.
.
.
.

"صناعة الموت تجربة حياة" يكشف كواليس البرنامج الأول من نوعه

يروي ما لم ترصده الكاميرا وكيفية الوصول للجماعات المتطرفة

نشر في:

"إلى الزملاء على خط النار ..إلى كل من يواجهون الرصاص بالكلمة والتكفير بالتفكير والأحزمة الناسفة بالقلم والكاميرا.. إلى الذين ينقلون الحقيقة ويدفعون ثمنها غاليا .. منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".

بهذه التحية الخاصة بدأ الزميلان الإعلاميان ريما صالحة وعلي بريشة كتابهما "صناعة الموت تجربة حياة" والذي يقدمان فيه بعض ملامح تجربتهما المشتركة في إنتاج برنامج صناعة الموت الذي يذاع على شاشة قناة "العربية" إسبوعيا منذ 4 سنوات ويعتبر البرنامج الوحيد المتخصص في تحليل ظاهرة الإرهاب ومتابعة الحركات المتطرفة على شاشات التليفزيون العربية.

ويتضمن الكتاب عرضا لما يجري في كواليس العمل الإعلامي وما لا ترصده الكاميرا عند التعامل مع هذا الموضوع الحساس والشائك، والطرق التي يتم من خلالها الوصول إلى الجماعات المتطرفة واللقاءات معهم، والأحاديث التي لم تظهر على الشاشة، والحصول على المواد الفلمية والوثائقية النادرة التي يتضمنها البرنامج ورحلات العمل التي قاما بها في المناطق الساخنة حول العالم التي شهدت نشاطا لجماعات العنف والتفجيرات من بالي في أندونيسيا إلى مدريد ولندن وعمان والعراق والقاهرة وبيروت رغم التهديدات العديدة التي تعرض لها طاقم العمل في البرنامج من الجماعات المتطرفة.

كما يتضمن الكتاب لقاءات مع العديد من المنتمين لفكر القاعدة والمتعاطفين معها والمنشقين عنها ليتصدى بالتحليل لأبعاد ظاهرة العنف والتطرف الديني في البلاد العربية والإسلامية وأيضا في الغرب.

كما تروي الزميلة ريما صالحة في كتابها لأول مرة قصتها مع التهديدات التي تلقتها بسبب البرنامج.

"علينا التفريق بين الإرهاب والمقاومة"

وتقول الزميلة ريما صالحة في مقدمتها بالكتاب : إن الحديث عن الإرهاب يستدعي وعياً إنسانياً شاملاً لما جلبه به من دمار وويلات على هذا الكوكب الترابي الذي لوثته تجربة الإنسان المعاصر بعد ازدياد وعيه وثقافته وأدوات فتكه وجشعه الأكثر فتكاً. لابد من إلغاء الإرهاب عبر إلغاء مسبباته، إذ لا يمكن أن نلغي الإرهاب من فرد إذا لم نلغه من دولة، ومن عقلية جماعية تبرر إرهاباً وتقر إرهاباً، أوليست الثقافة الداعية إلى "صدام الحضارات" إرهاباً فكرياً، ومن أكثر إرهاباً المثقف صموئيل هنتنغتون صاحب "صدام الحضارات" أم ذلك الجاهل المغلق؟ طبعاً هذا لا يبرر للجاهل أن يكون إرهابياً، بل هذا يفسر لنا بعض أسباب الإرهاب الذي يمارس في العالم .

