خلايا السرطان تهاجم الجسم كالعصابات وهو يدافع كجيش نظامي

صحافي يروي صراعه مع المرض (3 من 5)

نشر في:

في أول زيارة قمتُ بها إلى عيادته يوم عيد الميلاد الماضي، قال لي د. كريس ناتينغ: "أنت محظوظ فعلاً يا سيد قبيسي". ثم بدأ يظهر منه ما يشير الى رغبته في متابعة الحديث، لكنني قاطعته طبعاً: "من فضلك ستوب.. أنا محظوظ؟ وتقول فعلاً أيضاً؟".

قاطعته بهذه العبارة لأنني اعتقدته يمزح معي وهو الذي يعرف أني كنت في وضع لا يسمح لي بالمزاح ولا بالاستماع إلى نكتة أو مزحة من أي نوع، فأنا مصاب بسرطان تأكدت في تشرين الثاني (نوفمبر ) الماضي أنه تبرعم في الحنجرة، ويسمونه "لارينكس" بالإنجليزية، وهو سرطان معتدل متى كان في بدايته، لأنه بطيء التبرعم وبطيء الانتشار.

ومن "إيجابيات" هذا السرطان أنه لا يتأخر في الإعلان عن وجوده في منطقة يطلقون عليها أيضا اسم "صندوق الأوتار الصوتية" في عالم الطب، أو "تفاحة آدم" كتعبير شعبي، وهي منطقة حساسة ومعزولة عن أعضاء في الجسم يمكن للخلايا المتسرطنة الانتشار فيها بسهولة.

أما أهم العوارض التي يعلمك عن طريقها بوجوده في تلك المنطقة فهي متنوعة، كألم شديد في الأذن، أو رائحة كريهة في الفم، أو سعال لا يتوقف مع أي دواء، أو إحساس بالاختناق ليلاً، أو فقدان بالوزن من دون سبب، وهي أعراض مشتركة مع أمراض عادية أخرى. لكن أوضح الأعراض هي بحة في الصوت طارئة تأتيك فجأة من دون مقدمات.. بحة عادية تظنها كالتي مرت بك سابقاً بعد صراخ أو نقاش حاد مثلاً، لكنها كانت لي هذه المرة بحة من دون سبب بالمرة.

وطمأنني د. كريس بأنه ليس من النوع الذي يمزح، وإلا ما كان يشرف على علاج أكثر من 700 مصاب بالسرطان شهرياً في مستشفى "لندن كلينيك" الشهير في العاصمة البريطانية، كما في مستشفى "رويال مارسدن" في لندن أيضاً، والمخصص طابقه الثالث كله له ولطاقمه من متخصصين بالعلاجات المتنوعة لسرطان الرأس بأعضائه المختلفة.

طمأنني بأنه لا يمزح، ثم كرر عبارته: "أنت محظوظ لأن سرطانك مازال طفلاً عمره بين 16 و18 شهراً، وهو لايزال في مرحلته الأولى (T1) وبدأ بالدخول إلى الثانية (T2) وسببه التدخين، ونسبة شفائك منه عبر العلاج الإشعاعي (راديو ثيرابي) هي 95%، سنعمل على أن تتخلص منه بالاشعاع، عبر طريقة جديدة أنا الرائد فيها، وهو علاج لا يسبب ألماً على الإطلاق، لكن مضاعفاته هي المشكلة، وعليك أن تتحملها وترضى بها لأنها نتاج عملية شفاء من مرض صعب كما تعلم، فتناول ما استطعت من أطعمة كثيرة ومتنوعة منذ الآن واشرب من الماء ما استطعت استعداداً للعلاج بعد 11 يوماً". فأسرعت لتنفيذ ما قال ورحت ألتهم كل ما يقع أمامي وأشرب ما معدله 3 ليترات من الماء يومياً.

العلاج 6 أسابيع والمتابعة 5 سنوات

ثم أخبرني د. ناتينغ قبل بدء العلاج بدقائق بأني ملزم للخضوع لـ30 جلسة إشعاعية مكثفة طوال 6 أسابيع، بواقع 5 جلسات أسبوعية، ما عدا السبت والأحد، من 4 يناير (كانون الثاني) إلى 12 فبراير (شباط) الماضيين، أي 30 جلسة علاج إشعاعي. وقال إن التسليط المركز للاشعاع، وهو عبارة عن أشعة اكس مكثفة، يؤدي إلى "انتهاك وخربطة" في المنطقة المتسرطنة المنوي حرقها وانتهاكها عن بكرة أبيها بالإشعاع، وهي عملية شبيهة بحرب "الأرض المحروقة" للموقع العابثة فيه خلايا تسرطنت مع الزمن بسبب التدخين وأصبحت خارجة على القانون، أي كأنها فتحت جسماً على حسابها الخاص تعيش فيه، ومنه تهاجم الجيران بأفتك سلاح: التورم والتورم بلا توقف.

