عاجل

البث المباشر

عمرو بن العاص.. فتح مصر بعد حصار طويل لحصن بابليون

في الحلقة 28 من رجال حول الرسول على "العربية"

تروي الحلقة 28 من برنامج رجال حول الرسول، الذي يبث اليوم الجمعة 18-9-2009 على "العربية" الساعة 5:20 بتوقيت السعودية، قصة حياة الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفتح مصر.

عَمْرُو بنُ العاص، قائدُ فتحِ مصر، كان من أبرزِ رجالات قريش، بل أبرزَ رَجُلِ سياسةٍ بين العربِ كلِّهم. يُضرَبُ به المثلُ في الفِطْنةِ والدهاءِ، والخبرةِ في إدارة سياسةِ الحروب. كانتْ له قبل الإسلام، علاقاتٌ قوية مع زعماءِ الجزيرة العربية وما حولها. وزارَ مصرَ عدةَ مراتٍ قبل فتحِها‏.‏ وأرسلتْه قريشٌ إلى الحبشة ليطلبَ من النجاشي تسليمَه المسلمين الذين هاجروا إليها. وكان ميناءُ الشُعَيْبة، إلى الجنوب الغربي من مكة الطريقَ إلى الحبشة.

وإذا كانت مهمةُ عمرِو بن العاص في الحبشة قد فَشِلَتْ في جانب، فإنها نجحتْ فيما بعد في جانب آخر.

أسلم عمروُ بنُ العاص في أوائل السنةِ الثامنةِ للهجرة، قبل فتحِ مكة. وجاء معه إلى المدينة في ذلك اليوم اثنانِ من كبارِ قادة قريش، خالدُ بنُ الوليد، وسادنُ الكعبة عثمانُ بنُ طلحة. وكان لإسلامِ هؤلاء الثلاثة أثرٌ كبيرٌ في نفوس المسلمين.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك إمكاناتِ عَمْروٍ القيادية، فجعله قائداً لبعض سرايَاه، ومنها سَرِيَّةُ ذاتِ السلاسل، لإخضاع قبيلة قضاعة، فتم له النصر.

ثم اختاره النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً يحمل كتابَه إلى مَلِكَيْ عُمان، يدعوهما إلى الإسلام، فنجح في مَهَمته.

في عهد أبي بكر كان عمروُ بنُ العاص من الذين شاركوا في حروب الردة. ولما بدأ أبو بكر في تشكيلِ جيوشِ فتح الشام، أسندَ إلى عمروٍ قيادةَ الجيشِ الذي سيتولى فتحَ فلسطين، لكنه شاركَ أولاً في معركة اليرموك.

بعد اليرموك شارك عمرو بن العاص في فتح دمشق، ثم توجه لمساندة جيش شُرَحْبِيلِ بنِ حِسْنَة في معركةُ فِحْل في غور الأردن، وبعدما تم النصر فيها، توجه إلى منطقةِ عملياتِه في فلسطين.

تمكن عمروُ بنُ العاص من السيطرة على المناطق الوسطى في فلسطين، ثم توجه جنوبا إلى رفح على حدودِ مصر، فسيطر عليها، لقطعِ الطريقِ على إمدادات الروم. وبعدها سار مع الشاطئ وفَتَحَ عَسْقَلان ويافا، ثم فرضَ حصارا على بيت المقدس، انتهى باستسلامها صُلحاً، وخروجِ الروم منها بعدما قَدِمَ إليها عمرُ بنُ الخطاب. وخلال زيارة عُمَرَ إلى فلسطين، ناقش معه عَمروٌ مسألةَ فتحِ مصر.

فتح مصر

وهناك عواملُ كثيرة جعلت عمرَ بنَ الخطاب يُوافق على فتحِ مصر، ولا يَجِدُ لها أفضلَ من عمروِ بنِ العاص.

أدرك عُمَرُ بنُ الخطاب أنَّ سيطرة المسلمين على بلادِ الشام لن تكتمل، ما دام هناك أسطولٌ للروم في البحر المتوسط، يعتمد في قواعدِه على مصر، فضلاً عن التكامل الأمني بين مصرَ وبلادِ الشام والجزيرة العربية.

كان عمروُ بن العاص يُدركُ من خلال علاقاته داخل مصر، أن سكانها الأصليين من القِبْط، يعانون من اضطهاد الروم، وينتظرونَ مَنْ يُخَلِّصُهم. وتوجه من رفح على الفورِ إلى العريش.

