عروس البحر.. فيلم عربي إسرائيلي يحمل رسالة لـ"التعايش السلمي"
بطله مرشح لعمل فرنسي يجسد معاناة الفلسطينيين بغزة
يسعى فيلم "عروس البحر" إلى إلقاء الضوء على تفاصيل العلاقة بين فلسطيني 48 واليهود داخل الدولة العبرية، حيث يرى بطله الممثل الشاب محمود شلبي (24 عاماً) أن الفيلم يهدف إلى توجيه رسالة للإسرائيليين مفادها، ضرورة التعايش السلمي بين الوسطين داخل إطار دولة إسرائيلية، دون تفرقة أو تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة.
الممثل الشاب محمود شلبي أحد سكان مدينة عكا، رغب من خلال أول مشاركة سينمائية له، التعبير عن خواطر اجتماعية تختلج بداخله منذ نعومة أظفاره، وعن ذلك يقول: "حاولت من خلال بطولتي لفيلم "عروس البحر"، أن يفهم كل يهودي يعيش في إسرائيل، أن العلاقة بيننا "عرب 48" وبين اليهود ليست من المحاذير الدينية، وإنما هى علاقة طبيعية وعادية. فإذا كانت الكراهية تُعد معولاً لهدم هذه العلاقة، فالحب أيضاً يمكنه بناء هذه العلاقة شريطة أن نمنحه الفرصة".
تحت سقف واحد
وأوضح شلبي في سياق حديث مع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية "أرغب في أن يتفهم الجمهور الإسرائيلي بعد مشاهدة الفيلم أن حل إشكالية العلاقة بين العرب واليهود في إسرائيل يكمن في الحياة المشتركة تحت سقف واحد"، مشيراً إلى أن فيلم "عروس البحر" سياسي من الدرجة الأولى، ويحمل العديد من الإشارات الرمزية، التي تدور في مجملها حول أن قصة الحب المدرجة في سياق سيناريو الفيلم تأتي كاستعارة لحياة مشتركة بين العرب واليهود في إسرائيل.
واقع الظروف الاجتماعية، التي عاشها الممثل العربي محمود شلبي في مدينة عكا، كانت حافزاً لإتقانه دور البطولة، ولعل ذلك كان سبباً في ترشيحه من قبل مخرجة الفيلم، اليهودية الإسرائيلية "كيرن يدعيا".
وعن تلك الظروف الاجتماعية يقول شلبي: "ولدت في حى الشيخ عبد الله بمدينة عكا القديمة، وكنت أحد أفراد أسرة متوسطة تتكون من سبعة أشقاء وشقيقات، كانت ظروف المعيشة في الحي وما زالت عصيبة، فإذا لم تسعى للانتصار على الآخرين، فسيحاول هؤلاء هزيمتك، ويمكن وصف هذه البيئة بأنها مأساوية، يعيش أبناؤها حياة اليأس بكل صوره. فالأطفال الذين لا يتجاوزون الرابعة عشر من أعمارهم يتاجرون في المخدرات، ولا يفارقهم السلاح، أما عن الشرطة الإسرائيلية فتترك الحبل على غاربه، ولا تكترث بمعالجة آفات وسلبيات هذه البيئة، طالما أن هذا المشهد الدراماتيكي لا يتجاوز حدود مدينة عكا القديمة".
ذكريات الطفولة لم تبرح رأس شلبي بعد، وعنها يقول: "مسار حياتي تغير تماماً، عندما اتجهت للغناء بتأثير من بعض الرفاق، وفي السابعة عشر من عمري نجحت بمشاركة مجموعة من أصدقاء مدينة عكا في تكوين أول فريق لموسيقى الراب الفلسطينية وأطلقنا عليه في حينه MWR ، ولاقى هذا الفريق صيتا وشهرة في جميع الأماكن التي أحيا فيها حفلاته، خصوصاً في مصر والضفة الغربية والأردن. ورغم النجاح الذي حققه الفريق دبت الخلافات بين أعضائه، وقرر كل منا الانفراد بنفسه بعيداً عن الآخر".
من المقهى إلى السينما
بعد تفكيك فريق الراب الذي كونه، سعى شلبي إلى البحث عن اتجاه جديد، فلم تكن الحفلات التي يحييها ثلاث مرات في الشهر كافية لتغطية نفقاته الشخصية، فاضطر إلى افتتاح مقهى بجوار المسجد المقابل لمنزله، غير أنه شعر بالضيق بعد فترة معينة، بعد أن وصل إلى قناعة بأن هذا الطريق ليس طريقه.
وفي أحد أيام الصيف الساخنة، وبعد أن أشرف اليأس على التهامه، تلقى اتصالاً هاتفياً من تل أبيب، وكان محادثه من الطرف الآخر سكرتيرة إحدى شركات الإنتاج السينمائية، التي حددت له موعداً للقاء المخرجة "كيرن يدعيا". وعلى الفور قرر شلبي الفرار من المكان الخرب -على حد قوله- الذي يعيش فيه، والانطلاق بسرعة البرق إلى تل أبيب للمشاركة في العمل السينمائي، الذي تعرضه عليه المخرجة يدعياً.
