيرين بعد أن رأوه على الشاشة، مرآة شعبية، ونبضا صادقا من الشارع، يعبر عن زمان عربي، التحمت فيه الانكسارات بالانتصارات، والهزيمة باليقظة. درويش عبدالسلام درويش، لم يعد هو ذاته المصري البسيط الذي كان يبيع الورد على أرصفة القاهرة.
فقبل تجسيده شخصية "السيد عربي"، لم يرق إيمان درويش بـ"العروبة" و"الأمة العربية"، ما بلغه حاليا. وربما كان الزميلان أحمد حسني، كاتب النص، وصاحب الأداء الصوتي في حلقات "السيد عربي"، وأحمد خضر، مخرج الحلقات، محظوظين في العثور على درويش. يقول المخرج أحمد خضر لـ"العربية.نت" إنه والإعلامي أحمد حسني فكرا في تحقيق تاريخي يتخذ "خطا دراميا".
وخطر لهما في البدء أن يطلقا على مشروعهما اسم "الحاج محمد"، لكن الاختيار قرّ أخيرا على "السيد عربي"، لشمولية الاسم ودلالاته. ويؤكد خضر أن درويش الذي جسد "السيد عربي" معروف لدى عدد من المخرجين الشبان في القاهرة. وكان مجدي فاروق المخرج في قناة "العربية"، أرسل له صورا لدرويش، لمعاينة هذه الشخصية.
"هو في نظري معبر تماما عن شخصية المصري البسيط" يقول خضر، قبل أن يضيف بأن فريق العمل، أشتغل منذ يونيو 2004 وإلى غاية 7 أكتوبر 2005، اليوم الذي بدأ فيه المونتاج، على كل صغيرة وكبيرة في الحلقات. وحرص فريق العمل على اختيار البيت الذي جرى فيه التصوير، والأثاثات، وحتى أجهزة الراديو، لتلائم كل فترة على حدة.
ويؤكد خضر أن "السيد عربي"، هو شخصية فانتازية ليس لها عمر، وهي تمثل الشعب في مراحل مختلفة، فهو أيّد الثورة حين اندلاعها في 23 يوليو 1952، و"عاتب" الملك فاروق، وانتقد عبدالناصر، وآزره في الحرب، وطالب بمحاسبته على النكسة، وعاد ليهتف ببقائه.
أما (عم درويش، بياع الورد)، كما يعرفه ويعرّفه زبائنه بالعامية المصرية، فقد ولد في محافظة الشرقية في 1-6-1960، وانتقل بعد وفاة والده في 1967، بعد "النكسة" بأربعة أشهر، للعيش مع عمه في القاهرة. ومنذ ذلك الوقت، أضحى "السيد عربي" من المقيمين بصفة دائمة في العاصمة المصرية.
لكن بائع الورد، لا يبقى في القاهرة ليلا، إذ يعود أدراجه إلى الشرقية، إلى حضن أولاده وزوجه. يبدأ "عم درويش" عمله في العاشرة صباحا، لينتهي في التاسعة مساء، وربما يقصد مقهى شعبيا للالتقاء بأصدقائه أحيانا. ولا ينكر "السيد عربي" أنه أضحى مشهورا بعض الشيء بعد بث الحلقات على قناة "العربية".
وكان له محل لبيع الورد في شارع شامبليون وسط القاهرة، إلا أنه أزيل بأمر من محافظ القاهرة قبل 20 عاما، ليتجه "بائع الورد" إلى عرض بضاعته على الأرصفة. ويقول "السيد عربي" لـ"العربية.نت" إن الاختيار وقع عليه لتجسيد هذه الشخصية، لأنه قريب منها. ويذكر أنه في يوم النكسة (5-6-1967)، كان في قريته في محافظة الشرقية، وسمع بالهزيمة من الإذاعة. كان الجميع، أسرته، والجيران، في الجرن - حوش واسع تجمع فيه المحاصيل - يتحلقون حول الراديو.
لم يكن "السيد عربي" بعيدا عن الحرب، فمدرسة "بحر البقر" التي قصفها الطيران الإسرائيلي في 1969، كانت قرب قريته، وكان قادرا على سماع أصوات الضرب والقصف طيلة أيام حرب الـ 67. بعد الحرب، ذهب السيد عربي إلى القاهرة، للالتحاق بالمدرسة، ولم يشرع في بيع الورد إلا في عمر الـ 17 عاما.