وصل عمروٌ إلى العريش عشيةَ عيد الأضحى من السنة التاسعةَ عشرةَ للهجرة، ثم توجه إلى منطقةٍ في المدينة تسمى الآنَ المساعيد.

في ضوء عدمِ وجودِ حاميات للروم على الطريق بعد العريش، تمكن عمروُ بنُ العاص من اجتيازِ سَيْنَاء سريعاً، ووصل إلى منطقة بئر العبد، على بُعد خمسين كيلومترا من العريش.

كانت الفَرَما، أولَ منطقةٍ مُحَصَّنةٍ على أبوابِ مصرَ الشرقية، وفيها حِصْنٌ قديم، وتُسقى بقناة من مياه النيل. وفيها حَشَدَ الرومُ قوةً كبيرة، وجرت فيها اشتباكاتٌ مع المسلمين استمرت نحو شهر، إلى أن هُزمت قواتُ الروم، وتم فتح الفَرَما يوم الخامس والعشرين من صفر عام عشرين للهجرة.

المحطةُ المُحَصَّنةُ التالية بعد الفَرَما، هي بَلْبيس، وقد سلك إليها عمروُ بنُ العاص طريقاً في الصحراء الشرقية.

بلبيس كانت فيها حاميةٌ قوية للروم. ولذلك خاض فيها المسلمون ثاني معركة مهمة من معاركِ فتح مصر، استمرت نحو شهر، إلى أن تم فتحها في جُمادَى الأولى سنة عشرين للهجرة.

بعد فتح بلبيس، أصبحت الطريقُ أمامَ عَمْروٍ سالكةً إلى موقعِ مدينةِ القاهرةِ الحالية. وكانت المحطةُ التالية قريةً على الطريق إلى حصن بابليون في موقع حي العباسية الآن، تسمى أُمّ دِنِين.

قبل أن يصل عمروُ بن العاص إلى أُمٍّ دِنِين، بلغته الأنباءُ عن حشودٍ ضخمةٍ للروم، فأرسل إلى عمرَ بنِ الخطاب يطلبُ المَدَد.

بعد وصول هذه القوةِ الجديدة أعاد عمروُ بن العاص تشكيلَ قواته، لتواجِهَ حشود الروم في أكثرَ من منطقة، ووقعتْ أكبر مواجهةٍ حتى الآن في منطقةِ ميدان العباسية، تمَّ فيها النصرُ لقوات عَمْرو.

بعد معركة أُمٍّ دِنِين، تجمعت قواتُ الروم في حصن بابليون. وفي الطريق إليه خاض المسلمون معركةً محدودة، فيما يعرف الآن بميدان رمسيس.

المواجهةُ الحاسمة في فتح مصر، هي تلك التي خاضها جيشُ عمروِ بنِ العاص أمامَ حصنِ بابليون، حيث ضربَ الجيش خيامه هناك واستعد لتلكَ المُنازلة الكبرى.

بناء أول جامع بمصر

وهكذا سقط حصنُ بابليون في يدِ عمروِ بنِ العاص بعد حصارٍ دامَ نحوَ سبعة أشهر، في الثامنَ عشر من ربيع الثاني سنة عشرين للهجرة، وكان سقوطُه إعلانا رسميا بفتح مصر.

كانت الأنباءُ تَصِلُ إلى عمرَ بنِ الخَطّاب في المدينة عن انتصاراتِ جيشِ عمرو بن العاص في مصر، وسقوط حصنِ بابليون. ونَقَلَ عمرُ بنُ الخطاب النبأَ إلى الناس.
بعد سقوط حصن بابليون، أقام عمروُ بن العاص جامعَ الفسطاط بالقربِ منه، وهو أول مسجد بُنيَ في مصر. وشَيَّدَ مساكنَ لجنده، وجعل الفسطاطَ عاصمةً لمصر.

من هذا الموقع واصلَ عمروُ بن العاص فتوحاتِه في بقية مناطقِ مصرَ وشمالِ إفريقيا. وكان الفسطاطُ مقرَّه في إدارةِ شؤون البلاد، حيثُ أصبح والياً عليها. وعلى أرضِ مصر تُوفي عَمروٌ رضي الله عنه، ودُفن في ثَراها.