عاجل

البث المباشر

نصر أبوزيد إلى مثواه الأخير.. وقصة تكفيره تعود للجدل

صاحب أشهر قضية ردّة وتفريق عن الزوجة

15 عاماً ما بين خروج الدكتور نصر حامد أبوزيد من مصر إثر الحكم بردته وتفريقه عن زوجته، ثم وفاته فيها بعد فترة مرض قصيرة لم تمهله طويلاً.

في هذه الفترة التي شهدت في بدايتها حالة جدل شديدة لم تقتصر على مصر فقط بل امتدت عربياً وعالمياً خصوصاً بعد خروجه اختياريا إلى هولندا مع زوجته وزميلته في جامعة القاهرة الدكتورة ابتهال يونس، كانت قصة التكفير أهم ما فيها، فهي أشهر قضايا تكفير الكتاب في القرن العشرين، إذ صدر فيها حكم قضائي نص على تفريقه عن زوجته بناء على دعوى حسبة اعتبرته مرتداً.

وتسبب هذا الحكم والجدل حوله في إلغاء قضايا الحسبة من هذا النوع في ما بعد. إلا أن المثير أن الدكتور عبدالصبور شاهين، صاحب التقرير الذي استندت إليه الدعوى القضائية، أنكر في ما بعد أنه قام بتكفيره، وهو ما يعني عودة الجدل حول هذه القضية حتى بعد وفاته.

ويشيّع الدكتور نصر حامد أبوزيد إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه بقرية قحافة في مدينة طنطا، الاثنين 5 يوليو (تموز)، وتوفي صباح اليوم نفسه في أحد مستشفيات مدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة.

وكان الدكتور نصر أبوزيد قد عاد إلى مصر منذ أسبوعين من الخارج بعد إصابته بفيروس غريب فشل الأطباء في تحديد طريقة علاجه، وقد دخل الراحل في غيبوبة استمرت عدة أيام حتى وافته المنية.

ورفضت زوجته ابتهال يونس قبل أيام الإشارة إلي أي تفاصيل تتعلق بطبيعة الفيروس الذي أصاب زوجها، لكنها أكدت أن حالته حرجة جداً، وأن زيارة الصحافيين أو غير الصحافيين ممنوعة عن المفكر المعروف في كل الأحوال.

وأبوزيد مولود في قحافة، وهي إحدى قرى طنطا في العاشر من تموز (يوليو) 1943، وأنهى دراسته في قسم اللاسلكي عام 1960، وعمل بضعة سنوات حتى استطاع أن يوفر لنفسه فرصة الدراسة الجامعية.

وحصل على الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة 1972 بتقدير ممتاز، ثم ماجستير في الدراسات الإسلامية عام 1976 بتقدير ممتاز، كما حصل على دكتوراه في الدراسات الإسلامية كذلك عام 1979 من الكلية ذاتها.

شاهين: لم أكفّره

وكان أبوزيد أثار زوبعة في تسعينيات القرن الماضي بكتاباته في الفكر الإسلامي والديني ومعارضته سلطة النص المطلقة، أدت إلى صدور قرار من محكمة الأحوال الشخصية بتطليقه من زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، بعد أن اعتبر مرتداً عن الإسلام، فاضطر للجوء معها إلى هولندا إثر هذا الحكم.

وأصدر أبوزيد العديد من الكتب من أهمها "الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة" و"فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي" و"أنظمة العلامات فى اللغة والأدب والثقافة مدخل إلى السميو طيقا" و"مفهوم النص دراسة في علوم القرآن".

وعندما قدم أبو زيد أبحاثه بعنوان "نقد الخطاب الديني" للحصول على درجة الأستاذية تكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة أبرزهم رئيسها د. عبدالصبور شاهين، الذي اتهم في تقريره أبوزيد بالكفر، وحدثت القضية المعروفة التي انتهت بمغادرته مصر إلى المنفى، منذ 1995 بعد حصوله على درجة أستاذ بأسابيع.