بهذا العلاج الإشعاعي تموت الخلايا السرطانية، ومعها تموت الخلايا الصحية أيضاً، إلا أن الأخيرة تعود وتتوالد صحية من جديد، فيما لا تعود المتسرطنة ثانية، فيحدث الشفاء وتعود الأعضاء بعد 3 أو 4 أشهر إلى وظائفها كما كانت من قبل الإصابة بنسبة 99% تقريباً. أما نسبة الشفاء الكلي بعد نجاح العلاج الإشعاعي فهي 85% تقريباً، لأن خطر عودة التسرطن أو انتقاله إلى عضو آخر كالعنق أو الرئة مثلاً وارد ولو بنسبة ضيئلة لا تتجاوز 15%، والسبب أن الخلية السرطانية خبيثة كالعقرب وداهية كالثعلب.

حين يهاجم الجسم الخلايا السرطانية بالمضادات، أو خلال تعرضها للعلاج الاشعاعي أيضاً، أو أي علاج، فإن بعضها يختفي من ساحة المعركة كله لينجو بنفسه كما يبدو، فتكر الخلايا وتفر كما وكأنها عصابة للجريمة المنظمة فارة من مطاردة العدالة، أو كما حركة مقاومة تقاتل بأسلوب العصابات جيشاً نظامياً جنوده مضادات يقوم الجسم بتجييشها بالكامل لمحاربة التسرطن. هو يهاجمها بجيش نظامي من الخلايا الصحية والمضادات وهي ترد على الهجوم بالاحتيال وحرب العصابات. وقد أعجب د. ناتينغ بهذه التعابير التي سمعها مني ولم يكن قرأها قبل الآن، لأنها ليست طبية بل صحافية، لكنها تصور برأيه حقيقة ما يجري في الموقع المتسرطن من عراك.

ما يجري في الساحة المتسرطنة هو معركة قتال شرسة بكل الأسلحة، وفيها تنتصر العصابات السرطانية دائماً، لأنها تحفر الموقع الذي تبرعمت فيه، كما يحفر المقاومون الأنفاق، وتدخل إلى عمق النسيج العضوي أو اللحمي، ومنه تتسلل لتجتاح الجسم كله بالملايين وتسيطر عليه حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة معها، إلا إذا طلب الجسم دعماً من الخارج يأتيه كنجدة مزودة بأمضى سلاح: الجراحة بإزالة التورم، أو عبر العلاج الكيماوي أو الاشعاعي، أو بالليزر بمساعدة التبريد المكثف، كما وعلاجات مضادة للتسرطن كثيرة تم تطويرها في السنوات العشر الأخيرة، ومنها جهاز "سايبر نايف" الاشعاعي الجديد (يوجد منه جهازان في أوروبا، وهما في مستشفى "لندن كلينك") وهو قادر على إزالة بعض أنواع السرطان بجلسة علاج واحدة لا تستمر أكثر من نصف ساعة، لذلك ترى عشرات من أبناء الخليج يأتون لتلقي العلاج عبر "سايبر نايف" ثم يعودون في اليوم التالي إلى بلادهم.

ذكر لي د. ناتينغ أيضاً أني ملزم بزيارته طوال 5 سنوات إذا ما نجح العلاج، وبواقع مرة كل شهر في العام الأول، ومن بعده مرة كل شهرين ثم مرة كل 3 أشهر ثم مرة كل 6 أشهر للفحص الطبي الرقابي، لا العلاجي، احتياطياً من عودة السرطان إلى مكانه ثانية، أو إلى موضع آخر. ثم حذرني منبهاً: "أنا اشترط عليك أمراً واحداً فقط، فكل واشرب وافعل ما تشاء، لكن إياك والعودة إلى التدخين، لأنك إذا عدت للسيجارة، فإنك بذلك تستدعي السرطان لزيارتك ثانية، لا بنسبة 15%، بل 40 وأكثر"، كما قال.

شكرته وطمأنته بأن طلاقي للسيجارة التي تحولت معها عبر السنين إلى "مدخنة" تشعل بين 25 و30 سيجارة يومياً، هو حاسم وغير رجعي وعلى مسمع وشهود، أهمهم ابنتي التي وعدتها بأنه لا عودة ثانية إلى التدخين إطلاقاً. ثم انتقلنا، الدكتور وأنا، إلى مكان العلاج الإشعاعي حيث يعمل هناك 8 مختصين في الطابق الثالث تحت الأرض بمبنى خاص بعلاج الأورام وتابع لمستشفى "لندن كلينك" القريب أيضاً من حيث أسكن.

في ذلك الطابق وجدت نفسي وحيداً في ميدان المعركة ضد جيش جنوده من ملايين الخلايا السرطانية المتسلحة بالخبث والدهاء، وليس في حوزتي وأنا وحيد في الغرفة المصفحة سوى سلاح واحد ضدها من حدين: أمل نابع من إيمان شامل ومطلق بمبدع الحياة والموت ومحقق الشفاء لمن يشاء، وجهاز للقصف الإشعاعي استلقيت على ظهري تحت فوهته 12 دقيقة في كل جلسة، وطوال 6 أسابيع مرت خلالها الأمور في أول أسبوعين منها سهلة تماماً، إلى أن بدأت المضاعفات تظهر مع بداية الأسبوع الثالث، وما أدراك ما المضاعفات، فهي مما لا تعرفه الحواس الخمس ولا خطر على قلب بشر.