.
.
.
.

مدير "العربية": هناك دعاية ضدنا هدفها اغتيال الشخصية

وصف السياسة القطرية بـ"حالة الشيزوفرينيا" والازدواجية

نشر في:

وصف المدير العام لقناة "العربية"، عبدالرحمن الراشد السياسة القطرية بالازدواجية والتناقض المريع وحالة الشيزوفرينيا والتدجيل السياسي غير المبرر التي يعيشونها، غير أنه اتفق مع تلك السياسة في التوجه التحرري التحديثي، وقال الراشد إن كتّاب الانترنت يختلقون الأكاذيب حوله.

وفي حوار مطول أدلى به للزميل عبدالعزيز محمد قاسم، ونشرته صحيفة "المدينة" السعودية الجمعة 3-11-2006، دافع الراشدعن سياسة صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، ووصفها بأنها أقوى الصحف العربية على الإطلاق، ونفى أن تكون الصحيفة، صنيعة للأجهزة الأمنية. وبخصوص "المصطلحات" التي تستخدمها قناة "العربية" في توصيف بعض الأحداث، مثل الحرب الإسرائيلية اللبنانية، والعمليات الفدائية في إسرائيل، قال: "هذه المسألة قُتِلت فيها سباً واتهاماً".
وزاد: "هناك دعاية ضدنا هدفها التشويه واغتيال الشخصية. هناك أشخاص مهووسون ليس لهم همّ إلا ملاحقتي، وأحدهم مدرس جامعة وهو مريض نفسياً. أي إنسان ينشغل بقضية واحدة، أو يتفرغ لمهاجمة شخص واحد لمدة طويلة، لابد أنه شخص مريض، وكل ما أقوله عنه: (الله يعينه على نفسه). أنا شخصياً أشعر بالرضا عندما أُستهدف؛ لأن ذلك يزيد من حضوري".
وفيما يلي نص الحوار
- أشكر لك تفضلك بالموافقة على أن تكون ضيفًا في (مكاشفات).. بصفتك رجلاً عملت في مجلة (المجلة) و لاحقاً في صحيفة (الشرق الأوسط). أود تسليط الضوء على هذا؟- كنت أسمع نقداً حاداً ضد صحيفة (الشرق الأوسط) ، لكني داومت أيضا على تصفحها كل صباح في واشنطن. علاقتي بـالخضراء بدأت قبل التحاقي بالعمل فيها. كان لي فيها رأي سلبي جزئياً بحكم ما أسمعه عنها من أنها صنيعة أجهزة امنية. بكل أسف كنت ضحية هذا الكلام. لذا أتفهم عقلية من يسمعون مثل هذه الأحاديث اليوم. فالمجتمع العربي مريض بالأكاذيب والكثير فيه من التزوير في ما يشاع ويذاع، ولتشرشل مقولة ذكية: « إن الإشاعة تكون قد وصلت إلى نصف العالم قبل أن تلبس الحقيقة ملابسها».- من خلال هذا الحديث أنت تنفي أن (الشرق الأوسط) صنيعة الأجهزة الأمنية؟- نعم. أنفي ذلك تماما. العمل في صحيفة (الشرق الأوسط) عمل صحافي حقيقي وهي مؤسسة محسوبة مداخيلها تجارياً ونشاطاتها مهنية. لكن لا تنسَ أن السعودية أيضا هدف دائم لأجهزة الإعلام المضادة الأخرى من ناصرية وبعثية ومعادية أخرى، ومن الطبيعي أن الحكومة السعودية كانت ستؤيد حتماً وجود مؤسسة إعلامية قوية. وهو أمر تحدث عنه السيد هشام حافظ -رحمه الله- بصراحة لكن الأكيد أيضًا أن السيدين هشام ومحمد حافظ كانا صحافيين في الأساس. ليس لدي شك في أن المهنة لا التبعية السياسية وراء نجاح المؤسسة، وكانا صحافيين من أول يوم. الحكومات تدعم مؤسساتها الكبرى ولابدّ أن الحكومة المصرية كانت تدعم صحيفة (الأهرام)...- أودّ التوقف معك هنا. قد يشعر القارئ عندما يقرأ كلامك هذا بنوع من التناقض أو عدم الفهم. ليتك توضح بشكل أكبر.- لم يكن لها علاقات بأي جهاز كان، بل كانت صحيفة مهنية صرفة. أدّعي أنني عرفت الأمير أحمد بن سلمان -رحمه الله- والسيدين هشام ومحمد والثلاثة كانوا ناشري مؤسسة جريدة الشرق الأوسط. عرفتهم معرفة جيدة وكل المرتبطين بالمؤسسة. لم يحدث - ولو من باب الصدفة - أن رفع أحدهم السماعة، أو واجهني بحديث عن أية أجهزة أمنية كانت. لا تنسَ أنني عملت في الصحيفة خلال أوقات عصيبة، ومن الطبيعي أن تكون هناك اتصالات سياسية، لكنها لم تكن قط أمنية، والاتصالات السياسية موجودة مع حكومات عربية عديدة بحكم طبيعة الوظيفة. وقد شغلت رئيس تحرير (المجلة) في عزّ الحرب الإيرانية العراقية. وكنت رئيس تحرير (الشرق الأوسط) أيام حرب الكويت وما تلاها من أحداث. كلها كانت سنوات مضطربة أمنياً وعسكرياً وسياسياً. لم يحدث - ولو لمرة واحدة- أن اتصل بي أو بأحد من الزملاء أحد منسوبي الاجهزة الامنية. هناك إعلاميون كبار من غير السعوديين مثل عماد الدين أديب (مصري)، وجهاد الخازن (فلسطيني)، وعرفان نظام الدين (سوري).. أداروا الصحيفة وهم يعملون اليوم خارجها وتمكن مساءلتهم. ربما تقابلوا مع أجهزة أمنية في مناسبات عامة لكنهم لم يكونوا يتلقون توجيهات أمنية. لكن إذا كنت تقول إن (الشرق الأوسط) خدمت السياسة السعودية، أجيبك بمنتهى الوضوح: نعم بالتأكيد خدمتها، والحقيقة أنها مسألة سهلة، لا يحسّ المتعامل معها بأي حرج، وأنا أقولها لك بكل أمانة: أي شخص منصف متابع للسياسة السعودية على مدى أربعين أو خمسين عاما سيلاحظ ذلك. السياسة السعودية ثابتة معتدلة لا متقلبة محرجة.إذا راجعت خُطب الملك فيصل -حتى في ذروة خلافه مع عبد الناصر - تجد أنه رجل محترم يستخدم مع خصمه لغة خطابية راقية. بالمقابل إذا راجعت خُطب عبد الناصر، تجدها لغة بذيئة وشوارعية مثل خُطب صدام حسين.
أنت كصحافي عندما تكون سياسة بلادك معتدلة، ولغة رئيسك محترمة لن يوجد لديك حرج في الدفاع عنها. أما إذا كان رئيسك (بلطجيًا) وتنتمي لدولة غازية أو مؤذية تكون سياساتها صعبة للصحافي؛ لأنه لن يستطيع الدفاع عن بلاده ولا عن رئيسه بأمانة.
السياسة السعودية كانت -ولا زالت- سياسة محترمة من السهل الدفاع عنها. الملك فيصل في وقت خلافه مع عبد الناصر وقف معه في مؤتمر الخرطوم. الملك فهد لم يقل كلمة شخصية سيئة بحق صدام حتى عندما دخلت الدبابات العراقية داخل الحدود السعودية وحاربتها في الخفجي عام 1990م. الملك عبد الله فوجئ عندما ذهب إلى الولايات المتحدة لمساندة الفلسطينيين أن أبو عمار قد اشتكى السعودية للرئيس الأمريكي، ومع هذا وقف إلى جانبه في أيام حصاره. المشكلة تحدث للصحافيين عندما تكون سياسات بلادهم الخارجية خرقاء وقادتهم حمقى. كله موثق. نعم تواجهنا إشكالات في الرؤى المختلفة، وهذه محل نقاش دائم.. نكسب أحيانًا، ونخسر في أحيان أخرى.

