عاجل

البث المباشر

"دير شبيغل" تتمسك بأدلتها حول تورّط حزب الله في اغتيال الحريري

في رسالة لكاتب التحقيق وصلت إلى "العربية"

بعد تسريبات أثارت زوبعةً بشان مقتل رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري بسبب الإشارة لحزب الله كجهةٍ متورطة, أكد كاتبُ المقال المثير للجدل في مجلة "دير شبيغل" الألمانية، إيريك فولاث، لـ"العربية" إنه لم يُفاجأ بالنفي الضعيف الصادر عن المحكمة الدولية.

وكشف في رسالة عبْر البريد الإلكتروني ردّاً على استفسار لقناة "العربية"، أن المجلةَ أمهلت المحكمةَ الخاصة بلبنان 24 ساعة للإجابة عن أسئلةٍ وجّهتها إليها تتعلقُ بمعلوماتِها وبالأسماء الواردة في التقرير. وأكد في المقابل، أنه لم يفاجأ بنفي حزب الله لما نُشر عن تورّطه في اغتيال الحريري.

وكان حزب الله نفى في وقت سابق ما ورد ما تحقيق المجلة الألمانية، واعتبر في بيان صادر عن العلاقات الاعلامية أن هدف هذه الحملة هو "التأثير في الاجواء الانتخابية في لبنان والتغطية على أخبار وعمليات اعتقال الشبكات التجسسية الاسرائيلية".

وقال ان "نشر هذه الاتهامات ونسبها الى مصادر مقربة من المحكمة الدولية يمس بصدقية المحكمة وسلامة عملها ويوجب عليها التصرف بحزم ووضوح تجاه ناشري هذه التلفيقات الشريرة".

وكانت المجلة الألمانية أوردت على موقعها الالكتروني ما قالت إنه نتائج جديدة مفاجئة توصل إليها فريق التحقيق الدولي في اغتيال رفيق الحريري.

وقالت المعلومات المشتقة من مصادر أمنية على علاقة بعمل لجنة التحقيق إن مسؤولاً عسكرياً في حزب الله، وتحديداً في الذراع العملياتية للحزب، يدعى الحاج سليم متورط في الاغتيال.

ففي الرابع عشر من فبراير، المصادف ليوم عيد الحب، وفي الساعة الثانية عشرة 56 دقيقة من منتصف ذلك اليوم، دوى انفجار مهول أمام فندق سان جورج في مدينة بيروت أثناء عبور موكب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وأدى الانفجار إلى حفرة بعمق مترين في وسط الشارع ودمر فرعا للبنك البريطاني HSBC في بيروت. وتناثرت الأشلاء في كل مكان وعلت أسطح المباني القريبة. لقي نحو 32 شخصاُ حتفهم في ذلك الإنفجار واللهيب الناتج عنه، بمن فيهم الحريري وحرسه الشخصي وعدد من المارة.

سرعان ما انتشرت تبعات هذه الصدمة في أرجاء الشرق الأوسط. فما الداعي لقتل الحريري؟ من نفذ العملية ومن كان وراءها؟ وما الهدف الذي يؤمل تحقيقه سياسياً من الاغتيال؟

أصبح اغتيال الحريري منذ ذلك الحين مصدر تأويل وتكهنات. هل كان عمل لمنظمة إرهابية مثل القاعدة؟ أم أنها إسرائيل ضمن جهودها المتواصلة لإضعاف جارتها لبنان؟ أما أنها إيران التي كانت تكره الحريري؟

أول المشتبه فيهم

في وقت الهجوم، عرف أن الحريري، وهو رجل اعمال مهتم بالإعمار قام بإعادة إعمار العاصمة بيروت بعد عقود من الحرب الأهلية، كان يرغب بالعودة إلى الساحة السياسية. كما كان معلوماً أن لديه خلافا مع الرئيس السوري بشار الأسد إثر مطالبته السوريين بسحب قواتهم المحتلة من لبنان.

نتيجة لذلك، كان أول المشتبه بهم في الاغتيال هي المؤسسة العسكرية والاستخباراتية السورية القوية إلى جانب حلقائهم اللبنانيين.

وفي أواخر عام 2005، تمت الموافقة على تعيين فريق تحقيق بتخويل من الأمم المتحدة وبرئاسة المدعي العام الألماني ديتليف ميليس، وبعد سبعة أشهر من البحث، أكد أن قوات الأمن السورية ومسؤولين لبنانيين رفيعين المستوى هم في الحقيقة المسؤولين عن اغتيال الحريري. وتم اعتقال أربعة من المشتبه بهم. لكن الخيط الأخير والدليل النهائي لم يتوصل إليه أحد. وتعرض التحقيق فيما بعد للتأخير بعد تولي خليفة ميليس؛ القاضي البلجيكي سيرجي بريمريتز.