ولا ينسى "السيد عربي" حرب 1973، حيث كان ولدا عمه جنديين فيها. أحدهما كان ضابطا بالجيش المصري، والآخر مجند. يذكر درويش أن ابن عمه المجند عاد في أحد أيام تلك الحرب ملطخ بالدماء، فيما كان الجميع مشغولين بسماع الأخبار من التلفزيون والإذاعة.
ويشعر "السيد عربي" بأنه استعاض كرامته وأرضه في 1973، لكنه لا يحس بوجود ثمة "سيد عربي" حاليا، حتى هو. "أنا للأسف مقيد، في الماضي كان الكثيرون يمثلون السيد عربي، أما الآن فلا يوجد أحد". ويشير السيد عربي إلى أن الزمن الماضي كان أجمل، حتى زمن النكسة 1967 الذي يحنّ إليه.
ويوضح السيد عربي بأن مهنته كبائع للورد زادت في وعيه بالأحداث والقضايا، كونه يتعامل مع الكثيرين من مختلف الطبقات والأعمار والمستويات الثقافية. ويقول إن من بين أصدقائه المقربين الذين تعرّف عليهم من خلال عمله كبائع للورد، الرسام والكاريكاتيرست المصري، جورج بهجوري.
ويبدو أن هذا الزمان، لا يروق لدرويش كثيرا، فزمن النكسة، وزمن عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، والثورة، على الرغم من انكساراته، كان مملوءا بالحب الإنساني، بحسبه، ومدعاة لبعث الأمل. "ليس ثمة سيد عربي حاليا"، يقول درويش لـ"العربية.نت"، مضيفا بأن إفشاء السلام، حتى إفشاء السلام، ما بات عادة بين الناس.
ويتمنى درويش لو يصبح بالفعل "السيد عربي"، لافتا إلى أنه يحس بألم شديد جراء ما يحدث في فلسطين ولبنان. ولا يتواني السيد عربي عن القول إنه متشائم إلى أبعد الحدود، فـ"كل شيء تغيّر، والتغيير مسّ حتى الفنون، فما عاد هناك فن جميل كالسابق"، و"أنا أمنع أبنائي من مشاهدة الأغاني على الأقنية الفضائية، لإحتوائها على مشاهد مؤذية". ويشير مخرج الحلقات، أحمد خضر إلى أن حكاية السيد عربي تبدأ في 1942 وتنتهي في 2005، وأن هناك تفكيرا في ادراج حرب لبنان الأخيرة ضمن مشاهدات وشهادات السيد عربي. ويؤكد خضر وأحمد حسني أنهما لم يألوا جهدا في إنضاج العمل من الناحية الوثائقية بشهادات مؤرخين وباحثين يعتد بشهاداتهم، يعكسون وجهات منظر مختلفة حيال الأحداث، ليكون العمل حياديا.
ويوضح خضر لـ"العربية.نت" بأن العمل يمزج بين الفيلم الوثائقي والدراما، وأن القصد أن يكون السيد عربي أقرب إلى الحقيقة. ويقول خضر إن درويش لم يكن يعلم أن التصوير والعمل الذي شارك فيه، سيوظّف بهذه الطريقة في "السيد عربي"، لكنه – درويش – عبر أيضا عن مشاعره حيال قضايا وأحداث كثيرة.
يشار إلى أن الأداء الصوتي في "السيد عربي" كان للزميل أحمد حسني، الذي لم يكتف بمجرد أداء صوتي، كما يشير المخرج أحمد خضر، وإنما تعداه للتمثيل من خلال مراقبة انفعالات السيد عربي وملامح وجهه، ومن ثم تركيب الصوت عليها.
ويجزم حسني وخضر بأن السيد عربي كان قريبا جدا من نبض الشارع، وتأثره بالأحداث، وأنهما خلقا هذه المعادلة من خلال استمزاج آراء شخصيات عاصرت الأحداث، وأختلفت حولها اختلافا كبيرا. يجدر بالذكر أن حسني وخضر أنتجا لـ"العربية"، "قمم العرب" من 3 حلقات، و"رياح الإصلاح" من حلقتين.