عاجل

البث المباشر

الكاتب السعودي المحمود يؤكد عزله من التدريس "حماية للطلاب"

متهما "التيار السلفي" بترصده وتكفيره

أكد الكاتب والأكاديمي السعودي المثير للجدل محمد بن علي المحمود أن قرارا صدر من مجلس جامعة القصيم باقصائه من التدريس بقسم اللغة العربية، وتحويله إلى عمل إداري "خشية على عقائد الطلاب مما يعتبرونها أفكارا منحرفة وانعزالية يلقيها عليهم في المحاضرات".

وقال المحمود الذي يكتب بانتظام في جريدة "الرياض" السعودية اليومية لـ"العربية.نت" إنه رصد منذ فترة طويلة ضغوطا من التيار المتشدد لفصله من عمله في التدريس، وزاره بعض الاساتذة في منزله ليتراجع عن أفكاره، ووصلت الأمور لحد تكفيره ونعته "بالمذموم" بدلا من اسمه "المحمود" واحراجه مع عائلته التي ترى نفسها امتدادا للتيار الديني السلفي.

وأشار إلى أنه سيقوم بنقض قرار الجامعة وسلوك الطرق المناسبة لالغائه، موضحا بأنه متوقف منذ 4 سنوات عن رسالة الماجستير، ولم يتصل منذ عامين بمشرفه "بسبب التربص به من القسم وبعض الاساتذة".

وفي حين أكد أنه لم يستلم جدول محاضراته منذ بداية الفصل الدراسي الحالي، ما يعني أن قرار منعه من التدريس لم يتخذ حديثا، تابع بأنه قد يسافر لاكمال دراسته في جامعة خارج السعودية.

كان المحمود قد انتقل من التيار الصحوي الذي عبر عن نفسه بقوة في السعودية في تسعينات القرن الميلادي الماضي، إلى "الوسطية" والأفكار الليبرالية لا سيما المتعلقة بالمرأة، وأثارت انتقاداته "للسلفية التقليدية" وأقواله عن تغلغل الارهاب في التيار المتشدد، ودعواته لما يسمى "عقلنة الخطاب الاسلامي" جدلا واسعا في السعودية.

لا يعتبر محمد بن علي المحمود في حواره مع "العربية.نت" اقصاءه عن التدريس ثمنا باهظا يدفعه لموقفه " هذه من أبسط الأشياء التي توقعت أنني سأتعرض لها من يوم أن بدأت أكتب".

يستدرك "نعم لم أكن أتوقعه بنفس الصورة أو بهذا الحجم والمستوى، ولكني توقعت بعض المضايقات" شارحا ما حدث بقوله " اتخذت جامعة القصيم قرارها بناء على طلب تقدمت به بالابتعاث الخارجي، وهذا يرتبط بالطبع بوجودي الأكاديمي. وكان هناك من يعترض أصلا على بقائي في الجامعة باعتبار أنني بالضرورة أقول في محاضراتي ما يشبه الأفكار التي أطرحها عبر الصحافة، وهذه يعتبرونها أفكارا منحرفة أو كما يصرح بعضهم "أفكارا انعزالية" ومن ثم حفاظا على عقائد الأجيال، وما إلى ذلك يجب أن أمنع على الأقل من التدريس".

أضاف "كانوا يترصدونني، وما أن قدمت بطلب الابتعاث الخارجي حتى استغلوا ذلك. في الأصل كانت رسالتي للماجستير مقدمة لجامعة الامام، لأنه تعذر تقديمها إليهم في جامعة القصيم لتزامنها مع طرحي لأفكاري، لكن الأمور مضت بعد معارضة في مجلس القسم ومجلس الكلية، واستكملت الأوراق وبعثتها إليهم، وكنت أنتظر أن يصدر قرار الابتعاث من نفس الجامعة، إلا أن القرار صدر عكسيا برفض طلب الابتعاث الخارجي، وتحويلي إلى عمل إداري".

واستطرد المحمود بأنه "جرى تنفيذ القرار بسرعة غير عادية في الجامعة، التي حولته إلى وزارة التعليم العالي حيث تم اقراره، والأمر يعود لبداية الفصل الدراسي الحالي، وبناء عليه اسقط جدول محاضراتي التي أقوم بتدريسها، ووزع على عدد من الأساتذة في القسم، أي أنني لم أقم بالتدريس منذ بدأ هذا الفصل".

لن أكون تحت رحمة المتربصين

وقال "سأتخذ الاجراءات المناسبة في محاولة لنقض هذا القرار وتغييره، وقد رفضت مباشرة عملي الاداري الذي حولت إليه قبل بداية شهر رمضان الماضي بأسبوع تقريبا"

وأوضح أنه كان مفترضا أن يقدم رسالته للماجستير قبل 4 سنوات، ولم يتم ذلك لأن "الأجواء كانت غير مناسبة، فأدركت أنهم لن يسمحوا لها بالمرور، وأردت ألا أجعل نفسي تحت رحمة من يتربصون بي، وبناء عليه توقفت عن تقديمها واتخذت مسارا آخر".

وقال محمد المحمود: منذ عامين وأنا في أخذ ورد مع قسم اللغة العربية، وقابلت معارضة من مجلس القسم وبعض الاساتذة الذين يرفضون وجودي ويطلبون عدم اعطائي فرصة لاكمال الدراسة، فبعضهم يرى أنني لو اكملت الدراسة سأكمل مشواري في جامعة القصيم.

