الحدود السورية.. لعنة الجغرافيا والتاريخ تحدد مسار السياسة

إسرائيل في الجنوب الغربي وأمريكا شرقاً في العراق

نشر في:

هل حدود سوريا نعمة أم نقمة عليها..؟ هذا السؤال ومحاولة الإجابة عليه هو محور الفيلم الوثائقي "سوريا.. شطرنج الحدود" الذي تبثه العربية اليوم الخميس.

يبدأ الفيلم الذي تقارب مدته نحو الساعة، ويتحدث فيه عدد من السياسيين والمحللين والخبراء، عن دور الحدود في صناعة القرار والاستراتيجية السورية باستعراض سريع لحدود سوريا، منطلقا من قاعدة أساسها أن السوريين يشعرون أنهم دولة محاصرة بدول لا تحبهم أو معادية.

خريطة ملغومة

ويأخذ الفيلم في تفصيل ذلك مع واقع الخريطة السورية، ففي الشمال تقع تركيا حليفة أمريكا وإلى الشرق يقع العراق الذي تحتله أمريكا وإلى الجنوب لبنان الذي انسحبت منه سوريا كرها وإلى الجنوب الشرقي تقع إسرائيل التي تحتل منذ أكثر من أربعين عاما جزءا من الأراضي السورية، وأخيرا الأردن الذي وقع معاهدة صلح منفرد مع إسرائيل.

وحدود كهذه تجعل من سوريا الضحية والتهديد في ذات الوقت فهي تمثل تهديدا للوجود الأمريكي في العراق، ولكنها ضحية أيضا، خاصة مع نظام جعل الشعب ضحية له.

ففي سوريا التي يبلغ عدد سكانها 22 مليونا غالبيتهم من السنة والفئة الحاكمة من العلويين، لا تسمح بأي نشاط سياسي سوى الانضمام لحزب البعث، وغير مسموح مطلقا التعرض لعائلة الأسد الحاكمة، ورجال المخابرات منتشرون في كل مكان.

وعن ذلك يقول عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري السابق: "الشعب السوري كان محكوما بنظام شمولي وهذه التجربة أوصلت الشعب للحضيض، وأنتجت الفساد وانعدام حرية الرأي."

أما يوسف سلامة الأستاذ في جامعة دمشق فيقول: "لا أحلام للحاضر أو المستقبل، ولكن أحلامنا كلها العودة للماضي، وهو ما يعزلنا عن العالم".

هدنة إجبارية مع تركيا

والماضي بالنسبة لسوريا، كما يعرضه الفيلم، هو قيام دولة إسرائيل والذي جاء بعد عامين من حصول سوريا على استقلالها من الاستعمار الفرنسي وقيام دولة إسرائيل هو ما أثقل سوريا باستقبال اللاجئين الفلسطينيين، وهو الماضي الذي تمثل في ثلاثة حروب خاضتها سوريا مع إسرائيل وخسرتها جميعا.

وتشكل خسارة الجولان معاناة لأهلها، ولكنها في نفس الوقت أعطت للنظام فرصة لتجييش الشعب أمام قضية توحده ضد العدو الذي يحتل الأرض.

وإلى الشمال، تقع تركيا التي تحتل لواء اسكندرون السوري، ولكن لأن سوريا لا تستطيع الحرب على جبهتين، تخلت عن الإقليم، مقابل حقوق المياه المتدفقة من تركيا والتي سرعان ما أقامت سدودا حجزت كميات كبيرة من المياه عن سوريا والعراق.

وطمعا في الهدنة على الحدود الشمالية تخلت سوريا عن اللعبة الرابحة التي كانت تلعبها بمساندة أكراد تركيا، وذلك بعد أن هددت الأخيرة باقتحام حدود سوريا مالم تتوقف عن دعمها للانفصاليين الأكراد.

وفي مقابل تخلي دمشق عن دعم الأكراد تشهد حدودها الشمالية مع تركيا هدوءا ومزايا تتمثل في التبادل التجاري.

لبنان .. ساحة تصفية الحسابات

ينتقل الفيلم لجبهة أخرى لعبت ومازالت دورا كبيرا في القرار والسياسة السورية، ألا وهي الحدود اللبنانية، فمنذ الاستقلال يعتقد لبنانيون أن سوريا لم تعترف أبدا بلبنان كدولة مستقلة، بل تنظر إليها على أنها محافظة سورية.

ومع اندلاع الحرب اللبنانية عام 76 تدخلت سوريا تحت غطاء عربي، ولكنها بدلا من إطفاء الحرب زادت من تأجيجها، وبقيت في لبنان 30 عاما، قبل أن تجبر تحت ضغط داخلي لبناني وخارجي من المجتمع الدولي على الانسحاب منه، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والذي أشارت أصابع اتهام لتورط سوريا فيه.

وإذا كانت سوريا قد انسحبت من لبنان عسكريا إلا أنها بقيت لاعبا سياسيا فيه عن طريق أنصارها وعلى رأسهم حزب الله.

وخارج نطاق الحدود، ولكن لتلاقي المصالح ينضم لاعب جديد لسوريا في لبنان، وهو إيران الراغبة في توسيع نفوذها والوصول لشواطئ المتوسط، ووجدت في نظام الأسد وحزب الله غايتها للتمدد في لبنان، والتسلل للأراضي العربية، مستغلة قضايا المنطقة وعلى رأسها احتلال إسرائيل لأراض عربية.

ومن خلال حزب الله تحاول سوريا أن تضرب عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية إدارة الصراع في لبنان، ومن ناحية أخرى توجيه ضربات لعدوها الأول إسرائيل عن طريق الحزب دون عناء الدخول في مواجهة مباشرة معها، وتريد سوريا وإيران ومعهما حزب الله الحلول محل دول عربية كبرى كمصر والسعودية في التعامل مع قضايا المنطقة.

ويمثل الإحباط وعدم إيجاد حلول للقضية الفلسطينية، منفعة لسوريا وإيران وحزب الله لاستغلال القضية لتوسيع نفوذهم ودورهم في المنطقة.

العدو يأتي من بوابة العراق

وإلى جانب الحدود الجغرافية التي لاتملك سوريا منها فرارا، جاء الاحتلال الأمريكي للعراق ليكون وقعه كالزلزال على دمشق، فالوجود الأمريكي على الحدود يمثل كابوسا لسوريا، وأعطى إحساسا بأن لعبة الشطرنج يمكن أن تنتقل لأماكن أخرى، خاصة مع إعلان إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عن رغبتها في فرض تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط، خشيت معه سوريا أن ينتقل لها من العراق.

ولكن الفشل الأمريكي في العراق، صب لصالح سوريا التي رأت فيه انكسارا للمشروع الأمريكي للتغيير، ومع إيران استغلت سوريا الوضع لتغذية حرب عصابات ضد الوجود الأمريكي في العراق، وبدلا من مجيء الديمقراطية جاء الجهاديون من أتباع بن لادن، والذين تدفقوا من وإلى الحدود السورية لخوض القتال ضد الأمريكيين في العراق.

وإذا كان الوجود الأمريكي قد أضعف نظام الأسد، إلا أن تحالفه مع إيران أعطى له قوة جعلته قادرا على التحدي والتهوين من الخطر الأمريكي، خاصة مع الإدراك بأن الإدارة الأمريكية غير راغبة في تغيير النظام في دمشق لأن البديل له في نظرها، هو الإخوان المسلمين، وإن كان البعض من السياسيين لايرى ذلك التصور حقيقيا، وأنه يمكن وجود قوى أخرى غير الإخوان في سوريا تستطيع أن تكون بديلا للنظام.