ضرار بن الأزور و"ابن عبادة".. حراسة الرسول وفتح دمشق
في الحلقة الثامنة من رجال حول الرسول على "العربية"
تروي الحلقة الثامنة من برنامج "رجال حول الرسول"، الذي تبثه العربية، اليوم السبت 29-8-2009، في الساعة 5:20 بتوقيت السعودية، قصة حياة الصحابيين سعد بن عبادة وضرار بن الأزور رضي الله عنهما.
الأطرافُ الجنوبيةُ الغربية من سهول حوران، القريبةُ من الحدودِ الحالية بين سوريا وفلسطين والأردن ولبنان، شهدتْ في بدايةِ الفتوحاتِ الإسلامية أكبرَ المواجهاتِ بين جيوش المسلمين وقواتِ الروم، ومن أبرزها معركةُ اليرموك.
وقد توجَّه إلى هذه المناطق، كثيرٌ من الصحابة فُرادى وجماعات. أحد هؤلاء سعدُ بنُ عُبادة، الذي أمضى في هذه المنطقة أيامَه الأخيرة، قبل أن تَقع المواجهةُ الكبرى في اليرموك بأشهر معدودات.
ابن عبادة
سعدُ بنُ عبادة كانَ من كبار الأنصار، وزعيمَ قومِه وهم الخزرج، وأحدَ مشاهير العرب في مرحلةِ البعثة النبوية.
شهد سعدٌ بيعةَ العقبة الكبرى في السنة الثالثةَ عشرة من البعثةِ النبوية مع نحو سبعين من الأنصار. وكان ذلك مقدمةً لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.
كانت الزعامة في المدينة المنورة في تلك المرحلة موزعةً بين شخصين أحدهما سعدُ بن عبادة.
ورغم صفاتِه القياديةِ في قومه، إلا أنه كان شديدَ التواضع، وكان أحيانا يتولى حراسةَ النبي صلى الله عليه وسلم، في الظروفِ التي يتطلب فيها الأمرُ مثلَ هذه الحراسة.
اشتُهر سعدُ بنُ عُبادة، بالجُود والكرم. وكان والدُه عُبادةُ بنُ دليمِ بنِ حارثة، من أجود الناس بين العربِ قبل الإسلام. وبعد هجرةِ المسلمين إلى المدينة المنورة، سخّر سعدٌ أموالَه لخدمة المهاجرين.
أُمّه وهي عَمرةُ بنتُ مسعود، كانت من المبايِعات للنبي صلى الله عليه وسلم، وتوفّيت في المدينة في السنة الخامسةِ للهجرة. وكان لها دورٌ كبيرٌ في تشجيع ابنِها سعدٍ على القتال وبلورةِ شخصيتِه القيادية.
شهد سعدُ بن عبادة المشاهدَ كلَّها مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان دورُه قياديا فيها.
وفي معركة بدر، سجّل سعدُ بن عبادة موقفا عظيما. فقد كانت مواثيقُ بيعةِ العقبة الكبرى تنص على أن يتولى الأنصارُ الدفاعَ عن الرسول والمهاجرين داخلَ حدودِ المدينة، أما الآن فهم خارجَها. فوقفُ سعدٌ خلال المشاورات التي سبقت المعركة، وخاطبَ رسولَ الله قائلا: لو أمرتَنا أن نَخوض البحار لخضناها، ولو أمرتنا أن نضربَ أكبادَها إلى بَرْك الغِماد لفعلنا. ثم شارك مع بقيةِ قادة الأنصار والمهاجرين في التخطيط للمعركة.
وفي المشاورات التي رافقتْ غزوةَ الأحزاب، وقف سعد بن عبادة موقفاً مماثلا عندما رفضَ تقديم أيِّ تنازلاتٍ للأحزابِ التي كانت تحاصرُ المدينة.