السعودية أيضا هدف دائم لأجهزة الإعلام المضادة الأخرى من ناصرية وبعثية ومعادية

شراء الذمم

- ما تقوله نوع من التوثيق الصحافي الذي سوف يُرصد في كتاب ويبقى للتاريخ. هل قامت (الشرق الأوسط) بشراء ذمم بعض الكُتَّاب العرب للكتابة لصالح السعودية وقضاياها أو لمهاجمة بعض الأنظمة السياسية؟ - هذا نوع من التعامل كانت تقوم به دول مثل العراق وغيرها في لستينيات، المشكلة في استخدام كلمة ذمم. (الشرق الأوسط) وبقية الدور الصحافية السعودية مثل (الحياة) وغيرها لديها ميزة أساسية هي أنها مؤسسات خاصة لا حكومية. سياسياً لا يُطالب العربي عندما يعمل فيها بالتبعية حزبياً أو سياسياً، ولا يُحاسب على مواقفه المستقلة خارج عمله. عندما وقع الصدام الكبير مع العراق، العديد من الصحفيين والكُتَّاب تركوا المجلات العراقية؛ لأنها كانت تحاسبهم على مواقفهم الشخصية، وتطالبهم أن يكتبوا بشكل واضح مع خطها الرسمي ضد السعودية. أما (الشرق الأوسط) فلم تطلب من أحد أن يكتب مسانداً لم يرغب في أن يفعلها بذاته. استكتبت صحفنا أشخاصاً على خلاف مع المملكة، وقد لا تجد في كتاباتهم بعد انضمامهم كلمة ثناء واحدة. فهمي هويدي الذي استكتبته في مجلة (المجلة)، ولاحقاً في (الشرق الأوسط) لا يزال يقف مع غيرنا منذ الثمانينيات وحتى هذا اليوم.
لا أذكر أنني طلبت منه أن يكتب مقالاً واحداً يثني فيه على السياسة السعودية، وهو لم يفعل. هذا دليل حيّ وموجود، وأنا أعتز بمثل هذا الاحترام رغم خلافي معه في كل شيء تقريباً.
أعتز كذلك بالقوميين والبعثيين والإسلاميين الذين عملوا معي في (المجلة) وفي (الشرق الأوسط)، ولم يحدث أن طلبت من أحدهم أن يغيّر موقفه السياسي، أو رجوت منه كتابة مقال مؤيد للسعودية، بل لعلمك سبق أن ألغيت مقالات لصحافيين عرب؛ لأن فيها نفاقًا للسعودية؛ أحدهم لا يزال حيًّا كتب مقال مدح في الأمير سلمان لـ (المجلة) ورفضت نشره، فذهب واشتكاني للأمير سلمان الذي وقف معي ودافع عن رأيي. هذا الكاتب كان حسن القصد بالفعل، لكني لم أنشر مقاله لأني أعرف الأمير سلمان وعدم رغبته في مقالات تمدحه.

