.
.
.
.

مصريون يرفضون مصادرة "ألف ليلة" ويحذرون من "بَدْوَنة الثقافة"

بعد بلاغ للنائب العام اعتبرها خادشة للحياء

نشر في:

رفض كُتاب مصريون في مؤتمر أدبي الثلاثاء 4-5-2010 باتحاد الكتاب بالقاهرة مطالبة عدد من المحامين بمصادرة "ألف ليلة وليلة"، محذرين من آثار "ثقافة النفط" التي يرون أنها "تعادي الخيال ولا ترى في الإبداع الأدبي إلا جانبه الحسي".

في الوقت نفسه قررت اللجنة العليا للنشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة إصدار طبعة جديدة من كتاب "ألف ليلة وليلة" بعد نفاد الطبعة التي أصدرتها أخيراً ومطالبة القراء والمهتمين بطبعة جديدة.

وقال د. أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر لـ"العربية نت" إن هذا القرار يعتبر صفعة قوية وتحدياً لقوى الظلام التي تتآمر ضد حرية الإبداع والفنون في مصر، وإن وزارة الثقافة متمثلة في الوزير فاروق حسني والكتاب والأدباء الذين يديرون هيئاتها لن يستجيبوا لأي تأثيرات أو دعوات تطالب بالمصادرة، وإن المرحلة القادمة ستشهد المبادرة بالفعل وليس رد الفعل".

وأضاف مجاهد "لقد نفدت الطبعة التي أصدرناها أخيراً بالكامل وهذا يؤكد أن الشعب المصري متشوق لقراءة كتب التراث الفني والانساني وأنه شعب يعي ما يقرأ، ولن تؤثر فيه حفنة من المتاجرين بالدين الإسلامي".

مؤكدا "أن اصدار طبعة جديدة لكتاب " ألف ليلة وليلة " هو أبلغ رد عملى على الذين يطالبون بمصادرة الكتاب والحجر على الثقافة المصرية ".

وكان بعض المحامين قدموا يوم 17 إبريل (نيسان) الماضي بلاغاً للنائب العام بمصر يتهم الكتاب بأنه "يخدش الحياء العام" ويطالبون بالتحقيق مع المسؤولين عن نشر الكتاب والتحفظ عليه، بعد أن أعادت نشره الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة.

ولكن الهيئة قالت اليوم في بيان إن هذا الكتاب "عمل تراثي إنساني لا تجوز مصادرته أو حذف أجزاء منه"، وأعلنت عن إعادة طبعه بعد نفاد الطبعة التي طرحت في الآونة الأخيرة.

وأصدر مؤتمر أدباء مصر الأربعاء الماضي بياناً يرفضون فيه "رفضاً قاطعاً محاولات البعض مصادرة الطبعة الجديدة من "ألف ليلة وليلة".. الذي يُعد من عيون الأدب العربي والإنساني".

وأهاب الأدباء بالنائب العام "حفظ مثل هذا البلاغ امتداداً لروح مصر الحضارية"، مشددين على أن إعادة نشر "ألف ليلة وليلة" أمر جدير بالترحيب لا المصادرة، "وأن هذه القضية لا تخص الأدباء وحدهم إنما تخص الأمة وحريتها وواجبها وحقها في الحفاظ على تراثها".

وأبدى كاتب قصص الأطفال عبدالتواب يوسف في المؤتمر الذي حمل عنوان "ألف ليلة وليلة ومستويات التلقي" دهشته من التربص بهذا الكتاب الذي تأتي ترجمته الى كثير من اللغات في المنزلة الثالثة "بعد (ترجمات) الكتاب المقدس و(مسرحيات ويليام)شكسبير".

وقال أستاذ علم الاجتماع محمد حافظ دياب إن هذه الأزمة جزء من آثار "بدونة الثقافة المصرية وإشاعة ثقافة النفط" التي يرى كثيرون أنها حصاد أكثر من 30 عاماً منذ رحيل عدد كبير من المصريين بمختلف شرائحهم للعمل في دول الخليج و"العودة بقيم مخالفة لقيم التسامح التي اتسمت بها مصر".