ثم شكلت الأمم المتحدة محكمة خاصة بهدف التوصل إلى الحقيقة. وبدأت المحكمة أعمالها في الأول من مارس 2009. وجاءت هذه المحكمة التي كان مقرها في هولندا وبميزانية تصل إلى 40 مليون يورو (56 مليون دولار) للسنة الأولى فقط، إذ تدفع الأمم المتحدة 51% من الميزانية ولبنان 49%.

مدة عمل المحكمة الأساسية محدودة بثلاث سنوات وأقصى حكم يمكنها إصداره هو السجن المؤبد. عين القاضي الكندي دانييل بيلمار ذي السابعة والخمسين من عمره لترؤس هذه المحكمة.

أربعة من بين الأحد عشر قاضيا المعينين هم لبنانيون تم التحفظ على سرية هوياتهم لأغراض أمنية.

وفي أول أحكامها، قامت المحكمة في أوائل إبريل بإطلاق سراح أربعة ضباط كان ميليس ألقى القبض عليهم. ولم يصدر فيما بعد أي قرار آخر عن محكمة لاهاي، وكأن التحقيق قد بدأ للتو ولا تتوفر أي معلومات لديهم.

نتائج جديدة ومفاجئة

لكننا نرى الآن بعض المؤشرات على أن التحقيق أسفر عن نتائج جديدة ومفاجئة. فقد علمت شبيغل من مصادر مقربة من المحكمة وموثقة عبر مقارنتها بالوثائق الداخلية، أن قضية الحريري على وشك الدخول في اكتشاف خطير. فالتحقيقات المكثفة في لبنان تشير إلى نتائج جديدة: ليست سوريا، بل المنفذ هي قوة لبنانية خاصة تابعة لتنظيم حزب الله. فهم من خطط ونفذ هذه العملية الجهنمية. ويبدو أن رئيس المحكمة الدولية القاضي بلمار ومعاونيه يرغبون بإبقاء هذه المعلومات طي الكتمان رغم توصلهم إليها منذ نحو الشهر. فماذا يخشون؟

وفقاً للمعلومات المفصلة التي حصلت عليها شبيغل من مصدرها، فإن حقيقة حل القضية تعود إلى حنكة التحقيقات والتكنولوجيا المتقدمة التي تم استخدمها نخبة من محققي الفضاء الالكتروني. وخلال أشهر من العمل المضني، قامت وحدة عمليات سرية لبنانية خاصة برئاسة قائد خبير في الاستخبارات هو العقيد وسام عيد بمراجعة جميع أرقام الهواتف النقالة التي وجهت إلى المنطقة المحيطة بالحريري في الأيام السابقة للهجموم وفي اليوم ذاته. وأطلق فريق التحقيق على هذه الارقام اسم (دائرة الجحيم الأولى).

وفي النهاية، حدد العقيد وسام وفريقة ثمانية أرقام تم شراؤها في يوم واحد من متجر في مدينة طرابلس اللبنانية. وتم تشغيل الأرقام قبل الاغتيال بستة أسابيع، واستخدمت حصريا للتواصل فيما بين مستخدمي هذه الأرقام فقط باستثناء مرة واحدة، ولم يتم استخدام هذه الأرقام بعد الاغتيال. ويبدو أنها كانت أدوات استخدمها فريق القتل الذي نفذ عملية الاغتيال.

وكانت هناك أيضاً "دائرة جحيم ثانية" على ما يبدو، وهي شبكة تضم نحو 20 هاتف نقال حدد استخدامها على أنه قريب من مجموعة الثمانية أرقام الأولى بشكل متكرر. ووفقا لقوات الأمن اللبنانية، فان جميع الأرقام الهاتفية المعنية كانت تابعة للذراع التنفيذية في حزب الله التي لديها مليشيا مسلحة في لبنان تفوق قوتها قوة الجيش اللبناني النظامي.

تصادف تواجد مستخدمي مجموعتي الهواتف النقالة في كثير من الأحيان في مكان واحد، وحدد مكانهم مرات عدة على مقربة من مكان الهجوم. وقد أدى تواصل رومانسي لأحد الإرهابيين لكشف هوية أحد المشتبه بهم الرئيسيين على يد خبراء التحقيقات الالكترونية. إذ وقع هذا الإرهابي بخطأ فادح باتصاله بحبيبته من الهاتف "الساخن". ولم يقم بهذه الفعلة سوى مرة واحدة، لكنها كانت كافية لكشف هويته. إذ يعتقد أنه عبد المجيد عيران.

