مصعب بن عمير أول سفير بالإسلام.. وآل شيبة سدنة الكعبة

في الحلقة 13 من رجال حول الرسول على "العربية"

نشر في:

تروي الحلقة 13 من برنامج رجال حول الرسول الذي تبثه "العربية" الساعة 5:20 بتوقيت السعودية قصة حياة الصحابة مصعب بن عمير وأل شيبة رضي الله عنهم.

في معركة أُحد، كان يحمل رايةَ المهاجرين رجلٌ لم يكن عادياً. فقد كان أولَ مسلمٍ قامَ بمَهمةِ السفيرِ المؤسسِ لمجتمعٍ إسلاميٍ جديدٍ خارجَ مكة، فهو الذي مَهّدَ مدينةَ يثرب، قبل انتقالِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليها، لتكون دارَ هجرتِهم، وعاصمتَهم الأولى. هذا القائدُ الدبلوماسيُ هو مُصْعَبُ بنُ عُمَيْر.

ذلك الشابُ الذي كان مُرفَّها قبلَ إسلامِه، وها هو في غزوةِ أُحد يصولُ ويجول، والأعداءُ يترصدون به ويستهدفونه، كما فعلوا بحمزةَ بنِ عبدِ المطلب، فكان أن استُشهد الاثنان في تلك المعركة، وخسر المسلمون يومها أولَ سفيرٍ لهم، كما خسروا في المعركة ذاتِها أبرزَ قائدٍ عسكري لديهم وهو حمزة، رضي الله عنهما.

استشهاد مُصْعَب، إلى جانبِ حمزة، ضاعَفَ من حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لما جرى في تلك المعركة، ولا سيما بعد الذي رأوْه من مواقفِه البطولية.

إسلام مصعب

كان مصعبٌ قبل إسلامِه شاباً وسيما مُنعّما، من أُسره ثَرِيَّة، يَلْبَسُ من الثياب أغلاها، ويَعرفه أهلُ مكةَ بِطِيبِه الذي يَفوحُ منه، ويحيطُه أبَوَاه بالرعايةِ الشديدةِ والدَلال. لكن ذلك كلَّه انتهى بعد أن عَلِمَ أهلُه بإسلامِه في مَطلَعِ البِعثة النبوية.

كانت أمُّهُ خُنَاسُ بنتُ مالك، تتمتعُ بشخصيةٍ قويّة، ومُصعَبٌ يَهابُها، فقرَّر أنْ يَكتمَ إسلامه، إلى أن وَشى به عثمانُ بنُ طلحة إلى أُمِّه، وكان زوجَ ابنتِها.

وجد مصعبٌ في الهجرة الأولى إلى الحبشة مَخرَجا مما كان يعاني منه. ثم عاد إلى مكةَ مع أولِ فوجٍ من العائدين، فرآه قومُه فَرقَّت قلوبُهم، وكَفَّوا عن تعذيبه. وكان رسولُ الله صلى الله عليه يُعِدِّه لمَهمةٍ كُبرى، وهي أن يكون أولَ سفيرٍ للإسلام إلى المدينة المنورة. فبعد بيعة العقبة، طلبَ وفدُ الأنصارِ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرسِلَ مَعَهم من يُعلِّمُهُم أمورَ دينهم، فاختار الرسولُ مُصعباً لهذه المَهَمَّة. ونزلَ مصعبٌ على أسعدِ بن زُرَارة، وأخذا يَبُثَّان الإسلامَ في أهل يثرب.

جاء مصعبٌ إلى يثرب وليس فيها سوى اثنيْ عَشَر مسلما، فأسلم على يديه سادتُها من الأوس والخزرج. واستطاع بحنكته ومهارته أن ينهيَ ما بينهم من صراعات قَبِليَّة.

وفي موسم الحج التالي جاء لمقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم وفد من المدينة من سبعين مؤمنا ومؤمنة، بقيادةِ مصعب بن عمير.

وهذا الدور القياديُ لمصعبٍ تَوَاصلَ بعد هجرةِ الرسولِ والمسلمين إلى المدينة، وخاض معهم معركةَ بدرٍ بقوة وبسالة، وكان حاملَ لواءِ المهاجرين في معركة أحد، التي شاءت إرادةُ اللهِ أن يكونَ من شهدائها، وهو في الأربعين من عمره. وعندما رأى الرسول والمسلمون جثمانَ مصعبٍ سالت عليه دموعٌ وفيرةٌ غزيرة.

آل شيبة

وبعد استشهاد مصعب بن عمير، تغيرت أمورٌ كثيرةٌ في مكة، وإنْ كان التغييرُ بطيئا، فالذين ناصبوه العِداء عندما أسلم في مقتبل الدعوة، بدأتْ تَرِقُّ قلوبُهم لدينِ الله بعد سنواتٍ من هذا الحدث، وكان من هؤلاءِ ابنُ أختِ مصعب، شَيْبة، وأبوه عثمانُ بنُ طلحة. وشيبة سُمي باسمِ جده الأكبر، الذي ينتمي إليه بنو شَيْبة، وهم سدنةُ الكعبةِ منذ عصورٍ طويلة، وقد أقر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السِدانة يومَ فتحِ مكة، وأعادَ لهم مِفتاح الكعبة.

وما زال أحفادُ عثمانَ بنِ طلحة إلى اليوم هم سدنةُ الكعبة، وهم الذين يحملون مفاتيحَها.

وسدانة الكعبة يحرِص عليها بنو شَيْبة أشدَّ الحرص منذ آلتْ إليهم من جدهم الأكبر قُصَيِّ بنِ كِلاَب، زعيمِ قريش وباني عزِّها، وهو أيضا الجدُ الخامس لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وكان لقصي أربعةُ ابناء: عبدُ الدار، وعبدُ العُزَّى، وعبدُ شمس، وعبدُ مَناف، جدُّ النبى صلى الله عليه وسلم.

ومنذ فتحِ مكة وحتى اليوم توالت أجيالٌ من بني شيبة على سِدانة الكعبة، وولايةِ شؤونها، لا ينازعهم في ذلك أحد. وكبيرُ سدنةِ الكعبةِ الآن هو الشيخ عبد العزيز الشِيبي.

ويُقر أهلُ مكة لبني شَيْبة من دونِ مُنازع، بالحق في إدارةِ شؤون الكعبة، ففي يَدِهم مفاتيحُها، ولا يدخلها أحدٌ إلا بإذنهم.

ومِفتاحُ الكعبةِ الذي تتوارثه أجيالُ آل الشِيبة، مِفتاحٌ ذهبي له شكلٌ خاص، يوضع في كيسٍ من الحرير الأخضر، كُتبت عليه الآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). وآل الشيبة اليوم هم الذين يتسلمون من الحكومة السعودية كِسوةَ الكعبة، في مطلع شهر ذي الحجة من كل عام، ليتمَّ وضعُها على الكعبة المشرفة في اليومِ التاسع من شهر ذي الحجة. وهي تقاليدُ تشير إلى وفاءِ الإسلام للعهود، وأدائه للأمانات، حتى ولو كانت تلك الأمانات والعهود من موروثاتِ المراحل التي سبقتْ مجيء الإسلام.