أعتز بالقوميين والبعثيين والإسلاميين الذين عملوا معي في (المجلة) وفي (الشرق الأوسط)

ما لايجوز نشره

- فيما سبق تحدثت بإسهاب عن سياستكم التي اتبعتموها في صحيفة (الشرق الأوسط )، بيد أنني لا أملك إلا أن أنسفه وأدفعه بما قالته الكاتبة الشهيرة منى الطحاوي في مقالتها التي شرّقت وغرّبت. الأخت تشكو من منعكم لها من نقد الحكومة المصرية. هذه كاتبة أسبوعية لديكم تشتكي وتبوح بما يدور في كواليسكم؟- هناك فرق بين أن تحذف أو توقف مقالة من قِبل الصحيفة، وأن تملي عليك كتابة موضوع أو تبني موقف محدد. لم أعمل مع منى الطحاوي، وأعتقد من مقالها أنها كانت منفعلة جداً. ثق أنها ستكتشف في المستقبل القريب كم كانت قاسية جداً ومخطئة تماماً في حق زملائها. ليس في حقي أنا، لأنني الآن لست رئيس تحرير(الشرق الأوسط). أنا واثق أن أحدًا لم يطلب من منى يوماً أن تكتب مقالاً معيناً في اتجاه سياسي محدد، وإذا كان هناك حذف فقد اقتضته نظم النشر المألوفة.
من حق أي صحيفة في العالم أن تمنع نشر مقالٍ ما إن كان يخالف أنظمتها. من حق كل رئيس تحرير أن يرفض نشر ما يعتقد أن فيه مخالفات لضرورات النشر، وهذا حال كل الصحف.. اللهم إلا تلك التي لا تُقرأ، أو لا تخضع لأنظمة، وهي ليست صحفًا بمعناها الكبير، بل منشورات.
في أمريكا وبريطانيا حيث الحرية كاملة بحماية النظام، يُضطرون لمنع نشر أخبار ومقالات لأسباب نظامية غالبًا تحت قانون التشهير والقذف. أما صحفنا فإنها مضطرة للتعامل والالتزام بأنظمة الأسواق التي تباع فيها. لو كانت الطحاوي قد كتبت مقالاً فيه تجاوز على أسس الدين، أو قدح شخصي ضد الرئيس مبارك، وقامت الحكومة المصرية بناءً على ذلك بمنع دخول الصحيفة إلى مصر تكون الصحيفة قد خسرت وجودها في مصر. حتى لو كان النقد ضد شركة تجارية بلا دليل دامغ لغرّمتك المحكمة نحو نصف مليون جنيه إسترليني، وأفلست الصحيفة، وأغلقت أبوابها. دائمًا هناك أسباب وجيهة تضطر الصحف إلى المنع لا علاقة لها برغبات مسؤولي التحرير، بل قوانين تتبعها كل الصحف في العالم.- بإجابتك هذه كأنك تبرّر بطريقة أو بأخرى، وتثبت ما سطَّرته الأخت منى في مقالتها الشهيرة في هيرالد تربيون ما هو تعليقك السريع على هذا؟- ربما يكون ما قالته صحيحًا إلى حدّ ما، لكن عليها أن تتذكر أن المنع ليس خاصًا بـ(الشرق الأوسط)، بل قوانين البلاد نفسها، أما (الشرق الأوسط) ففيها حرية حقيقية نسبيًا أكثر من الصحف العربية الأخرى.. إذا أخذنا في الاعتبار مواقع الطباعة والتوزيع. هناك قوانين ملزمة ومطبقة على كل الصحف العربية. صدقني إذا قلت لك إن (الشرق الأوسط) أكثر الصحف تحرراً إلى حد كبير. أنت ذكرت قطر وتعيّرنا بها.. دعني أقول لك إن هناك صحف ومجلات في لندن مملوكة أو ممولة من القطريين، لم تتحدث لخمس سنوات كاملة عن قطر بكلمة نقد واحدة، رغم العلاقة مع إسرائيل، وإدارة الحروب من قاعدة (العديد). يا أخي عبدالعزيز الحرية في الصحف السعودية أكثر منها في الصحف القطرية. وما عليك إلاَّ أن تقرأ (الراية)، أو (الشرق)، أو (الوطن) القطريات وتقارنها بصحيفة (المدينة) أو غيرها من الصحف السعودية.
إذا كانت هناك صحيفة مغربية أو كويتية أو لبنانية، وتُطبع في مصر مثلاً ، فإنها مضطرة للالتزام بقوانين النشر في مصر. الأخت منى اتهمت (الشرق الأوسط) بالالتزام بقوانين النشر في هذه الدول، وهذا منطقي ولا خيار فيه. ومع هذا، الحرية المتاحة لـ(لشرق الأوسط) كبيرة؛ لأن لها وزنًا كبيرًا مقارنة ببقية الصحف العربية، وعندها هامش حرية أكبر مما تعرفه منى الطحاوي في الصحف العربية الأخرى، وأعتقد أن الإخوة في الجريدة يمارسون الحرية بأقصى حدودها، والزميل الأستاذ طارق الحميد أعتقد أنه تحمّل الكثير من كتاباتها وغيرها من الكتَّاب، والهجوم عليه من مبغضين أو حاسدين وهو موقف يُقدَّر له.
هي ككاتبة مبتدئة لا تدرك ذلك لأنها لم تعمل من قبل في صحيفة، والحقيقة أن (الشرق الأوسط) هي التي أعطتها هذه الفرصة للتخاطب مع القرّاء العرب، وأتذكر أن الزميل بكر عويضة الذي كان مشرفًا على صفحات الرأي هو من انتبه لمقالاتها بالإنجليزية في صحف أمريكية، اتصل بها وطلب منها الكتابة بحيث تترجم إلى العربية. جاءت منى من نيويورك بتجربة أمريكية، وهي غير مدركة لأبعاد الحركة الإعلامية العربية وحدودها. (الشرق الأوسط) بما ذكرته في لائحة الاتهام المقدمة من الأخت منى الطحاوي في مقالها إن وجدت، فسببها القوانين لا الصحيفة نفسها. وفي ذات الوقت بها قدر كبير من الحريات مقارنة بالصحف العربية، وبها احترام لكُتَّابها، وللمهنة بأكثر مما في بقية الصحف المماثلة، وأتمنى أن أسمع رأيها بعد أن تجرّب صحفاً أخرى.