وبشأن انقطاعه عن المشرف عليه حسب حيثيات قرار الابعاد أوضح "انقطعت عن المشرف لأنني أدركت أنه من العبث استمراري بجامعة الامام التي كان موضوع الماجستير مقدما إليها قبل استقلال جامعة القصيم عنها، فرأيت أن اتوقف وأبدأ المشوار مجددا في الخارج، وحصلت بالفعل على موافقة مبدئية من جامعة "ليدز" في انجلترا والتي بناء عليها يتخذ قرار الابتعاث".

المحمود يتهم التيار السلفي

ويفسر ما حصل له بقوله: الموقف من التيار السلفي المهيمن يؤدي إلى من بيده القرار إلى خيارات لأنه تيار نافذ له تدخلاته، وهذا شيء متوقع، ولا انتظر من بيئة سلفية أن تنظر بعين الرأفة والشفقة، بل من الطبيعي أن تحاول اقصائي، خاصة أن القضية هي حجبي عن التأثير من خلال عملية التدريس، لذلك لا يرون مشكلة في وجودي في عمل مكتبي بعيد عن الطلاب.

وأضاف: هم يرون أنني أقوم بنشاط في عملية التدريس يتجاوز المحاضرات المتخصصة، إلى محاولة التبادل الفكري مع الكثير من الطلاب الذين لديهم قابلية لمواصلة القراءة، ومن ثم يعتقدون أنني أصنع أشخاصا غير مرغوب فيهم.

وردا على سؤال من "العربية.نت" عن احتمال نقله لانتقاداته ضد السلفية التقليدية إلى أجواء المحاضرات التي يقوم بتدريسها لطلابه، أجاب: ليس بصيغة مقالاتي الصحفية بطبيعة الحال. كنت أدرس الأدب والنصوص، ومن خلال ذلك يحدث احتكاك بالأفكار والتصورات وآليات قراءة النصوص، وآليات التأويل. هذه يمكن أن تطبق على النصوص الأدبية، ويمكن كما في الرؤى التركيبية أن تطبق على النصوص الفلسفية والدينية، ولذلك كان لابد من اطلاع الطلاب عليها، ومحاولة جعلهم يشتبكون مع الحداثة الفكرية، وهذا أمر أزعجهم، وبعضهم (الطلاب) قدموا شكاوى ضدي إلى المسؤولين في قسم اللغة العربية وفي الجامعة.

وأشار المحمود إلى قيام بعض أعضاء هيئة التدريس باتصالات "لمنعي من هذا السلوك باعتباره في رأيهم تجاوزا للتخصص الدقيق في المحاضرات، وأحيانا كانوا يطلبون بتحويلي إلى أي عمل آخر غير التدريس".

وأكد أن الضغوط مستمرة منذ أكثر من أربع سنوات لاقصائه، موضحا أن بعض الأساتذة "زاروني في بيتي لاقناعي بالتراجع عن فكري، واحراجي أحيانا حتى عائليا، وبين منسوبي الجامعة وبعضهم يدرسون في الأقسام الشرعية، حيث كانوا يصرحون بتكفيري أمام طلابي في جامعة القصيم، وكثير منهم يقلب الاسم إلى (المذموم) بدلا من (المحمود).

علاقاتي بعائلتي تأثرت

وما إذا كان ذلك مرتبطا بالمناخ السلفي الذي يسيطر على أجواء منطقة القصيم قال الكاتب السعودي محمد بن علي المحمود: علاقاتي الاجتماعية تأثرت بشكل كبير جدا، حتى فيما يخص عائلتي التي ترى أنني أمثل تشويها لتاريخ العائلة الديني والسلفي، لأنها تعتبر نفسها ذات عراقة في السلفية. والمعروف أن البيئة المحافظة يختلط فيها الاجتماعي بالديني بشكل كبير جدا ويستحيل الفصل بينهما، فالمكانة الاجتماعية مربوطة بالمكانة الدينية والعكس، ويعتبرون أن هذا مؤثر على مكانتهم.

محمد المحمود وهو من مواليد 1971 ميلادية في مدينة البكيرية بالقصيم يستطرد في هذه النقطة بقوله: هنا يعتبرون أنني أعيش في بيئة دينية، وأن امتداد عائلتي هو امتداد ديني سلفي له حضوره، وبذلك يعتقدون أنه يتم استثماري ضد التيار السلفي من داخله.

وحول اعجابه بالحضارة الغربية يرد المحمود بأنه ليس بالصورة التي يطرحونها "لا أرى أن القضية اعجاب وجداني وعاطفي، فالحضارة الغربية تفرض نفسها علينا، واعتقد أنها حضارة العصر منذ أربعة إلى خمسة قرون، وأصبحت معاصرة بمجملها وما تفرع عنها من حضارات شرقية، وأي معارضة لها تكون معارصة للعصر وليس لها في حد ذاتها".

لا يزال المحمود متمسكا بأن نقد السلفية أشبه بالانتحار الاجتماعي، بعد فصله من عمله الأكاديمي مفسرا ذلك بقوله "الاجتماعي هنا لا يرتبط بالوظيفة، وإنما بالعلاقات الاجتماعية في بيئة القصيم، باعتبارها تكاد تكون سلفية بنسبة 99.9%. لا شك أنه انتحار عندما تنظر البيئة للنقد باعتباه نقضا.

وبسؤاله عن مقارنة حالته بآخرين في جامعات عربية أخرى، احتضنتهم جامعات في الغرب بعد فصلهم في بلادهم بسبب أفكارهم قال المحمود: أنا لم أكمل الدراسة، لكن حتى لو لم استطع ذلك في جامعتي فسأحاول بطريقة أو بأخرى استكمالها في احدى الجامعات خارج السعودية، وتبقى الخيارات مطروحة حسب ما تصل إليه الأمور بشأن فصلي من التدريس.