وانشغلت الأوساط العلمية والفكرية في مصر والعالم العربي بالقضية، خصوصاً أن د. عبدالصبور شاهين أرفق اتهامه بالردة لأبي زيد تقريراً تضمن "العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة لرفضهما. والهجوم على الصحابة، وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم، والدفاع عن الماركسية والعلمانية وعن سلمان رشدي وروايته (آيات شيطانية)".

وعلى إثر هذا التقرير نشأت معركة فكرية واسعة بين أنصار أبوزيد وبين المؤيدين لتقرير شاهين، وطالبته لجنة مكونة من 20 عالماً من الأزهر بإعلان التوبة عن بعض الأفكار التي وردت في كتابه "مفهوم النص" ورأوا أنها مخالفة لأحكام الدين الإسلامي.

إلا أن الدكتور عبدالصبور شاهين نفى نفياً قاطعاً في عام 2010 في حوار أجرته معه جريدة "الدستور" المصرية أن يكون قد كفر أبوزيد وقال: "لا يمكن أن أورط نفسي في هذا الاتهام البشع، لأن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وكلنا سنحاسب بين يدي الله تبارك وتعالى، وما كتبته في التقرير الذي أقرته اللجنة العلمية وأقره مجلس الجامعة كان تقييماً علمياً موضوعياً لأعمال الباحث، فنحن نفحص بحثاً لا باحثاً، ولم أتعرض في تقريري لعقيدة الباحث أو دينه، فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى ولا شأن لي به".

وأضاف "الموضوع ببساطة أن نصر أبوزيد تقدم آنذاك بإنتاجه العلمي للترقية إلى درجة أستاذ، والطبيعي أن يقوم أعضاء اللجنة العلمية بفحص إنتاج الباحث وتقييمه، ويقرأ الأساتذة الفاحصون الإنتاج ثم يحكمون عليه كما يحكم القضاة بكل نزاهة وضمير القاضي، دون اعتبار لأي شيء إلا تحقيق العدالة وأن يصل الحق إلى مستحقيه، وقد قدمت تقريري عندما اجتمعت اللجنة، ثم أرسل هذا التقرير إلى الكلية ثم إلى مجلس الجامعة الذي اعتمد التقرير الجماعي، وكان ملخص التقرير أن الأعمال التي تقدم بها الدكتور نصر حامد أبوزيد تحتاج إلى إعادة نظر، والإنتاج المقدم لا يرقى إلى درجة أستاذ بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، إلى هنا والمسألة في غاية البساطة.. فسقوط طالب ترقية شيء طبيعي يحدث في كل زمان ومكان، وإذا جانبه التوفيق في جولة فقد يحالفه في جولة أخرى حين يجتهد ويتلافى أخطاءه التي أخطأها في المرة الأولى".

دعوى الحسبة

واستطرد "إلى هنا انتهى دوري ودور اللجنة العلمية ودور الجامعة، والتقط طرف الخيط رحمة الله عليه المستشار صميدة عبدالصمد، وقرأ أبحاث أبوزيد واقتنع بأخطائه التي سجلها التقرير العلمي، وتوجه إلى القضاء ورفع دعوى حسبة، طالباً إدانته بتهمة الردة، فصدر حكم المحكمة باعتباره مرتداً وأن عليه أن يطلق امرأته، وكان الهدف الأساسي من وراء التقدم بدعوى الحسبة تلك إبعاد أبوزيد عن الجامعة ومنعه من التدريس فيها، وأيدت محكمتا الاستئناف والنقض الحكم نفسه على أبوزيد بتطليق زوجته منه على اعتبار أنه مرتد، ولم يكن لي أي دخل في رفع دعوى الحسبة ولم أحضر أياً من جلساتها ولم أعلم بقرار المحكمة الأول إلا بعد صدوره".

