عاجل

البث المباشر

ثلاثون مؤذناً مصرياً يصدحون بأذانهم على مسارح أوروبا

"راديو الأذان" مسرحية عالمية بطريقة فريدة

ظلام دامس يُطبق على المسرح, وواجهة أمامية تملؤها شاشات عرض تلفزيونية ثلاثية الأبعاد, تجتمع الأضواء على ثلاثين مؤذناً مصرياً هم الشخصيات الرئيسة والحقيقية ومحور الحوار ولب المسرحية, يتراوح أعمارهم بين الأربعين والستين عاماً.

المكان "مسارح أوربا الشهيرة", والقصة والإخراج للمخرج السويسري الشهير ستيفان كايجي، في مسرحية "راديو الأذان"، والتي عرضت في أكثر من 30 دار عرض أوروبية.

بدأت القصة حينما زار المخرج السويسري ستيفان كايجي الشرق الأوسط، وخصوصاً مصر، حيث أحب صوت الأذان وشده طريقة ترتيله، وهو ما دفعه لعمله المسرحي الجدلي، ليبدأ العرض بثلاثين صوت مؤذن يتقاطعون فيتناغمون بين التكبير والنداء إلى الصلاة.

وتتقاطع الأصوات والعبارات، فأحدهم يقول الله أكبر وآخر يقول حي على الفلاح، في مشهد يشعرك بأنك تمشي في أحد حارات مصر القديمة, فاللهجة مصرية والوجوه والملابس مصرية، والأذان على طريقة مؤذني جامع الأزهر، وكل شيء بنكهة مصرية في أجواء نداء ودعوة إلى الصلاة.

تعاون مع الأوقاف والأزهر

وتنهمر الأضواء على كل شخصية تدير الحوار وتنفرد به، حيث ينطلق بكلامه عن الأذان وعن تجربته، وعن تلوين الترتيل في الأذان بين قرار وجواب, أحدهم يتوضأ على مكان مخصص في المسرح وآخر يدعو، ومجموعة أخرى تسبح وتذكر وتبتهل بما يشبه أجواء العبادة في مساجد الله في أرجاء مصر.

وفي حديث خاص لـ"العربية.نت" حول هذا العمل المسرحي, قالت جوليان مانيل مساعدة الإنتاج إن "المخرج ستيفان كايجي عبر لوزارة الأوقاف المصرية وجامع الأزهر عن رغبته في وضع عمل مسرحي جديد يمثل روحانيات الدعوة إلى الصلاة (الآذان الإسلامي) في مصر, واستجابت له وزارة الأوقاف المصرية وجامع الأزهر، ليطلب كايجي اختيار ثلاثين مؤذناً بين رجال وكهول بنفسه، يؤذنون بطرق نمطية وغير نمطية".

وتابعت مانيل أنه "في المحصلة النهائية أراد المخرج أن يظهر العمل على أنه نسيج من أنواع الأذان التي تشعرك بطمأنينة حين سماعه، وأن دور العبادة (المساجد) تنبض بالحياة في خمس أوقات، وخصوصاً ما يسمى بصلاة العشاء في الدين الإسلامي وقت المساء وصلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس".

وأضافت "إنك محفوف بصوت البشر الذي يدعو للعبادة صباح مساء دون أن تسلم رأسك لصمت قد يجلب الرعب إلى قلبك". وقد شهدت صالة مسرح "بليفو" في يونيو 2010 في مدينة أمستردام عرض المسرحية الوثائقية "راديو المؤذن" ضمن فعاليات الدورة الواحدة والستين من مهرجان هولندا للفنون.

حياة المؤذنين المصريين

يذكر أن المسرحية تضع خطوطاً عريضة لحياة المؤذنين الرسميين المعتمدين من قبل وزارة الأوقاف المصرية، وآخرين معنيين بتلاوة الأذان بطريقة غير رسمية في مساجد لم يعين لها أحد من قبل. وبالرغم من حضور جمهور أوربي كبير وفدوا إلى المسارح، إلا أن رسالة هذا العمل كانت محل خلاف بين من أكدوا على أنها تهدف إلى نشر قيم التسامح بين الأديان، وبين آخرين أكدوا أن الرؤية إستشراقية مباشرة ونمطية، جاءت على حساب الجانب الفني ولم تراعي القيمة الحقيقة للأذان، مما جعل هذا العمل الفني يخضع لعدة تساؤلات.

من جانبه، أكد المؤذن المصري الشهير حسن جودة بدوي، وهو من المشاركين في هذا العمل، قائلاً: عندما أعتلي خشبة المسرح، عندما أخرج إلى المسجد لرفع الآذان، لا أرى لأنني أعمى ولا استخدم عصى بيدي، فالتوكل على الله هو من يفتح بصيرتي إلى المسجد دون أن يأخذ أحد بيدي".