عبدالرحمن الراشد وقطر

- دعني أتوقف عند فقرة الشأن القطري التي وردت في إجابتك، أو أقحمتها-لا أدري- بصراحة شديدة أستاذ عبدالرحمن: ما هي مشكلتك مع قطر والساسة القطريين؟- إذا رجعت للإنترنت، وبحثت في مقالاتي للأعوام الثلاثة الماضية عن كم مرة وردت كلمة قطر، فسوف تجد أنها لا تزيد على مرتين أو ثلاث لكل سنة، مع مراعاة أنني أكتب في الشأن العام يومياً، وبمعدل 5 مرات أسبوعياً، أي نحو 300 مقال في السنة الواحدة. فأنت لا تستطيع أن تتهمني بالتحامل وأنا لم أكتب عن قطر إلا ثلاث مرات فقط في سنة كاملة. ولو كانت انتقاداتي أسبوعية لجاز لك القول إن لي عداءً معها.
المشكلة أنني انتقدت قطر على وجه صحيح معلوماتياً ومهنياً، وذلك عندما كنت رئيساً لتحرير (الشرق الأوسط)، وهنا حدثت حالة الانتباه. قطر صارت موضوعاً صحافياً لأنها دخلت في حلبة المصارعة السياسية وصار لها رأي، وهذا من حق الإخوان هناك، ولكن عليهم في الوقت نفسه تحمّل تبعات العمل السياسي، وكما نقول بالعامي: «اللي يبي الدحّ ما يقول أحّ». يا أخي طالما أن لديهم سياسة مثيرة للجدل، فمن حقنا أن نجادلهم. هم الوحيدون الذين عندهم مكتب إسرائيلي.. تخيل لو كان هذا المكتب في الرياض أو الكويت أو أبوظبي. ليس معقولاً أن تكون في قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، تُدير كل حروب المنطقة من حصار العراق، إلى حرب أفغانستان! فحرب العراق لعشر سنوات، ولا يكون للناس رأي في قطر، ولا يجوز لنا أن نلاحق أخبارها. أتعهد بأن كل ما كُتبته أنا، أو كُتب في جريدة (الشرق الأوسط) عن قطر كان صحيحاً. لم نفبرك خبراً واحداً.- ألست معي - أستاذ عبدالرحمن - أن قطر في النهاية صغيرة ذات مساحة محدودة، وأنكم كإعلاميين دوليين أعطيتموها هذا الحجم ؟- صغيرة.. نحن نبدّد نصف وقت أخبارنا في الحديث عن لبنان. هل تعلم أن قطر أكبر مساحة من لبنان؟ البحرين تنتقد في كل مناسبة وأحيانًا بلا مناسبة، هل تعلم أن قطر أكبر من البحرين 17 مرة ؟ المسألة لا علاقة لها بالحجم، بل بالموضوع محل النقاش. فالبحرين دائمًا طرف في الأخبار، لكن قطر يتجنب كثير من الصحافيين انتقادها وهذا شأنهم. أعتقد أن على الإخوة في قطر ألاَّ يغضبوا من انتقادهم طالما أنها يلعبون على المسرح. كل من يظهر على خشبة العرض عليه تحمُّل النقد.- برّرت موقفك من قطر، ولكنني كإعلامي رصدت نوعاً من التلازم الدائم بين (الشرق الأوسط) وقناة (العربية)..تشتركان دوماً في كثير من القضايا، ولعل الموضوع القطري نموذج لهذا التلازم. حتى بعد ذهابك من (الشرق الأوسط) ومجيئك لـ(العربية)، هناك نوع من التكامل غير المباشر. أنا لا أدافع عن قطر بقدر ما أُسلّط الضوء على هذه الظاهرة غير المهنية من وجهة نظري..أستاذ عبدالرحمن :هل لازلت تدير (الشرق الأوسط)؟- عندما تقول مهنياً تضع نفسك في زاوية ضيقة. أذكر لي أي موضوع ضد قطر كان غير مهني، المهنية قواعدها سهلة، وهي صحة المعلومة وتوقيتها وحجمها. أنا ككاتب لم أتحدث عن قطر هذه السنة إلا مرتين أو ثلاث مرات على الأكثر وهو أقل من المتوقع. من الطبيعي أن دولة في مثل هذا التورط الضخم أن تُنتقد، فهذا مهنيًا صحيح. المهم أن كل المعلومات التي نُشرت عن قطر صحيحة. للمعلومية هناك أخبار لم تُنشر عن قطر تعمدنا إغفالها حتى لا يأتي عبد العزيز قاسم بمكاشفاته (ضاحكاً) ويقول إنني أفرطت في الحديث عن الشأن القطري. كنت والله أضطر لإلغاء أخبار عن قطر حتى لا نُتّهم، وصدقني الأخبار كثيرة عن قطر، وأحدثها أنها وقَّـعت على بناء مركز للتخلص من النفايات بقيمة سبعمائة مليون دولار، هل يُعقل هذا الرقم لنفايات دولة صغيرة السكان؟ مع هذا تجاوزنا الخبر ولم نعمل منه فضيحة!!

