عشائر العراق تستعيد نفوذها وتتحول إلى "بيضة قبان" الانتخابات
مجتمع خاص يحكمه "نظام العرف"
تلعب العشائر في العراق دورا بارزا في العملية السياسية حاليا، بحيث تلجأ إليها غالبية القوى والأحزاب المتنفذة لنيل تاييدها في الانتخابات التشريعية المقبلة. فالعشيرة في المجتمع العراقي تكوين سياسي واجتماعي مبني على أنظمة وقوانين خاصه تعرف في الفرات الأوسط والجنوب بـ"الأعراف العشائرية".
ويقول الشيخ أنور الشمرتي شيخ عشيرة الشمرت في النجف (160 كلم جنوب بغداد) "لا يوجد فصل بين العمل داخل العشيرة والسياسة. فعمل شيخ العشيرة في الواقع سياسي لأنه مبني على أساس السلطة التي يمتلكها ويمارسها مع أبنائه في العشيرة".
ولجأت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى العشائر لتوطيد النظام والأمن في العراق الجديد؛ فتم تاسيس مجالس إسناد عشائرية تعمل على ترسيخ المكتسبات في هذا المجال تحت إشراف الحكومة مباشرة.
يشار إلى أن العشائر لعبت دورا مؤثرا في تحديد الهوية الوطنية منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921 بعد أن خاضت صراعا مسلحا ضد الاحتلال البريطاني من خلال انتفاضات عدة كانت "ثورة العشرين" أكثرها اتساعا.
هدية "مسدس" لكل شيخ
وتميزت العلاقة بين العشيرة والدولة بأنها تسير في خطين متعاكسين عبر مراحل عدة من تاريخ العراق الحديث. فكلما ضعفت الدولة كلما اكتسبت العشيرة قوة ومناعة والعكس صحيح.
وعندما استولى حزب البعث على السلطة العام 1968 شرع قوانين طابعها الصرامة فمارست الدولة القوة من خلال تطبيقها، ما أدى إلى إضعاف عامل الانتماء للعشيرة، وبالتالي تراجع سلطة شيخ العشيرة لفرض هيمنته.
لكن الوهن الذي أصاب الدولة أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، دفعها إلى الاستعانة بشيوخ العشائر للحفاظ على النظام العام في البلاد.
وفي هذا السياق، يقول شيخ عشيرة البو كلل في النجف صبحي أبو كلل، إن الرئيس السابق صدام حسين دعا شيوخ عشائر الفرات الأوسط إلى الإفطار في إحدى ليالي رمضان أواسط التسعينيات بعد أن وهنت قوة الدولة بسبب الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة.
ويتابع "أرسل صدام حسين دعوة الى كافة شيوخ العشائر في الفرات الأوسط من أجل التباحث معهم حول أهمية أن تاخذ العشائر دورها في المجتمع. وعند الإفطار، قام بنفسة بتقديم الطعام إلينا ومن ثم قدم لنا هدايا نقديه ومسدسا لكل شيخ".
ويضيف أن "الدولة عامل حاسم في إضعاف أو تعزيز قوة العشائر في العراق. أما في هذه الأيام فإن الأحزاب مزقت العشائر من خلال عدم الالتزام بهيبة شيخ العشيرة، فكل من يدفع المال يذهب إليه شيوخ غير أصليين حتى وصل الأمر إلى وجود أكثر من شيخ في العشيرة الواحدة، لا بل داخل الفخذ أو البيت الواحد".
قوانين خاصة
وللعشائر قوانين خاصة تحكم العلاقة فيما بينها بفض النزاعات والخلافات حول ملكية الأراضي أو عند حدوث مشكلة ما تتعلق بـ"السواني" (مفردها سانية) وهي اتفاقات تبرم بين العشائر لدفع الديات المترتبة على من يرتكب ذنبا أو ما يسمى عشائريا بالمسبب.
ويدفع المسبب مبالغ من المال يتم الاتفاق عليها تسمى "الفصل" وفي كثير من الأحيان تتعارض قيمة الفصل مع الشريعة الإسلامية. ولذا، فان عددا من شيوخ العشائر يرون ضرورة الرجوع إلى القوانين التي تضعها الدولة.
وفي هذا الشان، يقول الشيخ ماجد الجشعمي، شيخ عشيرة جشعم في النجف "أقول بوجوب سريان قانون الدولة (...) أرغب في أن يسري قانون الدولة مع احترام الأعراف العشائرية".
وفي معمعة الانتخابات بعد سقوط النظام السابق، تعرضت العشائر للتهميش في بادئ الأمر من قبل القوى السياسية، ما اضطرها إلى تشكيل "مجلس شيوخ وعشائر وأعيان النجف الأشرف" للحفاظ على الهوية العشائرية في الفرات الأوسط والجنوب.
ولأن الدستور ينص على أن تداول السلطة يتم من خلال صناديق الاقتراع، عادت الأحزاب إلى العشائر لكونها تمثل القاعدة الانتخابية الواسعة وفتحت مقرات لها في الأرياف والقرى، وأقساما خاصة بالعشائر. ومن الصعوبة اليوم وجود حزب أو تيار يخلو من هذه التسميات.
ويؤكد أبو كلل أن "العشائر بعد تجربة 2005 تنبهت للأمر وستكون لها الكلمة الفصل في الانتخابات المقبلة، ولن نسمح لهم بتمرير ما يريدون مرة أخرى".
ويضيف "أمامنا خياران؛ فإما التصويت لمن يخدم صالح العراق، أو أننا سنلزم منازلنا ولن نشارك".
وفي خضم التجاذبات هذه، يبدو أن العشائر تشكل بيضة القبان.