"مواكب العزاء" في تونس.. تجارة بالملايين وخدمات خمس نجوم
وُصفت بالبدعة والنفاق الاجتماعي
تحول الموت إلى مناسبة اجتماعية بامتياز في تونس، صار التحضير لها يوازي التحضير للأعراس والمناسبات السارة. إذ تحرص العائلات الميسورة على "الاحتفاء بأمواتهم"، والإعداد الجيد لمواكب العزاء والتدقيق في تفاصيلها الصغيرة بدءاً من لوازم غسل الميت وكفنه، وصولاً إلى صوان العزاء من ذبح للخرفان والعجول وإقامة المآدب وتوزيع المشروبات من القهوة والشاي.
ولا ترى بعض العائلات التونسية مانعاً في جلب "نوادل" وطهاة لتنظيم "صوان العزاء" أو ما يعرف بـ"الفرق"، كما يتفنن أهل الميت في تأبينه عبر جلب أكبر عدد ممكن من المقرئين والشيوخ لتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم على روحه ساعة الوفاة واليوم الثالث ويوم الأربعين.
وقد برزت في السنوات الأخيرة شركات تونسية متخصصة في خدمات "الجنائز" تتكفل من الألف إلى الياء بكل مراحل "الفرق".
أحد أصحاب هذه الشركات والتي يقع مقرّها بجهة البحيرة (أحد أرقى الأحياء في تونس العاصمة) أشار إلى تزايد إقبال العائلات التونسية الميسورة، وحتى المتوسطة، للاستفادة من الخدمات المقدمة عن طريق شركتهم ذات الصيت العالمي والتي تزيح، حسب قوله، العبء عن أهل الميت من خلال تكفلها بكل تفاصيل الدفن، بدءاً من استصدار تصاريح الدفن وغسل الميت ولوازم الكفن مروراً بجلب المقرئين والطهاة والنوادل (حسب الطلب)، وصولاً لنقل جثمان المتوفى من مقر سكنه إلى المقبرة ليوارى الثرى.
ويشير في هذا الصدد إلى توفير شركته سيارات فاخرة من نوع "المرسيدس" لنقل الجثامين وتتجاوز قيمة إيجارها 700 دولار ويرتفع السعر الى أكثر من 1000 دولار حسب نوعية الخدمات و"الأوبشن" من أكاليل الزهور ونوعية التابوت والمسافة الفاصلة بين منزل المتوفى والمقبرة.
مفاخرة ومزايدات على الميت
ويعتبر أحد العاملين في مقبرة "الزلاج"، وهي من أقدم المقابر الإسلامية في تونس وتضم أكثر من 3 ملايين و900 قبر موزع على مساحة 64 هكتاراً، أن مظاهر البذخ والمغالاة أضحت سمة بارزة في بعض الجنائز من فئة خمس نجوم رغم أنها حسب قوله مظاهر دخيلة على المجتمعات الإسلامية، ويؤكد في هذا الصدد أن القانون التونسي حدد مواصفات واضحة ومتفق عليها في الشكل الهندسي المستطيل للقبر، لا تتجاوز في أغلبها بناء القبر والحجر الرخامي الذي يوضع فوقه وما دون ذلك من بهرج فيتجاوز حدود مكان الدفن ويعود لعائلة المتوفى.
ذات المصدر بيّن أن بلدية تونس حددت سعراً رمزياً لإيجار سيارة نقل الجثامين بقيمة 20 ديناراً تونسياً، كما لا تتعدى كلفة حفر القبر وبنائه 50 ديناراً.
في المقابل أوضح أن الأسعار المشطة التي يفرضها بعض الدخلاء على قطاع الجنائز ساهم في تحول حادثة الوفاة إلى موضوع للمزايدات بين أهل المتوفى من جهة والمقرئين والقائمين بغسل الموتى من جهة أخرى.
وتؤكد في هذا الإطار السيدة نجاة التي تقطن بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة أن جنازة والدتها تجاوزت كلفتها 500 دولار، حيث بلغ سعر المغسلة وحدها 100 دولار إضافة إلى ارتفاع أسعار لوزام الكفن والشيوخ المقرئين الذين أخذ كل واحد منهم 30 دولاراً فضلاً عن "صوان العزاء" من ذبح للخرفان وتحضير "الكسكسي".
ويتساءل في هذا الصدد الباحث الاجتماعي طارق بن الحاج محمد عن تعامل العائلات التونسية مع الموت: هل هو حقاً احتفاء بالأموات أم بالأحياء؟ مؤكداً تحوله من حدث وجودي فاصل إلى مناسبة اجتماعية بامتياز. لتعزيز الصورة الاجتماعية والتباهي و"النفاق" الاجتماعي.
وأوضح أن الاستعداد لحاثة الموت لم يعد يختلف في تفاصيله ومصاريفه الاستعداد للأفراح والأعراس وأعياد الميلاد، وأرجع ذلك إلى"الانفصام" الثقافي والاجتماعي الذي يعيشه التونسي وتراجع الوازع الديني لدى شريحة واسعة منه. ويضيف قائلاً: "نجد أنفسنا أمام عقيدة اجتماعية جديدة قوامها الصورة الاجتماعية التي تعتبر بدورها امتداداً لثقافة الاستهلاك".
وخلص إلى تحول حادثة الوفاة إلى مناسبة للاحتفاء بالأحياء وإكرامهم بدل إكرام الأموات.
من جانبه يستنكر الباحث في علوم الدين أحمد الغربي، وهو إمام خطيب، هذه العادات التي وصفها "بالبدع الدخيلة على المجتمع التونسي المسلم"، مؤكداً في هذا الصدد أن الدين براء من هذه السلوكات السيئة.
ويشير إلى أن الخلط بين العادة والعبادة أفسد جوهر العقيدة، موضحاً أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نهى عن المباهاة والتفاخر والتبذير في الحياة فما بالك بحادث جلل كالموت. كما يؤكد أن مناسبة الموت جعلت للاتعاظ والتوبة قبل فوات الأوان والرجوع لله والتفكير في حسن الخاتمة بعيداً عن "ملذات دار الدنيا".
ويستنكر ظاهرة المزايدات عند بعض "الشيوخ" المحسوبين على قراءة القرآن بمقابل والمتاجرة بكلام الله وهو ما لا يتناسب، حسب قوله، "مع كرامة القرآن وقدسيته ولا مع جلالة موقف الموت".