اتفق مع قطر كثيرا ولكن

- بلا مواربة، وبشكل مباشر أستاذ عبدالرحمن..لازلتُ أطرح السؤال: هل لديك موقف شخصي ضدهم؟ لأنني أشعر من خلال تفاعلك وحديثك بشيء ما؟- أنا أتفق مع قطر في أشياء، وأختلف معها في أشياء أخرى. أتفق معهم في توجههم التحرري التحديثي، وأعتقد أنها إمارة موفقة جداً في توجهاتها التطويرية وأساليبها التعليمية التي تديرها الشيخة موزة. بالفعل يوجد عندهم عمل رائع هناك. أما في علاقات قطر الخارجية فأنا أتفهمها؛ هم على حق في خدمة أنفسهم.. مثل علاقاتهم مع إسرائيل، طالما أنهم يعتقدون أن ذلك يخدم مصالحهم، وكذلك على حق في استضافتهم للقاعدة الأمريكية للسبب نفسه. لا أختلف معهم في ذلك.
لكني أخالفهم في الازدواجية في أن يكونوا خليجيين نفطيين، وفلسطينيين ثوريين في الوقت ذاته، أن ينادوا بالحريات ويمنعوا الآخرين من انتقادهم، أن يكونوا أصدقاء لإسرائيل وللسيد حسن نصر الله. هذا لا يمكن. ليس بالإمكان أن تتغدى في إسرائيل، وتتعشى في الضاحية!! هذا تناقض مريع، وحالة شيزوفرينيا، وتدجيل سياسي غير مبرر.- يا أستاذ عبدالرحمن لست قطرياً، وأنا ضد كل سياسياتها الخارجية- برغم إشادتك بعلاقاتها مع إسرائيل فهذه لم تفتني- ولكن التناول الموضوعي المحايد يجعلني أتساءل: ألا تستوعب السياسة، بتعريفها الأكاديمي وممارساتها الواقعية، ما يفعله القطريون بل وتتطلبه أحياناً؟
- لكن هذا كثير جداً. قطر دولة صغيرة جداً، وتتبع سياسة متناقضة جداً. قطر على حق في نظامها التعليمي وحماية مصالحها الإقليمية وعملية التحديث، لكنها مخطئة في حق الآخرين.
- سأعود إلى الاتهام الذي أطلقته حيال التلازم بين (الشرق الأوسط) وقناة (العربية) في موضوعات عديدة. هل تقرّ بوجود هذا التلازم ؟- بالتأكيد، الأخبار أخبار، والسؤال ليس أننا ننشرها و(الشرق الأوسط)، بل لماذا لا تنشرها صحف وتلفزيونات أخرى طالما أنها صحيحة. تخيل وزير خارجية قطر يذهب إلى إسرائيل ولا أحد ينشر الخبر ولا ينتقده، أما عندما يزور وزير إسرائيلي موريتانيا أو تونس تقوم الدنيا ولا تقعد، وتخصص لها برامج حوارية وهجمة إخبارية. أما (الشرق الأوسط) فهي بالفعل بمتابعتها، وكذلك نحن وإياهم نجري وراء الخبر ولا يوجد تنسيق، وربما يكون ذلك بفعل الحبل السري، أي صلة الرحم.

المهنية والمصطلحات

- الحبل السري الذي تتحدث يجعلكما تستخدمان ذات المفردات إلى درجة التطابق؛ في قناتك (العربية) وصفتم العدوان الإسرائيلي بالهجوم على لبنان، ثم تحولت إلى العدوان الإسرائيلي، ثم الاعتداء الإسرائيلي، ثم عدتم إلى الهجوم الإسرائيلي. إذا أسر اللبنانيون جنوداً إسرائيليين تصفون ذلك بالاختطاف، إذا حدث العكس تُسمّون ذلك اعتقالاً. العمليات الاستشهادية في فلسطين تصفونها بالانتحارية، أنتم وقناة (الحرة) فقط. ما يقوم به الفلسطينيون من احتجاج تصفونه بأعمال العنف وعملياتهم بالإرهاب. أما المطحونون تحت المجنزرات الإسرائيلية فتصفونهم بأنهم صرعى، وفي أحسن الأحوال قتلى. هذه المفردات رُصدت من كثير من الإعلاميين ؟- هذه المسألة قُتِلت فيها سباً واتهاماً. أرجو أن تسمح لي أن أرد على الاتهامات الثقيلة. هناك دعاية ضدنا هدفها التشويه واغتيال الشخصية. هناك أشخاص مهووسون ليس لهم همّ إلا ملاحقتي، وأحدهم مدرس جامعة وهو مريض نفسياً. أي إنسان ينشغل بقضية واحدة، أو يتفرغ لمهاجمة شخص واحد لمدة طويلة، لابد أنه شخص مريض، وكل ما أقوله عنه: (الله يعينه على نفسه). أنا شخصياً أشعر بالرضا عندما أُستهدف؛ لأن ذلك يزيد من حضوري.
نأتي لقضية المفردات: العدوان على لبنان على الشاشة، ذكرنا أنه هجوم إسرائيلي وهو وصف دقيق. إذا أردت أن تتخذ موقفاً إمَّّا أن تقول إنه انتقام إسرائيلي، بحكم أن حزب الله اختطف جندياً إسرائيلياً، وإسرائيل ردت عليه، أو تُسمّيه عدواناً، في الحالتين يصبح رأياً. أمَّا الهجوم فكلمة محايدة، وهي الصحيحة مهنياً. لم نقل اعتداء حزب الله من قبل، ولم نقل عدواناً إسرائيلياً، بل قدَّمنا للمشاهد كل المعلومات، وهو يقرر لنفسه، وتركنا لمراسلينا على الأرض حرية الاختيار، ومعظمهم اختار أن يُسمّيه عدواناً أثناء النقل الحي.
- تقول هذا رغم رؤيتكم منظر الأطفال المضرجين بدمائهم في قانا؟!- أنت قبل قليل تحاججني باسم المهنية والآن تنساها. في مهنة الإعلام يجب أن يكون الخبر محايداً والرأي منحازاً. (العربية) مهنية أعطتكم بالفعل خبراً محايداً ورأياً منحازاً. نقول للمشاهدين إن هناك هجومًا إسرائيليًا على قانا، تسبب في مقتل سبعين طفلاً، الأمر واضح، ولا يحتاج منا أن نقول هذا الإسرائيلي مجرم إلاَّ إذا كان المشاهد قاصرًا عقلياً، أو صينياً لا يفهم المنطقة. أعطيتك معلومة دامغة، وأوصلتك إلى نتيجة مؤكدة لهذا الهجوم، لم أكتفِ بذلك، بل قدَّمت للمشاهد المعلقين على الشاشة، وهم يقولون بالفم الملآن: إنه عدوان، وإنها بربرية وهمجية.مخطوف وأسير- أستاذ عبدالرحمن - سبق أن وصفتم ما قام به حزب الله بشأن الجنديين الإسرائيليين بأنه خطف، بينما سمّيتم اختطاف إسرائيل للوزير الفلسطيني بأنه اعتقال؟- وصفته المحطة بأنه أسر، وهي كلمة أكبر من الاختطاف. أسر تعني أن هنالك حالة حرب، وتعطيك الشرعية الدولية أكثر من كلمة اختطاف التي تمارسها العصابات. كلمة أسر أقرب للصواب؛ لأنها حالة حرب.

