عاجل

البث المباشر

محللون لبنانيون يرفضون طرح كاتب سعودي بعودة لبنان لسوريا

تركي السديري: هذا رأيي الشخصي ولا أتحدث باسم أي جهة

"لماذا لا يعود لبنان إلى سوريا؟"، سؤال طرحه رئيس تحرير صحيفة "الرياض" السعودية تركي السديري، في مقاله الثلاثاء 13-10-2009، والذي أثار استنكار محللين سياسيين لبنانيين تحدثت إليهم "العربية.نت"، رافضين عودة أية وصاية على البلد الذي لا يزال يعيش توالي الأزمات السياسية، آخرها تأليف الحكومة المعرقل منذ ما يزيد عن المائة يوم.

يؤكد السديري أن ما كتبه يمثل رأيه الشخصي، ولا يتحدث باسم أية جهة، ولا يهدف لأي نوع من "جس النبض".

ويشرح وجهة نظره بالقول "خلال أكثر من 40 سنة، لم تستقر أوضاع لبنان، وفترة الاستقرار فيه، كما ذكرت في المقال، كانت فترات هدنة لاأكثر". فأساس الحياة السياسية في لبنان، برأي السديري، هي الحرب الأهلية، "وبين كل حرب وحرب توجد هدنة".

ويتابع "ما كتبته لا يعني ان الوئام اقتصر على الفترة التي تدخلت فيها سوريا بأوضاعه. لم أقصد هذا أبداً، بل قصدت أن لبنان على مدى العقود الأربعة الماضية، كانت تقوم فيه نزاعات وحروب أهلية، لا تنتهي إلا بسلام مؤقت، ثم تعود من جديد. أصلاً سوريا لماذا تدخلت في لبنان؟" يجيب "تدخلت لإنهاء آخر حرب عرفها لبنان" قاصداً الحرب الأهلية التي انتهت عام 1990.

ويؤكد السديري، في حديثه لـ"العربية.نت"، أن المسألة لا تتعلق بسوريا، لكن طرحها جاء لمجرد كونها الدولة الوحيدة المجاورة لبنان، "من دون أي حديث عن أحقية معينة".

وعن معاكسة هذا الطرح للأجواء التفاؤلية التي عكستها القمة السعودية السورية على الواقع اللبناني، ينفي السديري أية خلفيات حول التوقيت، مؤكداً أن "هذا رأيي الشخصي، عبّرت عنه في السابق".

واعتبر أن الوصول إلى سلام في لبنان ليس بالأمر السهل "لأن الداخل اللبناني محكوم بما لا يقل عن 7 حكومات (أي الطوائف الكبرى)، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها".

لكن، بهذا المنطق، لماذا نعود إلى الحكم العثماني مثلاً؟ يجيب السديري: "لأن لبنان جزء من الشام. والمعروف تاريخياً أن أكثر من دولة كانت جزءاً من الشام، لكن هذه الدول استطاعت أن تكون نفسها وتعيش في سلام مع الآخرين، بعكس لبنان".

ويستطرد: "ليست سوريا هي التي تهمني في هذا. لكنه الحل الأنسب للسيطرة على الزعامات اللبنانية المسببة للتفكك"، مضيفاً "ولا أقول أن سوريا راغبة بهذا الدور، بل إنها تحملت الكثير وتعرضت للكثير من المشاكل والخسائر بسبب لبنان".

ويختم "أردت القول ان لبنان بأوضاع زعاماته الداخلية، التي حولته إلى ما لا يقل عن 7 دول في داخله، يجب أن يحكم من الخارج"، مبدياً عدم تفاؤله بالحديث عن قرب قيام حكومة لبنانية، التي، "حتى لو وجدت، ستكون حكومة هشة، لأن كل فئة ستحكم أفرادها وتبقى الحكومة مجرد شكل عام".

ويستبق السديري أي اعتراض لبناني على هذا الطرح بالقول: "إذا اعترضوا على هذا الكلام، فيجب أن يعملوا على إعادة الوحدة لبلادهم أولاً".

بومنصف: يعني النهاية

في المقابل، يبدي الكاتب والمحلل السياسي اللبناني نبيل بومنصف تعجبه من هذا النوع من الطروحات، بغض النظر عن مصدرها، فأي منطق يتحدث عن إعادة السيطرة السورية على لبنان، هو يعني دمار لبنان، ليس أقل من ذلك"، بحسب ما يقول لـ"العربية.نت".

ولا ينكر بومنصف أن لبنان غير قادر، حالياً، على إنشاء حكم صحيح، لكن "إذا كان هناك مرض في الجسم، فيكون العلاج بتناول الدواء، لا السم".

ويلفت إلى أن "أخطر مظاهر هذه الأزمة أن يستغلها سياسيون أو قادة فكر، أو أي جهة تؤثر في الرأي العام، لإعادة تسويق منطق الوصاية على لبنان. فإذا كان لبنان مريضاً بالقصور عن حكم ذاته بذاته، لا يكون العلاج بقتله. فالوصاية على لبنان تعني نهايته. والدليل انه، خلال 15 عاما من الوصاية عليه، لم يكن هناك لبنان ككيان دولة مستقلة".