وفعلاً كان دوره يمشي في الظلمات دون دليل على خشبة المسرح، ويقول يا رب الاعتماد عليك حتى يصل باحة المسجد فيتلقاه المصلون.

مسجد على المسرح

أرض المسجد المسرحي فرشت بالسجاد المنقوش بطريقة إسلامية، والصلاة كان حقيقة طيلة العرض وتقع في صلب النص المكتوب للمسرحية. البعض يسبحون وآخرون تتعاقب أصواتهم بالأذان والإقامة.

وقام مؤذن كبير في السن وهو محمد ناصر ليقول: "الله أكبر بسم الله بسم الله"، في محاولة منه لجلب أنظار ومسامع الناس إلى ما سيقول، فإذا به يصدح بصوت دون مكبر للصوت لينهض من في المسرح ليحي صوته الذي هز أركان المسرح.

وأكد المخرج ستيفان كايجي في لقاء خاص مع "العربية.نت" أنه استمع إلى قصص مؤذنين مصريين عدة، "وكتبت النص وتبلورت الفكرة عن معلومات حقيقية واقعية نسجتها في عمل مسرحي يبين تسامح الدين الإسلامي".

وتابع قائلا: "هؤلاء أناس مخلصون لدينهم وهذا تكريم لي لحسن صنيعهم وهديتي هي أن أقدم عملاً مسرحياً يبين لطفهم وندائهم على الناس للصلاة وهم في أعمار متفاوتة، وكيف أن هذا الرجل المؤذن يحظى بمكانه محترمه في المجتمع الإسلامي المصري، فمنهم العاجز ومنهم الكهل ومنهم الرجل الذي تجاوز الأربعين من العمر، فعلاً أحببت ما يصنعون، إنهم دعاة خير".

اهتمام وتحليل عالمي

يشار إلى أن مسرحية (راديو المؤذن) عرضت في أكثر من ثلاثين مسرحاً أوربياً مشهوراً وتناولته عدد من القنوات العالمية باهتمام وتحليل، لأن هذه الخطوة تعد الأولى من نوعها، حيث يرفع آذان لثلاثين مؤذن مرة واحدة على خشبة مسرح والمؤدين للأدوار هم مؤذنون حقيقيون.

أما سبب تسمية المسرحية بـ"راديو المؤذن" ذلك لأن بث الأذان في المساجد الكثيرة في القاهرة يتم على أوقات خمس وبأصوات عدة تشغل الأجواء وتملأ المسامع بالأذان والإقامة وبأصوات مختلفة، تشبه أصوات المذيعين العاملين في محطات الإذاعة لجماليتها، وفقاً لرأي مخرج العمل المسرحي ستيفان كايجي.

وبلهجة مصرية قال أكبر المؤذنين سناً عبد المعطي علي هنداوي "أنا مش ممثل ولا إلي معايه ممثلين، لكن هو ده عملنا في بيوت الله، وربنا فتح علينا والناس حبونا أوي، وعرفوا أن الدين الإسلامي مش بتاع قتل ولا سلب ولا نهب، الدين الإسلامي دين محبة ودعوة إلى الله رب الجوامع كلها"، مبيناً "أن الناس قاموا ووقفوا لينا احتراماً لأنهم عرفوا شئاً حقيقياً عن الإسلام".

دموع الحب من الجمهور

وفي نهاية العرض المسرحي يغادر المؤذنون خشبة المسرح وسط دموع وحب من قبل الجمهور في مشهد يجعل الأحاسيس تتحرك باتجاه صدق نواياهم في عمل فني هو الأول من نوعه يشرح التسامح الإسلامي ونقاء الأرواح عندما تدعو إلى الله باعتدال.

جدير بالذكر أيضاً أن الفكرة لمعت لأول مرة في ذهن المخرج السويسري عندما كان في دمشق، وبدأت تتضح معالمها عندما زار الأردن، والذي تعمل مساجده بنظام الأذان الموحد، ثم اختمرت وبدأ العمل بها في القاهرة.

وفي آخر مقابلة صحفية له، قال ستيفان كايجي "جذبني وحي العمل وتلك الأصوات الجميلة التي تصدر من الأجهزة الكهربائية المستخدمة في رفع الأذان والمتبوعة بقرقعة السماعات الكبيرة المخصصة لتكبير الصوت وتداخل أصوات المؤذنين وحلاوتها"، وروى في معايشته للتفاصيل الحميمية للناس البسطاء كل يوم في شوارع القاهرة، وكيف يختلف النمط الحياتي لهم عن الحياة الأوروبية.