شهيد وقتيل

- والمطحونون تحت المجنزرات الإسرائيلية تقولون إنهم صرعى أو قتلى؟- كلمة قتلى وردت في القرآن الكريم، الذي وصف بها قتلى المسلمين، وذُكرت في مواضع أكثر مما ذكرت شهيد وشهداء.
ففي سورة آل عمران يقول جلّ وعلا: (ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا). وفي نفس السورة يقول تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم). وكذلك يقول تعالى: (فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقُتلوا لأكفِّرن عنهم سيئاتهم)، وفي سورة النساء يقول أيضًا، (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا)، وها هي صفة القتل تُذكر في القرآن مرة أخرى في سورة الحج: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قُتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا وإن الله لهو خير الرازقين). يا أخي أنا كمدير محطة لا أمنح الناس الشهادة؛ لأن ذلك حق رباني، كما أن القضية معقدة أكثر مما تبدو لك. عندما يقتل إرهابي بريئًا أو مجاهدًا سواء في السعودية أو مصر أو اليمن أو المغرب أو غيرها، نقول عنه قتيل، فلماذا نُسمّيه في لبنان أو فلسطين شهيدًا؟ وقد سمعت كلامًا يُثير العجب في إعطاء الشهادة، حيث هناك من أنكر كيف تقول لشيعي بأنه شهيد، وآخر شيعي يستنكر أن نسمّي السنّي المقاتل في العراق بالشهيد، وهناك قتلى مسيحيون في لبنان وفلسطين وشيوعيون أيضًا. مَن منّا له الحق أن يمنح الشهادة أو يمنعها؟ نحن أهل صحافة فقط.- (ضاحكاً) ما شاء الله تبارك الله..أجمل شيء في هذا الحديث أن يستشهد عبدالرحمن الراشد بآي القرآن، ويحدّد أيضًا سورها، سأترك هذه الفقرة أيضًا من إجابتك للمتداخلين، وما دمنا في هذا المناخ الشرعي الآسر.

عندما يقتل إرهابي بريئًا أو مجاهدًا سواء في السعودية أو مصر أو اليمن أو المغرب أو غيرها، نقول عنه قتيل، فلماذا نُسمّيه في لبنان أو فلسطين شهيدًا؟

تساؤلات حول قناة(العربية)

