مدونة الأسرة.. "ثورة هادئة" قادها العاهل المغربي لصالح المرأة

في الذكرى العاشرة لتولي العرش

نشر في:

يسمي الكثيرون الإصلاحات الكبيرة التي أطلقها الملك المغربي محمد السادس، الذي يحتفل بالذكرى العاشرة لتوليه العرش يوم 30 من الشهر الجاري، في مجال قوانين الأسرة المغربية بـ"الثورة الهادئة"، حيث تضمنت بنودا جديدة تمت المصادقة عليها من طرف البرلمان المغربي سنة 2004، من أجل حماية حقوق المرأة والطفل ووضعية الأسرة ككل.

وأبرز هذه البنود التي جاءت بها مدونة الأسرة المغربية: رفع سن الزواج إلى 18 عاما بالنسبة للزوجين، ووضع الطلاق تحت مراقبة القضاء، واستفادة المطلقة من الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، وعدم زواج الرجل بثانية إلا بعد موافقة كتابية من الزوجة الأولى.

وتتفق جمعيات ناشطة في مجال المرأة على كون مدونة الأسرة تعتبر مكسبا قانونيا كبيرا للمرأة خاصة والأسرة عامة، نظرا لما تتضمنه من قوانين ترمي إلى الحفاظ على مصالحهما، لكن هذه القوانين تحتاج إلى تفعيل بعض القرارات واحترام الآجال المحددة.

البداية والمواجهة

وأرجعت بسيمة الحقاوي، رئيسة المجلس الإداري لمنظمة تجديد الوعي النسائي، سياق الإرهاصات العامة لولادة مدونة الأسرة بالمغرب إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني على إثر خطة قدمها وزير سابق مكلف بالمرأة والطفولة سميت بالخطة الوطنية لإدماج المرأة المغربية في التنمية، وتضمنت في جزئها الأخير بنودا واقتراحات تتعلق بالأحوال الشخصية.

وأضافت رئيسة لجنة القطاعات الاجتماعية في البرلمان المغربي في حديث لـ"العربية.نت" أن تلك الخطة أثارت حينئذ ضجة كبيرة وكانت موضوع نقاش مجتمعي هائل، وأفضت إلى تظاهرات خرجت فيها آلاف النساء لرفض أكثر ما جاء فيها، بسبب اعتقاد بعض الأطراف بأن تطبيق تلك الخطة قد يؤدي إلى نشوء أجواء من الشقاق بين أفراد الاسرة.

واسترسلت الحقاوي بالقول إن ذلك الجزء المرتبط بالأحوال الشخصية من الخطة الوطنية أخذ منحى متصاعدا وتطورت النقاشات حوله، فتولدت مدونة الأسرة الجديدة في عهد الملك الحالي محمد السادس بعد تشكيل اللجنة المحلية التي عُهد إليها مراجعة القوانين الجديدة للأسرة بالمغرب، فتمت إحالة الخلاصات الرئيسة إلى لجنة خاصة لتحويلها إلى مشروع قانون تمت المصادقة عليه في البرلمان المغربي بالإجماع.

مكاسب وتعثرات

واعتبرت رئيسة منظمة تجديد الوعي النسائي أن مدونة الأسرة التي ولدت في عهد الملك محمد السادس تعتبر مكسبا كبيرا بالنسبة للمغرب وإضافة نوعية ضمن ترسانته القانونية، مردفة أنها مدونة تشتمل على مكاسب للأسرة كنواة رئيسة للمجتمع وللمرأة وللرجل أيضا.

واستدلت المتحدثة بمثال المسطرة القانونية في "الشقاق" التي تمكن من التطليق بطلب من أحد الزوجين بسبب الشقاق، فصار اللجوء إلى هذه المسطرة ملاذا للرجال والنساء على حد سواء، مضيفة أن هذا الإجراء في المدونة الجديدة وضع حلا لمشكلة الزوجة التي "تُعلق" في قضايا الطلاق، لكن مدة هذه المسطرة التي حددتها المدونة في ستة أشهر لم يتم احترامها، وبالتالي التطبيق لم يأت على الوجه المنتظر" على حد تعبير الحقاوي.

وزادت الحقاوي بأن المدونة جاءت بمخرج هام في ما يخص إشكالية النفقة في حالة الطلاق من خلال الحديث عن صندوق للتكافل العائلي، مبرزة أنه لم يتم استحداث أي صندوق للتكافل في هذا الإطار لفائدة المرأة المطلقة وأبنائها، مما يعني أن المدونة تعاني من نقائص تتمثل في عدم احترام الآجال وأيضا عدم تنفيذ بعض الحلول المقترحة على أرض الواقع.

ورأت الحقاوي أنه من بين الأمور الجديدة التي أتت بها تلك المدونة "توريث الحفيدة"، معتبرة أنه اجتهاد من العلماء وذوي الاختصاص، مضيفة أن اقتسام الأموال المكتسبة في الحياة الزوجية انفردت به مدونة الأسرة أيضا، غير أن الوثيقة المستقلة عن عقد الزواج التي طالبت بها المدونة في المادة 49 كضمان لهذا الإجراء، قليلا جدا ما يعمل به الأزواج بسبب سياق حدث الزواج وما يتضمنه من فرح وحسن نية لدى بداية الحياة الزوجية.

صندوق التكافل

وسجلت فيدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة التي تترأسها فوزية عسولي التطور المهم الحاصل في التعامل مع الإذن بزواج القاصر سواء من طرف وزارة العدل أو بالنسبة للمحاكم، باعتبار أن الوزارة أصبحت تتيح التعرف على الإحصائيات الرسمية المتعلقة بزواج القاصر مدققة من حيث جنس المعني بالأمر، رجل أو امرأة، وعدد الطلبات والمقبول منها والمرفوض ونسبة الزيادة أو الانخفاض بالنسبة للأذونات، والسن التي منح فيها الإذن، مما يسمح للمهتمين بقراءة ومتابعة مدققة للظاهرة ورصد مكامن الخلل إن وجدت.

وزادت المتحدثة بخصوص موضوع الطلاق والتطليق: خلافا لما قيل إبان صدور قانون الأسرة من أن الأحكام الجديدة، خاصة مسطرة الشقاق، ستؤدي إلى تفكيك الأسر وتشريدها بسبب الطلاق، يتضح من تقارير وزارة العدل المتعلقة بالتوزيع النسبي لأنواع التطليق أن مسطرة الصلح نجحت بنسبة 16،46 %، مما يدعم توجه وموقف الجمعيات النسائية والحقوقية التي ما فتئت تطالب بوضع الطلاق بيد القضاء والاكتفاء بنوع واحد للطلاق يمارس بمساواة بين المرأة والرجل.

وبخصوص مسألة النفقة على المطلقة وأبنائها، تطالب الجمعية الحقوقية بالتعجيل بإخراج صندوق التكافل الاجتماعي للوجود، اعتبارا لما يعرفه المغاربة من واقع الفقر والتهميش وغياب نظام التغطية الاجتماعية لدى الكثير من المواطنين.