عاجل

البث المباشر

حي "باب الوادي" يجسد التعايش بين الأديان في قلب الجزائر

بقي شاهداً على الكثير من المراحل في تاريخ البلاد

في وقت تواصل البعثات الدبلوماسية الغربية تقديم طلبات استفسار عن ظروف ممارسة رعاياها غير المسلمين لشعائرهم الدينية بالجزائر، كان آخرها في مارس (آذار) الماضي حين استقبل وزير الشؤون الدينية وفداً سويسريا طلب منه توضيحات عن القانون المنظم لممارسة شعائر غير المسلمين في الجزائر.

وفي حين يستمر الجدل حول نشاط التنصير في منطقة القبائل والصحراء الجزائرية من قبل الإنجيليين الجدد، تبرز مظاهر التعايش بين الديانات الثلاث في قلب أقدم حي شعبي بالعاصمة، وهو حي باب الوادي.

وهناك تنتصب مئذنة مسجد بلال بن رباح شامخة قبالة كنيسة السيدة الإفريقية، كما لا يتحرج الناس من رؤية نجمة داود بوضوح في أعلى بناية يقيم فيها يهود جزائريون، لا يخفي بعض أبنائهم حبهم الشديد لفريق مولودية الجزائر، أقدم فريق كرة قدم في البلاد.

حي باب الوادي "الشُهداء"

وحي باب الوادي، الذي أخذ هذه التسمية بسبب وقوعه في منخفض، ارتبط على مر المراحل بفترات زهوٍ وحزن، حتى وإن كانت أيام الحزن به أطول. فباب الوادي كان ممراً لكثير من الثقافات الغربية، وخلال حرب التحرير أطلق عليه اسم "باب الوادي الشهداء" نظراً لسقوط عدد كبير من الشهداء في هذا الحي على يد الاحتلال الفرنسي.

وفي مطلع التسعينات، تحول حي باب الوادي الشعبي إلى معقل رئيسي لأنصار جبهة الإنقاذ المنحلة. ولا يزال أبناء الحي يذكرون إلى اليوم مشاهد امتلاء الطرقات والشوارع بجموع المصلين، خصوصاً في مسجدي "السنة" و"الفتح". وعندما انفلتت زمام الأمور كان باب الوادي مسرحاً للعمليات الإرهابية، وأصبحت بعض أحيائه "مناطق محررة" في عرف الجماعات المسلحة.

ولم يتعاف هذا الحي من معاناته إلا بعد أن ضربه زلزال مدمر في العاشر من نوفمبر 2001، خلف ما لا يقل عن 700 قتيل وآلاف الجرحى. ولم تجد السلطات بداً حينها من إعادة تهيئته وبعث الحياة فيه من جديد عبر مشاريع تنموية عدة.

المحنة "أنجبت" التسامح

وتقول (جميلة.م)، وهي معلمة لغة فرنسية، لـ"العربية.نت"، إنها "ولدت في حي الأبيار الراقي، ولكن زواجها من شخص يقيم في باب الوادي سمح لها بالعيش والاحتكاك وسط فقراء هذا الحي الذين تعلموا التسامح من شدة المحن التي عايشوها لعقود من الزمن". وبالنسبة للمتحدثة فأكثر شيء يكرهه سكان باب الوادي هو "الحقرة" أي (الظلم)، وما عدا ذلك، فلا يوجد عندهم حساسية في أن يعيش بينهم المسيحي أو اليهودي أو حتى الملحد.

وتضيف جميلة "أنا امرأة سافرة كما ترى، وأدرس مادة اللغة الفرنسية، لكن لم يعترض طريقي أحد بسبب عدم ارتدائي الحجاب مثلاً، أو بسبب تدريسي للغة مستعمر الأمس، رغم أن حي باب الوادي كان ولا يزال يضم أصحاب اللحى الطويلة والقصيرة".

ملتزمات يدرسن لدى مسيحيات

ومن مظاهر التعايش الغريبة في حي باب الوادي، ما وقفت عليه "العربية.نت" ميدانياً، حيث أمكن مشاهدة فتيات ملتزمات بالحجاب الشرعي يدرسن اللغة الفرنسية عند "لا سور إيليان"، ومعناه "الأخت إيليان"، وهي مسيحية فرنسية.

وسألت "العربية.نت" فتاة ملتزمة إن كانت ينتابها الحرج من الجلوس مع مسيحية وأخذ العلم عنها، فقالت: "أنا أتعلم ولا تهمني جنسية أو ديانة من يعلمني". أما إيليان فقد عبرت عن سعادتها بالعيش في باب الوادي، لكنها اعتذرت عن مواصلة الحديث لأنها كانت في طريقها لتدريس أطفال في مدرسة خاصة في الحي. ومن المثير أن بعض الأطفال هم أبناء عائلات متشددة دينياً.

وفي أعالي الزغارة المتاخمة لباب الوادي، تنتصب مئذنة مسجد بلال بن رباح قبالة صليب السيدة الإفريقية. ويقول جمال لعريبي، وهو أحد أبناء المنطقة، متحدثاً لـ"العربية.نت" إنه "بالنظر لزوال الحواجز النفسية لدى سكان المنطقة، فقد عمدت بلدية بولوغين إلى إعادة تشغيل التيلفيريك، حتى يمكن زيارة ورؤية كنيسة السيدة الإفريقية بصفتها معلماً سياحياً، دون أدنى تخوف من مسألة التنصير".

ورافقنا جمال إلى مصلحة طب الأطفال في مستشفى باب الوادي الجامعي، حيث يعرف "ميغالاس لورداس"، وهي ممرضة مسيحية من جنسية إسبانية، وهناك التقينا بالدكتورة "ملزي" التي تحدثت لـ"العربية.نت" عن "حجم انسجام لورداس في عملها ممرضة بالمستشفى، لدرجة أنها تقول (باسم الله) عندما تهم بمعالجة الأطفال المرضى".

وأكثر من ذلك، تقول ملزي "إن لورداس المسيحية تحرص على احترام تقاليدنا الإسلامية، مثل الصوم والصلاة وهي ملتزمة من جهتها بأداء واجباتها الدينية كمسيحية دون أن نلاحظ عليها أي نشاطات مشبوهة، كما نسمع مراراً بما يجري في منطقة القبائل".

يهودي يناصر " المولودية"

غير أن الأمر الأكثر إثارة، هو وجود يهود جزائريين ما زالوا يقيمون في حي باب الوادي، رغم الأوضاع الصعبة التي مر بها هذا الحي، خصوصاً في فترة العنف الأعمى. ورغم أن المعبد اليهودي الواقع في قلب حي باب الوادي لا تقام فيه الصلوات، إلا أن ذلك لم يمنع من الإبقاء على نجمة داود بارزة في أعلى مدخل بناية تقيم بها عائلات يهودية جزائرية".

وفي هذا السياق، قال أحد الجيران لـ"العربية.نت" رافضاً الكشف عن هويته، إن "العائلات اليهودية منسجمة بشكل تام مع سكان حي باب الوادي، ويتكلمون بلهجة عاصمية خالصة، ويقومون بالتسوق بصورة اعتيادية، بل إن هناك أبناء لهم يناصرون فريق مولودية الجزائر الشهير".

ويعتبر حي باب الوادي في هذا الإطار، منطقة أمان لليهود في العاصمة، بينما تعد مدينة قسنطينة في شرق البلاد ومدينة تلمسان في غربها من أكبر التجمعات السكانية ليهود الجزائر الذين لا يزالون متمسكين بـ"هويتهم" الجزائرية.