وعلى الرغم من عدم دراسته للتمثيل، إلا أن حضور محمود شلبي الفني إلى جانب ممثلين إسرائيليين مخضرمين مثل "موني موشونوف"، و"رونيت الكابتس"، و"دانا ايبجي" كان إيجابياً، فضلاً عن ملامح وجهه المنحوتة، ونظرته التي لا يمكن أن تتجاهلها عين المشاهد بحسب يديعوت أحرونوت.
ويجسد شلبي دور عامل في جراج سيارات يمتلكه موشونوف، ويحب ابنته ايبجي ويقرر الزواج منها، وتنمو مشاعر العشق بين الحبيبين، إلا أن شلبي يقتل عن طريق الخطأ شقيق حبيبته، ليفشل مشروع الزواج، ويترك على السطح أجواء من الريبة، التي تجسد طبيعة العلاقة بين العرب واليهود في إسرائيل.
وعن الرسائل السياسية الرمزية التي يحملها الفيلم يقول شلبي: "هذا العمل الفني يخاطب الإسرائيليين، ويحاول إقناعهم بأن تجاهل عرب إسرائيل ضرب من الخيال، ولن يساعد ذلك في بناء جسور التواصل الضرورية بين الوسطين العربي واليهودي. وفي المرة الأولى التي قرأت فيها سيناريو الفيلم، ارتعد قلبي لا سيما أن السيناريو يتسق مع موقفي الشخصي الذي أؤمن فيه بأن الدولة العبرية لكلا الشعبين اليهودي والعربي، ولعل ذلك كان سبباً رئيسياً لاستثمار كل طاقتي في إيصال الرسالة التي يحملها (عروس البحر)".
تراجيديا الأمل
وفي رده على سؤال عن أن قصة الحب بين البطل العربي وحبيبته اليهودية باءت بالفشل، فكانت النهاية مفعمة بالتشاؤم؟ يقول شلبي: "الحكم بفشل قصة الحب من عدمه يرتبط بكيفية استيعاب ذلك، فعلى الرغم من أن نهاية الفيلم تُجسد الجانب التراجيدي، إلا أنها تعكس وجود الأمل. صحيح أن كلانا بعيد عن الآخر في أفكاره، إلا أن هناك ما يربط بيننا. فالبعد أو التقارب مرهون برغبتنا، وهذا ما تجسده الحياة على أرض الواقع. هنا شعبان منعزلان، لا يرغب أحدهما في النظر إلى الآخر، فكلاهما منغلق على نفسه وهناك تباعد بينهما، إلا أنه على الرغم من ذلك ما زال الأمل موجوداً".
وعن علاقة الدين بالتعايش السلمي بين الشعوب، يشير محمود شلبي إلى أن الدين لم يكن في يوم من الأيام حائلاً دون التعايش والصداقة، وأضاف "لبالغ الأسف توجد جذور عصبية، ولكن إلى جانب هذه العصبية هناك خيار، فالتمييز بين الجانبين العربي واليهودي في إسرائيل أكثر تطرفاً من ذي قبل، وهذا ناجم عن تدريس الأفكار البالية، وتلقيها دون فهم أو استيعاب، فلقد نشأت في ظل أسرة مسلمة، وأعتقد أن الإنسان يولد طاهراً وحراً، ثم يتلقى فيما بعد من المجتمع الذي يعيش فيه رسائل، فإذا كانت هذه الرسائل خاطئة يفرض متلقيها على نفسه سياجاً من العنصرية".
معاناة غزة
فيلم "عروس البحر" الذي عُرض في مقدمة أفلام مهرجان كان السينمائي الدولي بالعاصمة الفرنسية باريس، فتح لمحمود شلبي أبواب الشهرة، لدرجة أن أكد أنه لا يصدق ما وصل إليه خلال هذه الفترة الوجيزة من عمره. كما أن عرض الفيلم في نيويورك أتاح لشلبي فرصة السفر إلى الولايات المتحدة، بعد أن كان ممنوعاً من السفر إليها لأسباب أمنية. قال عنها لصحيفة يديعوت أحرونوت: "إنها تعود إلى تشابه في الأسماء بيني وبين أحد الأشخاص المتورطين في قضايا أمنية بالولايات المتحدة".
ويشارك محمود شلبي حالياً في تصوير فيلم فرنسي بعنوان "الشيطان يكمن في زجاجة" للسيناريست الفرنسية والري زنتي. ويلعب شلبي في هذا الفيلم دوراً رئيسياً. وعن هذا العمل يقول: "التقيت زنتي على هامش مهرجان كان، وخلال اللقاء قالت إن لي دوراً في عمل سينمائي جديد، وفوجئت عندما علمت منها أن العمل الذي تتحدث عنه، يجسد معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، ورغم تحفظي في بداية الأمر، إلا أنني وافقت في نهاية المطاف، خصوصاً عندما علمت أن الكاتبة والمخرجة والممثلة هيام عباس، وهي من فلسطيني 48، وستلعب دور أمي في الفيلم الجديد".