المغرب يشطب ديون 80 ألفاً من صغار الفلاحين

خبراء يرون أن الدوافع سياسية.. وآخرون يطالبون بالمزيد

نشر في:

قررت الحكومة المغربية إعفاء 80 ألف فلاح صغير من ديونهم المستحقة لصالح مجموعة القرض الفلاحي بهدف التخفيف من الأعباء المالية والاجتماعية التي تقع على كاهل هذه الفئة من الفلاحين.

واختلفت تقييمات الخبراء الاقتصاديين للأسباب التي جعلت الدولة تتخذ هذا القرار في هذه الظرف، حيث رأى البعض أن إعفاء الفلاحين الصغار خطوة سياسية تساير رفع رواتب الموظفين، فيما اعتبر آخرون أن القرار ظرفي، ويرتبط بالدستور وبالأوضاع السائدة في البلدان العربية.

وجدير بالذكر أن العاهل المغربي محمد السادس سبق له قبل أسابيع أن أمر بإعادة جدولة ديون زهاء 200 ألف فلاح صغير ومتوسط الحال، من أجل المساهمة في تحمل ارتفاع تكاليف المواد الأولية في الأسواق العالمية.

إجراءات الإعفاء

وقال الكاتب العام لمجموعة القرض الفلاحي جمال الدين جمالي إن الإجراء الجديد الذي اتخذته الدولة بمعية مؤسسة القرض الفلاحي بالمغرب ينص على عدة محاور، الأول أن يستفيد الفلاحون الذين لا تتجاوز قروضهم الجارية 100 ألف درهم مغربي إلى حدود نهاية الشهر المنصرم، والمحور الثاني يتمثل في جدولة جديدة لقروض هؤلاء الفلاحين تمتد إلى 15 سنة كحد أقصى، وهو الوضع الذي يعطي وقتاً زمنياً هاماً لهم لسداد ديونهم بتأنٍّ ودون ارتباك أو عجلة.

وأضاف جمالي أن الإجراءات المُخصصة لمساعدة الفلاحين الصغار والفقراء لا تقف عند هذا الحد، حيث تقرر تخفيض معدل الفائدة وإلغاء فوائد التأخير في السداد بنقطتين، أي من 9.5 إلى 7.5%، علاوة على إلغاء فوائد التأخير في سداد تلك الديون.

وأوضح أن هذه الإجراءات كلها تواكب عملية تمويل الفلاح في سياق برنامج المغرب الأخضر الذي تشتغل عليه الحكومة، ممتداً عبر خمس سنوات من 2009 إلى 2013.

ويهدف المخطط الرسمي إلى إتاحة الإمكانية أمام صغار الفلاحين للحصول على التمويل، خاصة أنهم لا يستطيعون الحصول على تمويل بنكي بسبب غياب الضمانة اللازمة لذلك.

ورصدت الحكومة المغربية لهذا الغرض مبالغ مالية هامة تناهز 5 مليارات درهم من القروض موزعة على خمس سنوات، بمعدل مليار درهم لكل سنة، وقد خُصص لحد الآن حوالي 970 مليون درهم للسنة الجارية.

دوافع القرار

واستطلعت "العربية.نت" آراء خبراء ومحللين اقتصاديين حول خلفيات ودواعي هذا القرار، حيث أفاد أستاذ الاقتصاد بجامعة طنجة الدكتور نجيب بوليف بأن المطالب ما فتئت تنادي الحكومة بتحسين وضعية الفلاح الصغير الذي لا يستطيع سداد ديونه المتراكمة عليه خاصة في السنوات العجاف، فضلاً عن دخوله في عدة قروض استهلاكية من جهات متعددة تجعله عاجزاً على مواكبة رد القروض للدولة.

وأوضح بوليف أن هذا الإجراء يتخذه المغرب في بعض السنوات التي تعرف أحداثاً معينة تؤثر على مردودية الفلاحة بالبلاد من قبيل الجفاف، وهو ما حدث من قبل عام 2005 حين أعفت الدولة آلافاً من الفلاحين الصغار، لكن هذه السنة يبدو أن الفلاحين تضرروا من الأمطار الغزيرة الأخيرة التي أتلفت محاصيلهم الزراعية.

وحول أسباب اتخاذ هذا القرار، قال بوليف إن هناك تأويلات كثيرة لهذه الخطوة التي أقدمت عليها الدولة اتجاه الفلاحين الصغار والمتوسطين، منها التفسيرات التي تقول بأن الحكومة تريد استثمار المرحلة الراهنة التي تعرف تحضيراً للاستفتاء على الدستور الجديد، في إشارة إلى الرغبة في استقطاب آلاف الفلاحين للتصويت بالإيجاب على الدستور كمقابل معنوي على إعفاء الدولة لديونهم.

وخلص بوليف إلى أنه شخصياً لا يرى أن المبرر يعود إلى التعبئة من أجل الدستور، بقدر ما قد تكون إجراء للتخفيف من أعباء الفلاحين باعتبار أنهم لم يستفيدوا مثل الموظفين والأجراء من رفع الأجور الذي قررته الحكومة منذ أسابيع.

تأثير على الأجيال القادمة

ومن جانبه، وصف الخبير الاقتصادي عمر الكتاني هذا الإجراء من طرف الدولة بكونه قرار ظرفي، ويرتبط بعامل الدستور الجديد الذي يستعد المغاربة للتصويت عليه في الفاتح من يوليو المقبل، لكن له علاقة أكثر بالظروف والأوضاع السياسية التي تشهدها الدول العربية.

وقال الكتاني إن التخفيف من ديون الفلاحين لن يحل المشكلة من أصلها، لأن هؤلاء المزارعين الصغار يتوفرون على أراض صغيرة لا توفر إنتاجاً فلاحياً كافياً، مضيفاً أن الحل قد يكون في تجميع الأراضي للاستثمار فيها وللحصول على وفرة في الإنتاج الزراعي.

ورأى الكتاني أن الدولة تريد أن تُظهر بأنها مهتمة بالفعل بفئة الفلاحين الصغار، لهذا قررت إعفاء وإعادة جدولة ديونهم في إجراء يوازي قرارها برفع الرواتب للموظفين في القطاع العام والزيادة في الحد الأدنى من الأجور لأجراء القطاع الخاص.

وخلص إلى أن مثل هذه الحلول التي تقوم بها الحكومة تكون على حساب الأجيال القادمة التي قد تتورط في مديونية كبيرة تثقلها وتعاني منها، باعتبار أن كل هذه الزيادات في الأجور والنفقات تنقص من مداخيل الدولة، وبالتالي يطرح السؤال الكبير: من الذي سيؤدي العجز الهائل في الميزانية؟

ولفت الكتاني إلى أن الفلاحة المغربية تعاني من تصور سياسة عامة جعلت من الفلاحين عالة على الاقتصاد، بالرغم من تطبيق برنامج المغرب الأخضر الذي يحاول تأهيل وتطوير القطاع الفلاحي بالبلاد.