وتابعت: لا يمكن تبرير الإرهاب على الإطلاق، وعلينا التفريق بين المقاومة والإرهاب، لأن كليهما يناقض الآخر مناقضة تامة، فالإرهاب ينبثق من المناطق المظلمة في الذات البشرية، ينبثق من المناطق التي يغطيها الجهل والظلام والحقد الأسود، أما المقاومة فهي فعل نبيل يمارسه المظلوم لدفع الظلم، ولا يمكن للمقاوم أن يقتل بريئاً، إن هدفه محدد، ورصاصته تعرف جهة اندفاعها، إن المقاومة محاولة لتصحيح مسار الأشياء الجميلة، إنها إلغاء لعبودية الفرد والمجموع للتمتع بالحقيقة الكبرى المتمثلة بقول عمر بن الخطاب: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

وأضافت: وهكذا يكون الإرهاب في مرماه النهائي عبودية لأنه لا يؤمن بحق الآخر في ممارسة حريته الفكرية التي خلقها الله فينا مع نسمة الحياة، أما المقاومة فهي تصحيح مسيرة الحياة لإلغاء العبودية، كان المنطق الاستعماري على لسان تشرشل يقول: "الحرية تعطى ولا تؤخذ" أي أنه يحق للمتحضر استعمار المتخلف حتى يكتمل وعيه ، ووقتها فقط يُعطى الحرية ويصبح أهلاً لها ، ورد عليه سعد زغلول: "الحرية تؤخذ ولا تعطى" تؤخذ بالنضال المشروع الذي أقرته قوانين السماء والأرض .إن المستعمر لن يناولك الحرية التي تعطيك حق التصرف بوعيك وممتلكات بلادك، وجاء الرد الأعمق على لسان غاندي حين قال : "الحرية لا تعطى ولا تؤخذ، وإنما تولد مع الإنسان" فإذا سُلبتْ سُلِبتْ إنسانية الإنسان. إذن الفرق بين المقاومة والإرهاب كالفرق بين الظلم والعدالة وبين الظلام والنور وبين "أن نكون أو لا نكون".

"لنصنع الحياة"

وأوضحت صالحة: من هنا جاءت فكرة صناعة الموت لنصنع بها الحياة .. فأنا مثل كل البسطاء من أهل وطني العربي والإسلامي أحلم بالسلام وأحب الحياة .. هذه المنحة الغالية التي وهبنا إياها الخالق عز وجل لنحسن استغلالها .. لنعمر الأرض وليس لنخربها .. أن يكون لدينا الأمل دائما في المستقبل لنجعله أفضل وأن طيور الظلام ليسوا إلا سحابة عابسة تمر في سمائنا ولكنها لن تستطيع أن تحجب الشمس والنور.

وأردفت: لكل الذين يتابعون ويهتمون .. يتفقون أو يختلفون .. الكلمة هي أصدق تعبير لما يحدث حولنا من جنون .. فالدم أصبح رخيصا وهناك من يستهترون بخطيئة قتل الآخر واستباحة دمه لمجرد الإختلاف في الرأي أو الموقف .. هي ظاهرة خطيرة وتعتبر من أبرز ملامح العصر .. التطرف والاستهتار بالدماء .. وأخطر شيء أن يتم ذلك باسم الدين .. فكل الأديان تدعو للسلام وتحرم القتل ومع ذلك نجد المتطرفين (في كل الأديان) يستهينون بسفك الدماء تتشابه في ذلك القاعدة مع جماعة أوم شيرنكوا اليابانية إلى النازيين الجدد وإيتا والألوية الحمراء في أوربا إلى كوكلوكس كلان وجماعات اليمين المتطرف الأمريكية إلى الهاجاناه والمؤسسات الصهيونية في إسرائيل والعالم .. ففي الغرب أيضا هناك تطرف ومتطرفون.

وختمت: ولكن كل هؤلاء المتطرفين في كل الأديان لن يسيئوا لرسالة الأديان السماوية السامية رسالة الحب والسلام .. هذاه الرسالة التي تدعونا لأن ننبذ صناع الموت ..وأن نضعهم على طريق التفكير بدلا من طريق التكفير .. وأن نتحد .. فمعا نصنع الحياة.