كما تم تحديد شخص آخر اسمه "غملوش" كواحد ممن قاموا بشراء الهواتف، لكنه اختفى منذ ذلك الحين، ويبدو أنه ليس على قيد الحياة.

العقل المدبر للعملية

وقد أوصل تهور غملوش المحققين إلى الشحص الذين يشكون الآن بأنه العقل المدبر للعملية وهو الحاج سليم البالغ من العمر 45 عاماً. سليم رجل من النبطية في جنوب لبنان ويعتقد أنه قائد للجناح العسكري في حزب الله ويعيش في جنوب لبنان. وتتبع وحدة العمليات الخاصة السرية التي يقودها سليم مباشرة للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.

وكان عماد مغنية، أحد أهم المطلوبين في العالم، وهو مدير هذه الوحدة حتى 12 فبراير 2008، إذ تمت تصفيته في تفجير في دمشق يقال إن الاستخبارات الاسرائيلية كانت خلفه. ومنذ ذلك الحين، تولى سليم جميع صلاحيات ومهمات سابقه الشهير، إلى جانب صهر مغنية مصطفى بدر الدين الذي يشغل منصب نائب له.

ويتبع هذان لرئيسهما في الحزب وللجنرال قاسم سليمان وهو حلقة صلتهما في إيران. وكانت إيران، وهي الممول الرئيس لحزب الله اللبناني قد طغت في نفوذها على النفوذ السوري.

وكلما تعمق التحقيق في لبنان بتفاصيل القضية، كلما اتضحت الصورة أكثر وفقا لمصادر شبيغل. ومن اهم الاكتشافات أن التحقيقات توصلت الى أن أحد أعضاء حزب الله هو الذي حصل على سيارة الميتسوبيشي التي استخدمت في العملية. كما تمكن التحقيق من ملاحقة مصدر المواد المتفجرة المستخدمة وهي أكثر من 1000 كيلوغرام من التي أن تي و سي 4 والهيكسوجين.

رئيس التحقيق اللبناني والبطل الحقيقي في هذه القصة لم يعش ليشهد النجاحات الأخيرة في هذه القضية. فالجنرال عيد (31عاما) تم اغتياله في عملية إرهابية تعرض لها في إحدى ضواحي بيروت (حاصميا) في 25 يناير 2008. وكانت هذه الهجمات التي أدت إلى مقتل ثلاثة آخرين تهدف على ما يبدو إلى تعطيل التحقيقات.

لكن، ومرة ثانية، كان هناك دليل على تورط وحدة كوماندو تابعة لحزب الله كام هو الحال في عشرات الهجمات الأخرى التي استهدفت عددا من الشخصيات اللبنانية في السنوات الأربعة الأخيرة.

الدافع وراء قتل الحريري

وبهذا يبقى سؤالنا عن الدافع دون إجابة؟ إذ كثير من الأطراف لها مصلحة في مقتل الحريري. فلماذا يكون حزب الله . . . أو مؤيدوه في إيران، هم المسؤولون عن هذا الاغتيال؟

قد تكون شعبية الحريري المتصاعدة شوكة في خاصرة قائد الشيعة في لبنان حسن نصر الله. ففي عام 2005، بدأ الحريري بمنافسة نصر الله. إلى جانب ذلك، فقد كان الحريري يمثل كل ما كان يكرهه قائد حزب الله المتشدد والمتعصب: فقد كانت لديه علاقات وطيدة مع الغرب ومكانة مرموقة بين رؤساء الدول العربية المعتدلة وينتمي للطائفة الإسلامية المنافسة السنية، وبهذا فقد كان الحريري بشكل ما مزاحما لنصر الله.

هناك شك في تطور لبنان بالاتجاه الذي كان يريده نصر الله. فمباشرة بعد الهجمات الإرهابية التي نفذت في عيد الحب من عام 2005، تفشى في لبنان تعاطف كبير مع السياسي المغدور.

وأدت ثورة الأرز إلى جلب حكومة مؤيدة للحريري، وبرز ابن القائد المغدور ليصبح من أهم القيادات الحزبية والشخصيات الفاعلة في لبنان.

كان من الممكن أن يصبح سعد الحريري (39عاما) رئيس وزراء منذ مدة لو قبل المخاطرة وشعر أنه مؤهل لهذا المنصب. وبعد اغتيال الحريري، غادرت القوات السورية المحتلة لبنان استجابة لضغط دولي ولبناني محلي.

الانتخابات المنعقدة عليها الآمال والمزمع عقدها في السابع من يونيو، فستوضح إن كان لبنان سيسمح لنصر الله أن يجعله متطرفا مرة ثانية أم لا. فهو يدخل مجددا إلى حملة إنتخابات بدوره المزدوج. فهو أمين عام لجزب الله الممثل في البرلمان منذ 1992، وهو قائد مليشيا جزب الله وجزء مما يسمى بدولة داخل دولة تضع قوانينها بنفسها.

