قصر المنطقة الخضراء.. بدأ بزواج ملكي وانتهى بيد الأمريكيين
حكاية "كرادة مريم" وغموض 4 عقود من الحكام والانقلابات
بدأت حكاية قصر كرادة مريم، والذي يعرف حاليا باسم قصر المنطقة الخضراء، في كرخ بغداد، ويحتل مساحة تشغل حيزًا من غابة نخيل غربي العاصمة العراقية منذ تشييده عام 1954 عندما تزوج فيه الملك فيصل الثاني، غير ان بناءه لم يكتمل إلا بعد مقتل الملك فتحول إلى مقر للجمهوريين الذين طوّروه خاصة في حقبة البعث وحكم صدام حسين.
وعلى مدى عدة عقود بقي أهل بغداد يحلمون بالتجوال يوما ما في شارع من شوارع المنطقة الخضراء، أو اكتشاف أسرارها أو فك الغموض الذي يكتنفها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن.
وتحدث الحاج مراد جمعة -91 عاما- ويعد من أكبر المعمرين الذين ما زالوا على قيد الحياة من سكان منطقة كرادة مريم لـ"العربية.نت"، مستعرضا تاريخ هذا الحي من بغداد الذي غالبا ما تدور داخله أو حوله رحى الحروب والانقلابات المتعاقبة في العراق، والذي احتله الأمريكان عند اجتياح بغداد وجعلوه مقرّا لقواتهم وسفارتهم حتى الآن.
يقول الحاج مراد: العائلة المالكة العراقية ومنذ تنصيب فيصل الأول في مارس/آذار 1920 لم يشيدوا القصور بل كانوا يسكنون بيوتا بسيطة أطلق عليها الناس تسمية القصور وقد وضعوا في نهاية عهدهم حجر الأساس للقصر الجمهوري الحالي ليكون مسكنا لزواج الملك فيصل الثاني فقتل الملك قبل أن يكتمل بناء القصر، فصار بعد ذلك مقرا للرؤساء الخمسة الذين تعاقبوا على حكم العراق في الحقبة الجمهورية، التي بدأت منذ الـ14 من يوليو/تموز 1958.
ويردف قائلا: ملوك العراق سكنوا بيوتا صغيرة، منها قصر الرحاب الذي يقع في منطقة باب المعظم وسط بغداد، وقد أعد مطلع عشرينيات القرن الماضي ليسكن الملك فيصل الأول، غير أن ولده الملك غازي سكن قصر الزهور الذي يقع في حي الحارثية غرب بغداد المجاور للمنطقة الخضراء حتى مقتله عندما اصطدمت سيارته بعمود كهرباء في حادثة يشكك أهل بغداد بدوافعها، وهو قصر استخدمه صدام حسين بعد أن قام بتوسيعه مطلع التسعينيات من القرن الماضي وتحول إلى مقر للقوات الأمريكية حاليا.
ويتابع "عبر كل العهود كان ترحيل السكان عن هذه المنطقة؛ حيث لم يتبقَّ في كرادة مريم إلا عدد قليل من العوائل يسكنون بيوتًا تنتظر أن تلحق هي الأخرى بالمنطقة الخضراء".
4 محلات "خضراء"
من جهته، يقول المهندس علي عقيل، المدير الفني في أمانة بغداد المنطقة الخضراء، لـ"العربية.نت": تقع هذه المنطقة الخضراء التي تعرضت للقصف الأمريكي الشديد خلال حربي 1991 و2003 على الضفة الغربية من نهر دجلة الذي يشطر بغداد إلى جانبين هما الرصافة - الشرقي - والكرخ - الغربي، ويقابلها من الجهة الثانية للنهر أحياء الباب الشرقي والبتاوين والكرادة الشرقية.
ويضيف "تضم المنطقة أحياء كرادة مريم، والتشريع، وأم العظام، والقادسية، كما كانت تضم بيوتا لسكن كبار قادة العهد الملكي العراقي، نوري السعيد أشهر رؤساء وزراء العراق آنذاك وعبد الإله خال الملك فيصل، وابن عم أبيه والعديد من الوزراء والمسؤولين في هذه المنطقة التي تشهد بشكل مستمر انفجار السيارات المفخخة، وسقوط قذائف الهاون التي تطلق من شتى أنحاء بغداد".
ويتابع بقوله إن بغداد "مثلما هو معروف تتكون من 830 محلة تتوزع على جانبي الرصافة والكرخ، وحصة المنطقة الخضراء منها 4 محلات تضم المحلة الواحدة أكثر من ألف وحدة سكنية، وفيها العديد من المدارس والمستشفيات والأسواق قبل أن تغلق نهائيا أمام مرور الناس عندما أصبح صدام حسين رئيسا للعراق في يوليو/تموز عام 1979، وعندئذ أصبح المرور ممنوعا داخل هذه المنطقة التي تضم عدة قصور ومقرات للمخابرات والأمن الخاص ولمجلس الوزراء ولوزارة الخارجية خلال حقبة حكم البعث، الذي خصص عدة فرق عسكرية للدفاع عنها حتى إن هذه المنطقة التي كانت تسمى منطقة القصور الرئاسية خدماتها الخاصة الطبية والفنية التي لا نعرف عنها شيئا".
والقصر الجمهوري الذي تحول الآن إلى مقر للسفارة الأمريكية والمشهور بقبته الزرقاء التي لم يتسنَّ لعامة العراقيين حتى التقرب منه، لم يستخدمه أول رئيس حكم العراق الجمهوري- وهو عبد الكريم قاسم.
ويقول أستاذ مادة التاريخ في جامعة بغداد د. عصام عاشور لـ"العربية.نت": أول من جعل القصر الجمهوري الذي كان معدا لزواج الملك فيصل الثاني مقرّا رسميا للحكومة هو عبد السلام عارف، وذلك بعد انقلابه في الـ18 من نوفمبر/تشرين الثاني 1963، ثم أصبح مقرّا لشقيقه الرئيس عبد الرحمن عارف بعد مقتل الأول عام 1966 في حادث طائرة معروف في محافظة البصرة ليتحول إلى مقر للرئيس الرابع أحمد حسن البكر بعد الـ17 من يوليو/تموز 1968، غير أن الرئيس الخامس للعراق صدام حسين لم يستخدم هذا القصر بل كان يدير مهامه من مبنى المجلس الوطني، الذي يقع ضمن المنطقة الخضراء أيضا والمجاور للقصر الجمهوري.
وقد اعتاد أهل بغداد، بحسب عاشور، هضم الممنوعات عندما يتعلق الحديث عن منطقة كرادة مريم؛ ممنوع المرور، ممنوع الاقتراب، ممنوع التحديق، خلال ثلاثة عقود من حكم صدام حسين.
وبعدما أضحى القصر الجمهوري عقب الاحتلال مقرّا للسفارتين الأمريكية والبريطانية، أغلق الممر الوحيد المتاح بين ضفتي دجلة الرصافة والكرخ في عهد صدام حسين، وهو الجسر المعلق المجاور للقصر، وعندئذ أصبح مجرد الاقتراب من المنطقة على سكان بغداد يعني الموت برصاص الجنود الأمريكان، خاصة بعد أن ألحق بالمنطقة فندق الرشيد ومجمع عدم الانحياز ومبنى البرلمان، فصارت المنطقة الخضراء، كما أسماها الأمريكان مقرّا لنحو 120 ألف بين جندي ودبلوماسي ومقاولين.