وأضاف في بحث عنوانه "الجنس والتراث.. نموذج الليالي" أن التحرز من التعامل مع قضية الجنس "يمثل جانباً من المعرفة المقموعة في ثقافتنا العربية اذ يتم تناول هذه المسألة بوجل وحذر يجعل الاقتراب منها أمراً شائكاً وملغوماً يحوطه الإقصاء".

ورصد دياب مؤلفات عربية "رأت في الجنس خبزاً يومياً" لعشرات من الكتاب منهم الإمام جلال الدين السيوطي، مشدداً على أن "أصحاب هذه الاعمال لم يكونوا من المهمشين المتمردين أو منحرفي الاخلاق بل من المشتغلين المرموقين بالفقه والقضاء" في مصر وتونس وغيرهما.

وقال إن كتاب "ألف ليلة وليلة" أثر شعبي ذو مكانة مرموقة في المكتبة العالمية واهتم به الدارسون كما ترجم الى معظم اللغات "وألهم الادباء في الغرب والشرق وانفتحت له أبواب الفولكلور والانثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع ورحبت به الدراسات المقارنة في الجامعات ومازالت حكاياته تغري المشتغلين بالمسرح والسينما والموسيقى والاذاعة والتلفزيون" عن طريق استلهام حكاياته وإعادة صياغتها بما يلائم روح الزمان والمكان.

وشدد على أن "الليالي" تزدحم بمغامرات الروح والجسد وتضج بأصوات الأمراء وصرخات المهمشين وتسودها علاقات الاغتراب القائمة بين طبقات المجتمع وأنه في ضوء هذه الامور يمكن النظر الى عالمها كاستمرار لعلاقات السيطرة والتحكم.

وتابع أن هذه العلاقات "تحيل الى واقع اجتماعي وسياسي لا يغفر فيه الرجال للحرائر بمقدار ما يتسامحون مع الجواري"، إضافة الى فكرة استلاب النساء والجواري والعبيد والفقراء.

وأوضح أن الدلالة الجنسية في علاقات السادة والعبيد متمثلة في الاميرة والعبد تحيل الى واقع اجتماعي وسياسي يصبح فيه البشر المهمشون مجرد أشياء، فجسد الأميرة في نظام سياسي فرض العبودية وجنى ثمارها يظل "حلماً يؤرق طبقة العامة نتيجة إحساس أفرادها بالاحباط والخيبة.. تلك حال من رفض المهانة التي يتعرض لها أو هي شعور بالانتقام من طبقة السادة التي تستأثر بكل النساء"، وحين تتحقق العلاقة بين العبد وسيدته تختفي المسافة بين العبودية والسيادة.

ووصف دياب البلاغ المقدم للنائب العام لمصادرة الكتاب بأنه "اشارة لانحطاط ثقافة التلقي وفي ظروف ضعف شروط المقاومة المضادة أمام معسكر جاهلي يرتدي من الاقنعة الزائفة ما لا صلة له بدين حنيف ليس فيه ما يصطدم بهذا العمل.. إنها القراءة المتربصة القائمة على الادانة.. والتكفير".

وقال الكاتب قاسم مسعد عليوة في بحث عنوانه "ألف ليلة وليلة وآخر دعاوى الحسبة" إن الحث على مصادرة الكتب "كما طالب المحامون مقدمو البلاغ هو الوجه الآخر للتطرف الذي تعاني منه البلاد" في الآونة الاخيرة، ولم تكن تعاني منه بدليل أن هذا الكتاب طبع في مصر عام 1862 وتوالت طبعاته وهو من تحقيق الشيخ محمد قطة العدوي الذي تخرج في الازهر.

وحثّ على نشر ببليوغرافيا تحليلية بالكتب والدراسات التي تناولت ("ألف ليلة وليلة" بمختلف اللغات لفهم عالمية هذا الكتاب.