اكتشافات يرجح أنها ستؤذي حزب الله

ويحتل حزب الله حاليا 14 من مقاعد البرلمان المائة وثمانية وعشرين وهو رقم من المتوقع ارتفاعه. ويعتقد البعض أن حزب الله قد يحقق مكتسبات كبيرة، على الرغم من أن إدخال تغييرات كبيرة في النظام البرلماني اللبناني غير مرجحة. إذ أن نظام التمثيل الديني المتكافئ، بوجود قوائم توافق معدة مسبقاً تنص على أن ثلثي المقاعد يجب أن تحدد قبل الانتخابات. وفي دولة الأرز، يجب أن يكون رئيس الوزراء سني، في حين يكون رئيس البرلمان شيعي ويوكل منصب الرئيس إلى مسيحي.

إن المعلومات الأخيرة عن مصممي اغتيال الحريري المزعومين ستؤذي على الأرجح حزب الله. إذ أن هناك نسبة كبيرة من اللبنانيين يخشون اندلاع اقتتال أهلي ويتوقون للمصالحة الوطنية. لكن قائد الحركة التي على الرغم من اعترافها الرسمي يقوانين اللعبة، إلا أنها لا تزال على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية مما ينذر باندلاع اشكالات جديدة في المحكمة الجنائية الأممية.

وفي خطاب له في بيروت، استبق نصر الله المعلومات الجديدة حيث تحدث عن "النوايا التآمرية" للمحكمة الدولية.
ومن المرجح أن لا يرحب بهذه المعلومات الجديدة في طهران كذلك، فهي ترى نفسها مواجهة مرة ثانية بتهمة تصدير الإرهاب.

أما موقف دمشق من المسألة فقد يكون مختلطاً. فعلى الرغم من عدم إعلان أن الحكومة السورية بعيدة عن الشبهات بعد، لكن الرئيس السوري على الأقل أصبح بعيدا عن مرمى النيران. فلم يعد هناك أي شيء تقريباً يشير إلى أنه كان على دراية بخطة الاغتيال أو أنه هو من أمر بالقتل.

من الممكن أن يتكهن المرء الأسباب التي قد تدعو المحكمة إلى حجب هذه المعلومات الجديدة عن الاغتيال. فربما يخشى المحققون في هولندا من أن هذه المعلومات قد تزعزع الاستقرار في لبنان.

رد على سؤال "شبيغل"

وفي مساء الجمعة، رد المكتب الاعلامي للمحكمة على سؤال مكتوب من شبيغل بعدم تمكنه من التعليق على ما سماه تفاصيل عملية.

أما ديتليف ميليس (60عاما) القاضي الألماني العام وكبير المحققين الأسبق لدى الأمم المتحدة فلديه مخاوفه الخاصة. فقد أدى تحقيقاته على أتم وجه وحسب المستطاع، واستجوب أكثر من 500 شاهد، والآن عليه أن يتحمل الاتهام الموجه إليه بصب انتباهه فقط على سوريا.

وأمرت المحكمة الدولية بإطلاق سراح الجنرالات الأربعة الذين اعتقلوا بناء على طلب ميليس، ما يشكل ضربة قاضية لهذا القاضي الألماني.

أحد الجنرالات الأربعة هو جميل السيد، رئيس سابق للامن العام اللبناني، رفع قضية ضد ميليس في المحاكم الفرنسية بتهمة التلاعب بالتحقيق.

وفي لقاء إعلامي أخذ السيد ادعاءاته خطوة أبعد باتهام مفوض الشرطة الألمانية جيرهارد ليمان والذي كان مساعد ميليس في تحقيقات بيروت بالابتزاز.

ويدعي السيد أن ليمان، وهو عضو في مكتب الشرطة الجنائية الألمانية الفيدرالي BKA عرض عليه صفقة مع الرئيس السوري. وبموجب هذه الترتيبات المزعومة، سيقوم الرئيس السوري بتحديد الشخص المسؤول عن قتل الحريري ويقنعه بالانتحار وبالتالي يتم إغلاق القضية.

ووفقاُ للسيد، عرضت السلطات اللبنانية عليه "عرضا غير أخلاقي" وهددته، ويدعي كذلك أنه يحتفظ بتسجيلات صوتية بهذا الحوار المدين.

لكن ميليس ينفي جميع الاتهامات. أما ليمان فلم نتوصل إليه من أجل التعليق. بينما جميل السيد المحب للأضواء فقد يحصل قريباً على عمل جديد. إذ يقال أنه من الأشخاص المرشحين لمنصب وزير العدل اللبناني القادم.