" في قلب المعركة"

أما الزميل علي بريشة فيقول في مقدمته بالكتاب : شاءت الظروف أن أبدأ حياتي المهنية في العمل الصحفي فور تخرجي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 1991 لأجد نفسي في قلب معركة من نار وأشلاء ودماء وأحزمة ناسفة .. فقد كانت بداية التسعينيات في مصر مرحلة دامية في الصراع مع الجماعات المتطرفة .. وطوال خمس سنوات .. كان من الصعب أن يمر شهر (وأحيانا أسبوع) دون وقوع عمليات مرتبطة بالجماعات المتطرفة .. من تفجيرات عشوائية في الشوارع والميادين العامة .. إلى محاولات إغتيال مسؤولين أو رجال أمن .. أو إستهداف سياح أجانب ومناطق سياحية .. أو حتى عمليات سطو على بنوك ومحلات لبيع المصوغات الذهبية بعد أن أطلق قادة هذه الجماعات فتاوى تبيح مثل هذا النوع من السرقات لتمويل الجهاد .. وطوال هذه السنوات الخمس الأولى من حياتي المهنية .. قمت بتغطية العشرات وربما المئات من هذه الحوادث .. في بعض الأحيان كنت أصل إلى مواقع التفجيرات لأجد نفسي أسير في بحيرات حقيقة من الدماء والأشلاء .. إستمعت لأنات الجرحى وبكاء أهل الضحايا والمآسي العديدة التي غلفت كل حادثة من هذه الحوادث .. كانت الدماء تتشابه والأشلاء تتشابه والآلام والدموع .. لم تفرق بين قاتل ومقتول .. فالكل ضحايا هذا الموت العبثي العشوائي وهذه الأفكار الجنونية المتطرفة التي سرقت المعاني من الكلمات المقدسة .. فالجهاد كلمة مقدسة .. والمقاومة ضد الإحتلال كلمة مقدسة .. ولكن المعنى النبيل الكامن في جوهر هذه الكلمات يتم سرقته وبشكل علني من جانب منظري التطرف الذين يدفعون شبابا بريئا إلى هذا الجنون .. يستغلون أوضاعا سيئة صنعتها حكوماتنا .. وحنقا وغضبا مكبوتا تراكم عبر إحباط السنين وأكاذيب السياسيين .. ليزجوا بالبسطاء في أتون المحرقة ..

مبررات غير كافية

وقال: يحاول البعض أن يضفوا بعدا أعمق لظاهرة الإرهاب فيتحدثون عن الفقر أو القهر أو الجهل أو الإحتلال كمبررات لظاهرة الإرهاب .. ولكن هذه المبررات وحدها لا تكفي .. فمنذ ثمانين عاما كان الفقر أشد في مجتمعاتنا العربية وكان القهر أكثر والجهل أوسع والإحتلال واقعا رسميا ملموسا يوميا يتحكم في مقدرات كل شعوب المنطقة العربية .. وقتها كانت حركات المقاومة حتى المسلحة منها تفرق بوضوح بين مقاومة جيوش الإحتلال وبين إستهداف الجاليات الأجنبية .. تفرق بين (الآخر) الذي يحتل بشكل مباشر .. وبين (الآخر) الذي يعيش بيننا ويختلف عنا في اللون والجنس والعقيدة ونمط الحياة ولكن هذا الإختلاف لا يجعله (آخرا) مرفوضا ..