وعن أسباب رفض الدكتور عبدالصبور شاهين للأبحاث التي تقدم بها نصر حامد أبوزيد للحصول على الترقية قال في نفس الحوار: "أولاً: أبوزيد دعا إلى الثورة الفورية على القرآن والسنة، لأنها كما قال: نصوص دينية تكبل الإنسان وتلغي فعاليته وتهدد خبرته، ويدعو إلى التحرر من سلطة النصوص، بل من كل سلطة تعوق مسيرة التنمية في عالمنا.

ثانياً: يقول على القرآن إنه منتج ثقافي تشكل على مدى 23 عاماً، وإنه ينتمي إلى ثقافة البشر، وأن القرآن هو الذي سمى نفسه، وهو بهذا ينتسب إلى الثقافة التي تشكل منها.

ثالثاً: قرر أبوزيد بتفكيره الخاص أن الإسلام دين عربي، وأنه كدين ليس له مفهوم موضوعي محدد.

رابعاً: هاجم في أبحاثه علم الغيب، فجعل العقل المؤمن بالغيب هو عقل غارق بالخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان".

وأضاف شارحاً تقريره برفض الترقية "حفلت أبحاثه التي قدمها بكثير من الأخطاء التاريخية والعلمية، وقد كتبت في التقرير الذي أقرته اللجنة أن أبحاثه جدلية تضرب في جدلية لتخرج بجدلية تلد جدلية تحمل في أحشائها جنيناً جدلياً متجادلاً بذاته مع ذاته.. وليست هذه سخرية، ولكنها كانت النتيجة التي يخرج بها قارئ الكتاب إذا اعتبرناه كتاباً".

وتطور الأمر إلى رفع مجموعة من المحامين لدعوة حسبة تطالب بالتفريق بين نصر وزوجته الدكتورة ابتهال يونس، ودارت مساجلات قانونية وفقهية طويلة انتهت بهجرة نصر حامد وزوجته مصر والعمل بالتدريس في إحدى الجامعات الهولندية حتى الآن.

عودة أبوزيد من بوابة مكتبة الإسكندرية

وبعد مضي عدة سنوات أعلن عدد من المحامين المصريين تضامنهم مع الدكتور أبوزيد الذي حكم عليه بالردة عام 1997.

لكن نصر أبوزيد عاد مجدداً إلى الأضواء في مصر وبصورة علنية من خلال إلقائه أربع محاضرات في مكتبة الإسكندرية ديسمبر 2008 إحداها عن التأويل اللاهوتي للقرآن الكريم كما قدمه المعتزلة، وفيها قال "أريد أن أتوجه بالشكر إلى مكتبة الإسكندرية هذا لقاء مرتقب من ناحيتي ومن جهتي، أن أتحدث بالعربية مرة أخرى بعد أن طال بي الحديث باللغة الإنجليزية في بلاد الغرب، فكلما دُعيت إلى أي بلد عربي أرحب بالدعوة وألبي الدعوة وأغير كثيراً من برامجي، وأعتذر عن كثير من ارتباطاتي السابقة لكي ألبي الدعوة. فما بالكم إن كانت الدعوة من مصر، فهنا تأتي جهيزة فتُسقط كل خطيب إذا دعت مصر".

واستضافت لجنة الحريات بنقابة الصحافيين المصرية قبل عدة شهور نصر أبوزيد تضامناً معه بعد رفض الكويت دخوله بناء على دعوة وجهت إليه لإلقاء عدة محاضرات وإلغاء التأشيرة التي منحت له بعد احتجاجات من التيار الإسلامي في البرلمان الكويتي.

وعقد اللقاء في البهو الأرضي لنقابة الصحافيين التي رفض مجلسها قبل ذلك أن يلقي أبوزيد محاضرة في قاعتها الرئيسة عن الفن وخطاب التحريم، وهو ما رفضته أيضاً كل المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة، فعقدها في الجامعة الأمريكية في قاعة صغيرة.