ويستغرب بو منصف، الذي يرأس قسم المحليات في صحيفة "النهار"، الحديث بهذا المنطق، "ولا أعتقد أن سوريا ذاتها تفكر بهذا المنطق"، مستشهداً بالعلاقات الدبلوماسية التي عقدت بين البلدين، والاعتراف السوري بسيادة لبنان واستقلاله، ولو في خطوة رمزية تاريخياً.

ويتابع "نحن نعاني من مرحلة انتقالية لبناء مشروع الدولة. وهذا يعني وجود مآرب تريد القول أنه إذا كان لبنان قاصراً، فلنضعه تحت الوصاية مجدداً، سواء كان هذا الوصي سوريا أو غيره".

لكن هذا طرح مرفوض بالكامل، ولا أحد من الشعب اللبناني يقبل به، بحسب بومنصف، الذي يؤكد أنه، حتى قوى المعارضة "لا تقول أنها تريد أن تعود سوريا، بل نسمع تصريحات من حلفاء سوريا أنه مهما حدث فلن تعود إلى لبنان. فكيف يكون هذا الكلام؟".

وبعيداً عن الوصاية، يتحدث بومنصف عن وجود أنواع جديدة من التعاون في العالم، كمثال الاتحاد الأوروبي الذي طبّق أفضل وجوه الوحدة.

أما الحل للقصور في الحكم الذي تحدث عنه، فيرى بومنصف أن "الأطراف اللبنانية مرت في تجارب مريرة جداً خلال السنوات الخمس الماضية. ورغم العجز عن تشكيل حكومة عبر الشروط والشروط المضادة، فإننا يجب أن ننظر إلى الصورة الكاملة. فالكثير من الدول عانت لعبور هذه المرحلة الانتقالية نحو بناء الدولة. ويجب ألا نجلد أنفسنا بهذا القدر، كما يجب أن ننتبه أن العالم يراقب بما يمكن أن يشيع أجواء بأن لبنان لا يمكنه حكم نفسه بنفسه".

ويتفاءل بارتفاع الوعي عند النخبة السياسية اللبنانية خلال السنوات الماضية، بدليل أنه "خلال الأشهر الأربعة الماضية، رغم الأزمة، لم نشهد أزمات كبيرة في البلد. وهو ما يدل على حد أدنى من الاستقرار منع الانزلاق إلى أزمات كبيرة، ويعني أن القوى السياسية تأخذ بالتجارب، ولو ببطء، نحو فهم أن مسؤولياتها هي إقامة الدولة، فالمسألة تحتاج لوقت. والصورة ليست قاتمة لهذا الحد".

"ظالم وقاسي"

ويبدي محلل سياسي وصحافي لبناني معروف، "شعوره بالصدمة من الكلام القاسي والظالم بحق اللبنانيين"، والذي جعله يفضّل عدم كشف اسمه، بحسب ما عبّر لـ"العربية.نت". ويلفت إلى أن المثير للانتباه أن المقال يأتي بعد القمة السعودية السورية، "رغم تأكدي ان الأجواء التي سادت القمة كانت منافية تماماً للمنطق الذي يتحدث به كاتب المقال الذي أجده خارج السياق". ويعتبر أنها "ليست طريقة تفكير اللبنانيين ولا السعوديين ولا السوريين"، متوقعاً أن "يثير هذا الكلام انزعاجاً شديداً، أو أكثر، في الرياض نفسها".

ويتابع "يقول ان تاريخنا هو مجرد حروب أهلية متواصلة وكل طائفة تشكل دولة. لكن، الواقع ليس بهذا السوء. وإذا سلّمنا بأن جزءا من هذا التوصيف صحيح، فالسببب أن العالم كله تآمر علينا، وحوّلنا في فترة من الفترات إلى حقل رماية".

وعن التخوف من عودة سوريا، ولو بوجود مستتر، يقدّر أن "السوريين تجاوزوا هذه المرحلة، فسلموا باستقلال وخصوصية البلد. بالتأكيد سوريا لها مصالح في لنبان وحلفاء، لكن حتى الحلفاء أنفسهم أقربهم إلى سوريا لا يقبلوا هذا الكلام".

وعن المسؤولية اللبنانية في استدعاء مثل هذه الطروحات، يقول "صحيح اننا لسنا مثل الشعب النروجي أو الدنماركي. لكن توجد خصوصية للنظام اللبناني، وليس أول بلد في العالم يواجه أزمات أو مصاعب في تشكيل الحكومة. عشرات من دول العالم بقيت أكثر لفترات طويلة بدون حكومة ثم أعادت الانتخابات وبمشاكل أقصى كثيراً مما مررنا فيه حتى الآن".