وزاد بقوله: "ولعل هذا التصالح مع الآخر في مجتمعاتنا جعل من بعض المدن العربية واحة للجاليات الأجنبية كما حدث في مسقط رأسي مدينة الإسكندرية التي كان ثلث سكانها من الأجانب ولم تسجل في أقسى فترات المقاومة ضد الإحتلال البريطاني حادثة واحدة للإعتداء على المدنيين الأجانب باسم مقاومة الإحتلال .. رغم أن الإعتداء على الجنود البريطانيين كان واقعا يوميا في بعض فترات المد الوطني خصوصا في منطقة قناة السويس .. هذا التصالح مع الآخر في العشرينيات كان له وقائع ملموسة في مختلف جوانب الحياة الإجتماعية والثقافية والفكرية .. ففي نهاية العشرينيات أصدر إثنان من المفكرين المصريين (هما الدكتور طه حسين والشيخ علي عبد الرازق) كتابين أثارا ضجة بالغة في الأوساط الدينية وجلبا عليهما غضبا عارما من التيار المحافظ الذي هاجم الكتابين بعنف .. وإعتبر أن الآراء الواردة فيهما تخرج عن صحيح الدين .. حدث الهجوم الكبير على الكتابين والكاتبين .. جرت مواجهات في الصحف وطلب البعض تحويلهما للمحاكمة .. ولكن لم يحدث قط أن تم تهديد أيا منهما .. كان الدكتور طه حسين والشيخ علي عبد الرازق آمنين تماما على حياتهما من دعوات القتل والتهديد والتكفير .. لماذا جرى ذلك في العشرينيات .. بينما تغير الموقف تماما في التسعينيات .. فعندما خرج آخرون بآراء أثارت غضب بعض المنتمين للأوساط الدينية والمحافظة كانت النتيجة مأساوية .. فتم إغتيال الدكتور فرج فوده بسبب كتاباته المناهضة لتيار الإسلام السياسي .. ونجا نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب من محاولة إغتيال بعد أن أخرج الأطباء السكين من رقبته .. وإضطر الدكتور نصر حامد أبوزيد للهرب من مصر واللجوء إلى هولندا بعد أن طاردته التهديدات وحامت حوله نذر الموت.

جوهر المشكلة

وتابع متسائلا: لماذا تغير الموقف بهذه الطريقة .. وما الذي جعل نفس الأجنحة الدينية والمحافظة في المجتمع المصري تبدو متحضرة في إختلافها مع (الآخر) في العشرينيات .. وتبدو غوغائية وعنيفة مع (الآخر) في التسعينيات .. هل مرور ستين عاما على العصرين تجعل المجتمع يتطور ويتحضر أم يتخلف ويتراجع في سلم الحضارة .. في هذا السؤال يكمن جوهر المشكلة

وأعتقد أن التطرف في رفض الآخر وإبعاده جاء في مرحلة معينة من تاريخنا خلال منتصف القرن العشرين .. عندما إنحسر الإحتلال الأجنبي وأصبح العسكريون هم الذين يهيمنون على الحياة السياسية في معظم البلدان العربية .. عندما أصبحت الآلة الإعلامية في دول كثيرة تطرح هذه المعادلة البسيطة : "من يعارض الزعيم فهو خائن للوطن" .. وأصبح من السهل الطعن في وطنية المعارضين (الآخر السياسي) والتنكيل بهم بالقتل أو الإعتقال أو حتى بتشويه الصورة والإتهام بالخيانة .. وعندما تغيرت الأوضاع وأوصل القادة العسكريون بلادهم إلى الإنهيار السياسي والعسكري والإجتماعي والثقافي .. نمت حركات الإسلام السياسي فقد وجد الناس في التدين سلوى عن الأحلام القومية المجهضة .. ولكن تم إستخدام نفس المعادلة التي تقصي الآخر .. ولكن بإختلاف بسيط :" من يرفض مبادئ حركتنا فهو كافر" .. وبالتالي أصبحت عملية إقصاء الآخر ورفضه والتنكيل به وإهدار دمه جزءا أصيلا من حياتنا السياسية التي يقوم بها الحكام .. والمعارضون على حد سواء داخل نسيج المجتمع الواحد .. فما بالك بإقصاء الآخر الموجود في مجتمعات أخرى .. هذا التطرف في رفض الآخر وعدم التعايش معه لم يعد ظاهرة محلية داخل مجتمعاتنا فقط .. ولعل جملة الرئيس الأمريكي جورج بوش وهو يدشن حربه العالمية ضد الإرهاب :" من لم يكن معنا فهو علينا".. هي نموذج صاخب وزاعق لهذا الرفض للآخر الذي يعتنقه المتطرفون.

تجدر الإشارة إلى أن حفل توقيع الكتاب سوف يتم عقب العطلة الصيفية في أكثر من عاصمة عربية وغربية، كما يشار إلى أنه سيتم ترجمة الكتاب إلى عدة لغات أجنبية.