وفي فتح مكة، كان سعدُ بنُ عبادة من قادةِ جيش المسلمين، لكنه أبدى إشاراتٍ على رغبتِه في الانتقام من قريش، لما فعلوه به بعد بيعة العقبة، عندما ضربوه وعذبوه. لكن الرسولَ وضعَ حدا فورياً لذلك، وأشار إلى أن فتحَ مكة هو يومُ المَرْحَمة.
ولما تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كان سعدُ بن عبادة واحداً من المرشحين للخلافة، في المشاورات التي جرتْ في سقيفةِ بني ساعدة.
وفي صدرِ خلافةِ أبي بكر، خرج سعدُ بنُ عبادةَ إلى بلاد الشام، واختار الإقامة فيها، إلى أن وافتْه المنية.
ويقال إن سعدَ بنَ عبادة توفي في السنة الخامسةَ عشرةَ للهجرة، أي في خلافة عمر، لكن كثيرين يرجحون أنه توفي في خلافةِ أبي بكر في السنة الثالثةَ عشرة للهجرة، وقبلَ معركة اليرموك، مما يؤكد أنه لم يُشارك في تلك المعركة. ودفن رضي الله عنه في هذه القرية، التي عرفت فيما بعد بقريةِ الشيخ سعد.
ضرار بن الأزور
وإذا كان سعدُ بنُ عبادة لم يُكتب له أن يشهد المواجهةَ الفاصلة في اليرموك على أرجحِ الاقوال، فإن واحداً آخرَ من كبار الصحابة كان من قادتِها، وله في فتوح الشام صَوْلات وجوْلات، وعلى أرضِها لفظَ أنفاسَه الأخيرة، ودُفن في موقع لا يَبعد كثيراً عن مثوى سعدِ بن عُبادة، ولكنه إلى الجنوب قليلا، وداخل الأراضي الأردنية الآن. إنه ضرارُ بنُ الأزْوَر.
ورغم أن ضرار بن الأزور أسلم بعد فتح مكة، إلا أنه برز بين الصحابة بسرعة كبيرة، بسبب قُدراتِه العسكرية القيادية الفذة، وتضحياتِه الكبرى.
كان ضرارٌ من المحاربين الأشداء، وكانتْ له مكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أرسله ذاتَ مرة ليوقفَ هجومَ بني أسد.
وبعد وفاة الرسولِ صلى الله عليه وسلم، شاركَ ضرارُ بن الأزور في حروبِ الردة.
معركة اليرموك هي المواجهةُ الفاصلةُ التي خاضها ضرارُ بنُ الأزور، في السنة الثالثةَ عشرةَ للهجرة، وكان من كبارِ قادتها، إلى جانبِ أبي عبيدة وخالدِ بن الوليد وعكرمةَ بنِ أبي جهل، وغيرِهم من كبارِ القادة الذين خاضوا تلكَ المعركةَ الكبرى، وألحقوا بالروم أكبر هزيمةٍ في بلاد الشام.
وبعد معركة اليرموك شارك ضرارُ بنُ الأزور في فتح دمشق، مع جيش خالد بن الوليد.
كان ضرار بن الأزور من القادة البارزين في معظمِ فتوحات ومعاركِ بلاد الشام، بما في ذلكَ معركةُ أجنادين التي كانت مقدمةً لفتحِ بيت المقدس.
وقد اشتُهر ضرارٌ في الحروب بأنه الفارسُ العاري الصدر، في إشارة إلى مدى شجاعتِه وبأسِه، وهو الأمر الذي برزَ بشكلٍ خاص في معركة أجنادين.
وقد وردت رواياتٌ عدة في موضعِ وفاة ضرارِ بنِ الأزور. لكنْ يُرجَّحُ أنه كان من بين الصحابة الذين تُوفي في طاعون عمواس، الذي حصد ألوفا من الصحابة في غور الأردن. ودُفن في هذه البلدة التي سميت باسمه.
ومهما يكن سببُ وموقعُ وفاته، فإن ذكرى ضرارِ بنِ الأزور تظل خالدة في التاريخ، مؤكدةً أنه واحدٌ من أبرز القادةِ المسلمين الذين حرروا هذه البلاد من احتلال الروم.