القعيد: من أهم أصحاب الأسئلة الكبرى

وقال الأديب يوسف القعيد لـ"العربية نت" إن الفكر العربي والإسلامي "وأصر على كلمة الإسلامي، فقد واحداً من أهم أصحاب الأسئلة الكبرى والاسئلة الشائكة في القضايا الإسلامية".

وأشار إلى أن "الدكتور أبوزيد تعرض لأزمة ومحنة صعبة لا مبرر لها على الإطلاق حيث أدت إلى غربته وانتقاله من منفاه داخل بلده إلى منفاه خارجها ليعيش بعيداً عن وطنه وأهله وناسه".

وتابع "كنت أتمنى أن يعود إلى مصر ويستقر فيها وأن يرفع من فوق رقبته سيف حكم تفريقه عن زوجته الذى كان يمثل ضغطاً رهيباً جداً عليه، قائلاً: "كنت أتمنى أن يحتكم الجميع إلى العقل الرشيد ولكن للأسف هذا لم يحدث".

وأشار القعيد إلى أنه التقى بـ"أبوزيد" عدة مرات داخل مصر وخارجها، وكان آخر لقاء جمعهما في إسبانيا قبل عامين قائلاً: "لقد فرح أبوزيد كثيراً بلقائنا في الغربة، وأنا كنت سعيداً أيضاً بلقائه، ولكن للأسف لم أره أثناء الزيارات التي قام بها إلى مصر بعدها، ولم أعرف بزيارته الأخيرة إلا عندما عرفت أنه في المستشفى في حاجة صحية متدهورة أدت إلى منع زيارته فتألمت كثيراً".

وقال القعيد "مثقفو وكتاب مصر يتساقطون يوماً بعد يوم، وأصبح من المؤسف أن ننعى واحداً منهم كل يوم، فليرحم الله أبوزيد ويرحم الجميع".

ومن جهته رفض رئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب" الكاتب جمال الغيطاني التعليق على وفاة أبوزيد قائلاً لـ"لعربية.نت": أنا لا أقوى على الكلام وليس لدي ما أقوله. أنا مذهول وتعبان جداً".

وفي حديثه لـ"العربية.نت" قال المفكر الإسلامي الدكتور عبدالصبور شاهين، الأستاذ المتفرغ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة: "إن أبوزيد توفي ولا يجوز عليه الآن غير الرحمة بل وأدعو له من كل قلبي أن يغفر الله له".

وكرر شاهين نفيه تكفير أبوزيد قائلاً: "لم أكفر أبوزيد إطلاقاً، وقد أعلنت ذلك سابقاً فلا يمكن أن أورط نفسي في هذا الاتهام البشع".

وأضاف: بالعكس فقد اتهمت بالإرهاب الفكري من العلمانيين والشيوعيين وتعرضت لحملة سيئة "رحم الله أبوزيد وغفر له وللمسلمين أجمعين، لقد مات الرجل ولا يصح أبداً أن نتكلم عن متوفى بين يدي الله".

فيما استقبل الكاتب الكبير بهاء طاهر خبر وفاة أبوزيد بقوله: "كارثة فظيعة، لقد مات قبل أن يتحقق حلمه بالاستقرار في بلده والرجوع إلى منصبه الأكاديمي".

وأضاف طاهر لـ"العربية.نت": لقد فقدت صديقاً ومفكراً مصرياً كبيراً افتقدناه جميعاً، وأعتقد أن العزاء الوحيد أن أعماله ستظل باقية وأعتقد أنها ستثير جدلاً بعد وفاته كالذي أثارته في حياته".

وتابع "كان أبوزيد صديقاً عزيزاً وكنت أراه دائماً أثناء زيارته إلى مصر، وكثيراً ما تمنى أن يسقط عنه الحكم القاسي الذي صدر ضده بتفريقه عن زوجته، ولكن مشيئة الله نفدت قبل أن يحقق حلمه فقد عاش منفياً ومات وحلمه معه".