سينما "السجون" في المغرب تعيد الجدل حول "سنوات الرصاص"

تطرقت لأوضاع المعتقلات السرية

نشر في:

تطرقت السينما المغربية في السنوات القليلة الأخيرة بكثير من الإسهاب إلى قضية الاعتقال السياسي، وتناولت موضوع معاناة السجناء وظروف عيشهم في المعتقلات والزنازين السرية.

ويؤكد نقاد سينمائيون على أهمية هذا المنحى المختلف في السينما المغربية، باعتبار أن نشر تلك المآسي النفسية من خلال السينما والتلفزة يساهم في التحرر منها والتطلع إلى مستقبل أفضل.

بالمقابل، يرى مراقبون آخرون أن تناول السينما المغربية لموضوع السجون والاعتقال السياسي جاء مثل موجة تركت الانطباع على أنها مجرد موضة سينمائية، فضلاً عن تناول أكثرها لهذه القضايا بشكل سطحي وبسيط.

"موضة سينمائية"

وانتهز العديد من المخرجين السينمائيين المغاربة، خاصة في سنوات الألفية الثالثة، أجواء الحرية والإصلاح السياسي بالبلاد ليقدموا أفلاماً بالجملة تتطرق لقضايا الاعتقال السياسي، وبعضها تمَّ تصوير مشاهده في سجون حقيقية، مثل فيلم "الغرفة السوداء" للمخرج حسن بنجلون الذي حصل على عدة جوائز محلية ودولية.

وقدمت السينما المغربية إلى حد الآن عدة أفلام عالجت قضية الاعتقال السياسي، وتناولت قصص بعض السجناء المشهورين الذين اعتُقلوا لمعارضتهم النظام خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وقد سُميت تلك الفترة بسنوات الرصاص.

ومن بين أبرز هذه الأفلام المغربية: "علي ربيعة والآخرون" للمخرج أحمد بولان، و"منى صابر" لعبد الحي العراقي، و"طيف نزار" لكمال كمال و"ذاكرة معتقلة" للجيلالي فرحاتي وغيرها.

ويرى المخرج والناقد السينمائي عز الدين الوافي أن تناول السينما لمسألة الاعتقال والسجون في المغرب جاءت كموجة، مما خلف الانطباع أنها موضة جعلت البعض يخمن كيف يمكن لمجموعة من المخرجين أن يتناولوا المسألة في نفس الوقت، وكأن الأمر يتعلق بوحي متزامن أو بتعليمات فوقية.

وأكد الوافي في تصريحات لـ"العربية.نت" أن هذه الأفلام السينمائية جاءت في سياق انفراج سياسي، لكن الأهم والأخطر هو اشتغال السينما على الذاكرة الوطنية لسنوات الرصاص.

وأشار المتحدث إلى أنها ذاكرة في ملك الجميع، وكل تلاعب بها أو التنقيص من أهميتها باختزالها في بعض المشاهد أو العويل يجعلها باهتة ويفرغها من مضمونها الإنساني مما يحولها إلى سلعة استهلاكية للمشاهدة.

وقال الوافي إن السينما واجهة من واجهات التنوير والمسؤولية بلمسة من الإبداع والوفاء دون السقوط في النقل الفج للواقع، لكن بقدر من الغوص في مظاهر الاعتقال وبلورة رؤية لا تبستر أو تهرج، بيْد أنها تفضح بقدر عال من الوعي بجسامة تلك الحقبة.

وأفاد المصدر ذاته أن هذه السينما لامست قشور التجربة من خلال شخوص اعتقلوا، لأنهم أضربوا أو انتموا لمجموعات محظورة، وبالتالي كانت مظاهر التعذيب والاعتقال تتحول إلى نقل عاطفي يخاطب المشاعر، حيث خلى الحوار من الخلفية الفكرية للصراع بين النظام ومنتقديه وبين الساسة الحكام والمعارضين، كأن الأمر يتعلق بأشخاص زاغ عقلهم فحسب.

وخلص الوافي إلى أنه ضمن هذه الأفلام السينمائية التي تطرقت للسجون والاعتقال السياسي، كانت إحدى التجارب موفقة نسبياً على الأقل سينمائياً ومشهدياً، فيما غرقت التجارب الأخرى في "البساطة والعويل" بحسب تعبير المتحدث.

تجاوز للمآسي

وفي السياق ذاته، يعتبر الناقد وكاتب السيناريو محمد إشويكة أن معالجة السينما المغربية لمشكلة الاعتقال السياسي، وما يسمى بسنوات الرصاص، تؤشر للتحول السياسي العام الذي شهدته البلاد منذ نهاية التسعينات.

وأفاد أن تطرق السينما المغربية لمثل هذه المواضيع يمنح المغاربة فرصة فهم الواقع بشكل أيسر، وبالتالي يجعله مستعداً للحوار من أجل التصحيح والاستفادة من أخطاء الماضي للاطلاع نحو المستقبل.

ويرى إشويكة مؤلف كتاب "أطروحات حول السينما المغربية" أنه من المهم أن تنتج السينما المحلية من تلقاء ذاتها الصور السينمائية التي تعكس ذلك الواقع، لأن المشاهد يستطيع معرفة كل شيء انطلاقاً من الصور التي تفد عليه من الخارج.

وبالنسبة لهذا الناقد والسيناريست، يمكن للمغاربة أن يتجاوزوا تلك المآسي النفسية التي حدثت جراء الاعتقالات السياسية في سنوات خلت بواسطة تداولها ومناقشتها عبر الأفلام السينمائية والتلفزية بغية التحرر من أعبائها النفسية الثقيلة.

من جانب آخر، ينتقد إشويكة في كثير من هذه الأفلام طغيان الحوار الأيديولوجي وقلة الصور الموحية، مشيراً إلى أن أفلاماً عالمية تناولت قضية السجون والاعتقال السياسي وكانت فيها الصورة معبرة تُغْني عن الحوار والنص، من قبيل الفيلم الروسي المعروف "كولاك" الذي تطرق للأوضاع الصعبة التي عاشها السجناء في معتقلات سيبيريا.