أبو ذر الغفاري.. آثر التقشف والعزلة على "المتاع الحلال"

في الحلقة 17 من رجال حول الرسول على "العربية"

نشر في:

تعرض الحلقة 17 من برنامج "رجال حول الرسول"، التي تبثها "العربية" الاثنين 7-9-2009، عند الساعة 2.20 بتوقيت غرينتش (5.20 بتوقيت السعودية)، قصة حياة الصحابي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الذي آثار حياة التقشف والعزلة على حياة الترف والتمتع بالحياة.

بدءاً من الرَّبَذَةُ، إحدى أولى المدن الإسلامية في الجزيرة العربية، والتي تقع على مسافة نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من المدينة المنوّرة، والتي كانت في وِلايَةِ عُمَرَ بنِ الخطاب حِمَىً لإبِلِ الصدقةِ وخيلِ المسلمين، ثم أصبحتْ محطةً رئيسيةً عَلَى طَرِيقِ الحَجِّ القادم من العراق الْمَعْرُوفِ بِدَرْبِ زُبَيْدَةَ.

واسم الربذة ارتبط بالصحابي الجليل أبي ذر الغفاري. ففي هذه المدينة أمضى رضي الله عنه أيامَه الأخيرة، بعدما رأى ما حلَّ بالناس من ترفٍ وفساد.

دخوله الإسلام

وأبو ذرّ، وهذه كُنْيَتُه، اسمُه جندبُ بنُ جُنَادةَ الغِفاري، فهو من بني غِفَار، إحدى القبائل التي كانت تقيم على طريقِ التجارة بين مكة والشام.

وقد اشتهرت هذه القبيلة بالسطو على القوافل. وكان أبو ذَرّ في شبابه وقبلَ إسلامه، يتفردُ وَحْدَه بقطعِ الطريق. لكنَّه في مرحلةٍ لاحقةٍ تَنَسُّك وتَعَبُّد، وتَرَكَ عبادةَ الأصنام. وظل على هذه الحال، حتى دَخَلَ في الإسلام.

كان أبو ذرِّ من أوائل الذين اعتنقوا الإسلام. فعندما سَمِع بأن نبياً بُعِثَ في مكة، ذهب إليه، وأسلمَ علانيةً في المسجدِ الحرام، فضرَبه رجالُ قريش، وكادوا يقتلونَه لولا تَدَخُّلُ العباسِ وتذكيرُهم بأن الرجلَ من غِفَار، التي تسكنُ على طريق تجارتِهم إلى الشام.

عاد أبو ذرٍ إلى قومِه بين مكة والمدينة، وأصبح من الدعاةِ إلى الله، وكان له أثرُه الكبيرُ بين أهلِه وقبيلته. وظل كذلك حتى هاجرَ إلى المدينةِ بعد غزوة الخندق.

وفي السنوات القليلة التي أمضاها أبو ذر يترددُ على المدينة المنورة، ظهرت شخصيتُه القوية وصلابتُه، كما تحددتْ معالمُ زُهدِه وتقشُفِه، وابتعادِه عن زُخْرِفِ الدنيا، وحُبِّه المساكين، وجهرِه بالحق، وميلِه إلى العزلة.

ومما يدل على مدى حبِّ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لأبي ذر، ما جَرى عندما كان المسلمون في طريقِهم إلى غزوة تبوك.

شارك أبو ذرِّ رضي الله عنه في الفتوحات في عهدِ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم آثر الإقامةَ في بعضِ مناطق الشام، بعدما رأى العُمران يتوسعُ في المدينة، وتظهرُ على الناس آثارُ النعمة، وهو أمرٌ لا يتوافقُ مع شخصيتِه.

خلافه مع معاوية

وعندما ذهب أبو ذرٍّ إلى دمشق في عهدِ عثمانَ بنِ عفان رضي الله عنه، وكان معاويةُ بنُ أبي سفيان واليا عليها، شاركَ في الفتوحات، وكان ممن خرجوا مع معاوية إلى فتحِ قبرص في السنةِ الثامنةِ والعشرين للهجرة. لكنه اختلفَ مع معاويةَ بسبب مظاهرِ الترف التي سادت في الشام. فبدأ يدعو الناسَ إلى التقشفِ والزهد. وتجمَّعَ حولَه كثيرٌ من الفقراء، فشعرَ معاويةُ بالخطر، لكنه يعرفُ قَدْرِ أبي ذرٍّ، فلم يَقْرَبْه بسوء.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبا ذر وهو في طريقه إلى المدينة بعدما تركَ دمشق، أقام فترةً في منطقةٍ في الأردن غيرِ بعيدةٍ عن طريقِ القوافلِ بين الشامِ والجزيرة العربية.

وفي هذه المنطقة في الأردن، هناك بقايا منزلٍ أقامَ فيه أبو ذر، وبُني عليه فيما بعد مسجدٌ تم تجديدُه في الآونة الأخيرة.

عندما وصل أبو ذر إلى المدينة المنورة، التقى عثمانَ بن عفان وجرى بينهما حوار حول أفكارِ التقشف التي يدعو إليها، وأصر أبو ذر خلال اللقاء على مواقِفه، ولم يأمرْهُ عثمانُ بالرجوعِ عن آرائه، وإنما طلب منه أن يكفَّ عن الإنكار على الناس ما هم فيه من المَتاع الحلال. وفي النهاية آثر أبو ذرٍّ العزلةَ من جديد.

اختار أبو ذر لعزلته مكاناً على طريقِ القوافل بين العراق والحجاز وهو الرَّبَذَةُ، فذهب إليها طوعاً، بخلاف ما قيل فيما بعد من أنه نُفي إليها.

وفي الربذة بنى أبو ذر مسجداً، بمساعدة مَنْ خصَّصه عثمانُ لُه من الخدم، وكان يَصِلُه عطاؤه الذي أمرَ به الخليفةُ بِلا انقطاع.

وفي الربذة لم يتوقفْ أبو ذر عن دعوةِ مَنْ يَمُرُّ به من القوافلِ إلى أفكاره، وظل على هذه الحال إلى أن وافته المنية. وقد تباينتْ مواقفُ الناسِ من آرائه قديما وحديثا، لكنها في حقيقتِها تعبر عن شخصيةٍ مستقلة في إطار الإسلام.

وفي عزلته هذه، أمضى أبو ذر أيامَه الأخيرة. وتوفي رضي الله عنه في السنة الثانية والثلاثين للهجرة.