- يتداول الوسط الإعلامي العربي أن قناة (العربية) أُنشئت أصلاً لمنافسة قناة (الجزيرة) وغير ذلك، ولكنها بمجيئك تحوَّلت لتحسين صورة أمريكا في العالم العربي؟-هذا الكلام معكوس، تاريخياً لم تُنشأ (العربية) للرد على (الجزيرة) لسبب بسيط جداً، قناة (الجزيرة) هي التي أُنشئت للرد على أخبار MBC وكذلك BBC التي كانت مملوكة جزئيًا لسعوديين. كانت أخبار الـ ام بي سي تحتكر سوق الخبر ما بين عام 91 و95 حتى ظهرت الـ بي بي سي. وبحكم الإشكال السعودي البحريني القطري حينها أسست قطر (الجزيرة) لمواجهة الإعلام السعودي. نشرة MBC كانت أهم نشرة أخبار في المنطقة العربية، عُرفت كوجبة إعلامية حديثة لم يعهد الناس مثلها في العالم العربي، ثم ولدت BBC السعودية. وبعد أن تخلّى السعوديون عنها اشتراها القطريون من باب العقدة السعودية، وبعدها أسست قناة(الجزيرة).
لكن من الطبيعي أن تكون هناك محطات إخبارية متعددة مثل (الجزيرة) فالتعدد شمل محطات فيلمية وغنائية ودينية. قناة (العربية) لم تُؤسَس للرد على (الجزيرة)، ولو لم تكن (الجزيرة) موجودة لظهرت محطة اسمها (العربية)، أو تحت أي اسم آخر، وربما في القريب العاجل سنشهد تأسيس قنوات إخبارية أخرى.- بالمناسبة..لمَن تخضع قناة (العربية) سياسياً؟ هل هي سعودية بشكل ما كما هو معروف في الوسط الإعلامي أم أنها مستقلة؟- لحسن الحظ الإعلام السعودي كله لا يشبه الإعلام القومي المصري أو القطري المملوك كله للدولة بصحفه وتلفزيوناته. الصحف السعودية تجد سياستها سعودية، وهي قطاع (تجاري) خاص، وهناك فرق بين الخط السياسي والملكية الكاملة. السعودية تهمنا سوقًا ومشاهدين، كما تهمنا قضايا المواطن السعودي، ولا يمكن أن نفرط فيه، وهذا حال معظم المحطات التلفزيونية العربية الأخرى من لبنانية وإماراتية ومصرية وغيرها. لأوضح لك معنا هذا اسمح لي أن أروي لك قصة حدثت لي سابقاً في مجلة (المجلة) يوم كنت رئيس تحريرها. اخترت مرة قصة الغلاف لمخرجة سعودية، وبسببها دخلت في نقاش وقتها مع رئيسي الأمير أحمد بن سلمان - يرحمه الله- أصررت على الغلاف، وهو رفضه لأنه لا ينسجم مع الوضع السعودي. عندما رأى إصراري قال لي أخيرًا: أنت تُخاطر بألاَّ تُباع المجلة في السوق السعودية، المجلة التي تُحرر في لندن بها أربعون صفحة إعلان مدفوعة الثمن، هذا يعني أن أربعين معلناً سعودياً لن يدفع إذا لم تدخل المجلة إلى السوق السعودية. ترك لي القرار، واضطررت لسحب الغلاف لأن عدم دخول المجلة إلى السعودية يعني نهايتها اقتصاديًا.
أنا إنسان عنيد بعناد أربعين ثوراً، لكن في النهاية سواء كنت في (العربية)، أو في (LBC)، أو (دبي) الفضائية لابد أن تراعي الآخرين. وأقول ما قاله روبرت ميردوخ (إمبراطور الإعلام الدولي) عندما عابوا عليه إطلاقه محطة سكاي في الصين ضمن أطر قوانين الإعلام الضيقة هناك. قال لهم أفضل أن تصلهم سكاي ناقصة على ألا تصلهم أبدًا. أنا أراعي الاعتبارات السعودية لسببين: أولهما أهمية السوق وضخامته كونه الأكبر. وثانيهما ذكرته في بداية حديثي من كون الحكومة السعودية ليست طرفًا، ويندر أن تدخل في معارك سياسية، حتى مع من تختلف معه.

قصة مقابلة خدام القنبلة

- أنت هنا تسقط هذه القضية على موضوع قناة(العربية)، وكأنك توحي بأنه لا يوجد توجيه مباشر بقدر ما هي اعتبارات للقناة في مراعاة الاعتبارات السعودية، كيف إذن تفسر لنا لقاء عبد الحليم خدام في قصر سعد الحريري في باريس بما يتهامس به السياسيون؟ هل هناك إيحاء ما؟- الأفضل ان أروي لك القصة، وأنت فسّرها كما تريد. طلبنا من عبد الحليم أن يظهر في قناة(العربية) ثلاث مرات ورفض، كان قد ترك دمشق وجلس في الخارج بين فرنسا وإسبانيا، وبات في حالة قطيعة مع النظام السوري. اتصل به أكثر من زميل ووسيط، وطلبوا منه الظهور في قناة (العربية) واعتذر.
وفي آخر السنة الميلادية الماضية اتصل بي أحد الزملاء وأخبرني أن خدام قد وافق على الظهور على القناة غدًا، وإجراء حوار مشترطًا علينا أن يُذاع الحوار كاملاً دون حذف. اعترضت من حيث المبدأ؛ لأن الحديث قد يكون طويلاً أو قصيراً أو به أشياء سخيفة. لا أستطيع أن أقرر بثّ حوار دون أن أعرف تفاصيله. ربما يكون مملاً. صدقني لم يعلم بهذا الحديث مسؤول واحد. حتى الزملاء لم يدروا إلاَّ من علم بحسب طبيعة وظيفته. جاء الحوار وأعترف لك أنني لم أكن أتوقع أن يكون مثيرًا وبتلك الحدة والفرقعة. بُث الحديث وأنا في إجازة نهاية السنة، ولم أشاهده إلاَّ بعد أن شاهده العالم العربي؛ لأنني كنت في فندق في مكان بعيد في جنوب بريطانيا، وشاهدني هناك نجيب ميقاتي الذي صادف أنه سكن الفندق نفسه.
- هل تريد أن تقول لنا بأنك كمدير عام للقناة لم تطَّلع على ذلك الحوار وبثّ من غير أن تراه !؟- نعم، لم أطّلع عليه، سمعت عناوينه الإخبارية، ورأيته لاحقاً على الشاشة. المشكلة كانت في أن مدة الحوار طويلة جداً، ثلاث ساعات ونصف. أي تتجاوز الزمن الأقصى الممكن. طلبت بثّ ساعتين منه وتأجيل بقية الحديث لما بعد.
وسعدت بأن الموضوع مرّ بدون تدخلات سياسية، لأن التدخلات والضغوط تفلح في تخريب الأعمال الجيدة. الإخوة السوريون كانوا انفعاليين جداً بكل أسف، وقرروا عقد جلسة لمجلس الشعب على عجل في اليوم التالي رداً على ما قاله خدام في (العربية). أبلغت الزملاء ببث جلسة مجلس الشعب كاملة بما قد تحتويه من نقد متوقع ضدنا كمحطة. وكما شاهدتم تحوَّل المجلس بالفعل إلى حفلة شتائم ضد خدام و(العربية). بعد ذلك قمنا ببث بقية الحوار مع خدام.

أتابع كل شيء

- على ذكر الشتائم، ألم تقرأ ما يكتبه الساحاتيون في الإنترنت، ووصفهم لقناتكم بـ (العبرية)..!؟ -أنا أقرأ كل شيء تقريباً بطبيعة عملي. من البلاي بوي إلى الساحات. كل الأفكار أقرأها. من الإباحية إلى السياسية التي أختلف معها 100%...هذا هو عملي الذي يتطلب مني المطالعة والمتابعة.
- وإذن..هل تضايقك الاتهامات التي يكيلونها لك؟- إنهم وأمثالهم من أصحاب المواقع المتوترة يُسدون لي خدمات جليلة دون أن يدروا. صدقني أنهم خير سند لي جزاهم الله عني خير الجزاء. وعلى أية حال شتائمهم لا تُغيّر في حقائق الأرقام التي تؤكد أننا أكثر محطة إخبارية يشاهدها الناس اليوم.
- ولكن من ينتقدك هنا ليس فقط التيار الديني، بل حتى القوميون، وآخرون من تيارات أخرى.. كيف تُفسّر لنا معارضة كل هؤلاء لك؟-إذا كان القوميون، والاشتراكيون، والبعثيون، والشيوعيون، والصحويون يختلفون معي فلابد أنني على حق...
- (ضاحكًا) صدقني لا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة.- ربما يكونون قد اجتمعوا عليها هذه المرة (ضاحكاً). من حظي أنهم خصومي. جميعهم مصدرهم الفكري الأول هي أطروحات اليسار القديم (الشيوعي)، الذي كان موجوداً ومهيمنًا في منطقتنا أيام الحرب الباردة. كان موجوداً في الحواضر العربية الكبيرة. الفكر الشيوعي بطبيعته أكثر جاذبية للمثقفين عن عامة الناس. وما يقوله الصحويون الآن منسوخ من أدبيات الشيوعية العربية القديمة في معظمها، والمعادية للمعسكر الغربي في تلك الفترة. إذا رجعت إلى حقبة الخمسينيات لا تجد فارقاً في الأطروحات الشيوعية اليسارية التي كانت معادية للغرب في معظمها عن الأطروحات الإسلامية الحديثة جداً. أرجو من لديه شك في ذلك أن يرجع إلى المكتبات، ويطالع الأدبيات اليسارية العربية القديمة، ويقارنها بالأدبيات الإسلامية الحديثة. الأدبيات الإسلامية القديمة لم تكن معادية للغرب لسبب بسيط جداً وهو أن الغرب ليست له مشكلة مع الموضوع الديني أو التدين أو حق الفرد في التدين. إسلاميو السبعين سنة الأولى من القرن العشرين كانوا على وفاق، وأحيانًا في تحالف مع الغرب في باكستان والخليج والقرن الإفريقي ووسط آسيا وأفغانستان إلى أن سقط المعسكر السوفيتي، وترمل اليساريون العرب. الغرب لا يمنعك من الصلاة أو الصيام أو الزكاة. في النظام اليساري الشيوعي كل ذلك ممنوع. اليسار بعد الهزيمة تسلل مثقفوه إلى معسكر الإسلاميين، وشرعوا في تخريب الإسلام سياسيًا. انقلبت الأنظمة الإسلامية إلى معارضة، وفجأة صارت الحكومات تتهم في علاقاتها مع الغرب، وهي نفس الحكومات والسياسات التي كانت معهم في نفس الخندق...
- سامحني أستاذ عبدالرحمن؛ لأن ما سمعته من وجهة نظري تبسيط مخلٌّ..ومخلٌّ جدًا في تناول الظاهرة الإسلامية. السياسة الأمريكية المتعنتة.. أليس لها دور في هذه المواقف المتشنجة للإسلاميين؟- أنا لا أبرر السياسات الخاطئة، بعضها عن قصد، وبعضها ربما عن جهل. أمريكا دولة كبيرة، أحسنت في البوسنة، وأخطأت في فلسطين، أنا لا أقول إن سياساتها مبررة، ولكني أشرح شيئاً مهماً وهو ضرورة عدم النظر للأمور من منظور واحد ومن موقعنا فقط. هناك سياسات متعددة، وفي العالم نزاعات كثيرة، وقوات الأمم المتحدة -رغم ندرة مشاركاتها- منتشرة اليوم في 19 منطقة نزاع في العالم، في أمريكا الجنوبية، وإفريقيا، وآسيا، وأوروبا. هذه القضايا المختلفة كلها تهم الدول الكبرى، وواشنطن تتخذ قرارات صائبة أحياناً، وخاطئة أحياناً أخرى، وربما انتهازية دائمًا. هذه هي طبيعة السياسة. لدينا خلاف مع الأمريكيين في بعض القضايا، لكن لو رأيت طريقة صنع القرار في أمريكا لوجدت أن نصف المشكلة فينا نحن. لم يمنعنا أحد من عمل لوبي هناك، ولم يحظر علينا أحد التأثير في القرار الأمريكي. الهروب من المسؤولية هو عذر البليد. نحن هربنا من مسؤوليتنا لأكثر من نصف قرن، ونُحمِّل الآخرين أخطاءنا. أكبر وسيلة يمكن الاستفادة منها هي النظام الأمريكي الذي يسمح بالدخول والمشاركة والتغيير. أنت لا تدخل، ولا تشارك، ولا تُغيِّر.. وكل ما تفعله البكاء والشتم!! عدد المسلمين في الولايات المتحدة يكاد يزيد على عدد اليهود، فما الذي يمنعهم أن يمارسوا حقوقهم؟ لا أحد. بل جهلهم وكسلهم وحبهم للشكوى أكثر من العمل.

إذا كان القوميون، والاشتراكيون، والبعثيون، والشيوعيون، والصحويون يختلفون معي فلابد أنني على حق