سياسيون وكتاب عرب: خطاب الملك عبدالله يُؤسس لعمل عربي مشترك
السعودية تقود تحركاً عربياً لإنقاذ سوريا
وصف سياسيون ونواب وكتاب عرب رسالة العاهل السعودي إلى سوريا بـ "صرخة ضمير عربي"، معتبرين أنها تهدف لوقف هدر الدم في سوريا وتجنيبها الانخراط في الفوضى، واحتمالات التدخل الأجنبي، مضيفين أنها كانت "أكثر من ضرورية لملء الفراغ العربي أمام ما يتعرض له الشعب السوري من عمليات قمع ومجازر، ومشيرين إلى أنها تمثل "مقدمة لعمل عربي مشترك أمام استمرار النظام السوري في عمليات القمع وممارسة الإرهاب ضد الشعب".

النائب اللبناني أحمد فتفت اعتبر أن رسالة العاهل السعودي "كانت صرخة ضمير عربي لوقف هدر الدم في سوريا ومنع التدخل ووقف الجرائم بحق الشعب السوري"، وقال إن "الرسالة جاءت في وقت تشهد فيه سوريا ضغوطا دولية نظرا لحدة تطورات الوضع هناك ليتعظ المسؤولون السوريون ويتجنبوا أي تدخل في بلادهم".
فيما أكد الكاتب اللبناني خيرالله خيرالله أن الرسالة تعبر عن اهتمام السعودية بالأوضاع الإقليمية، مضيفا أنها أثبتت سابقا اهتمامها بالتطورات في المنطقة من خلال التدخل في البحرين لإنقاذه من الفتنة الطائفية هناك.
وأضاف خيرالله، رغم أن الخطوة كانت متأخرة لكنها جاءت لوأد الفتنة ووضع حد لممارسات النظام السوري.
أما النائب اللبناني نهاد المشنوق فوصف رسالة خادم الحرمين الشريفين بأنها "كانت أكثر من ضرورية لملء الفراغ العربي أمام ما يتعرض له الشعب السوري من عمليات قمع ومجازر:"
وأوضح المشنوق أن "ما عبّر عنه الملك عبدالله بن عبدالعزيز في هذه الرسالة يجيب على عدة تساؤلات كثيرة تتعلق بالمسؤولية الإسلامية للسعودية التي تضم ثاني القبلتين والحرمين الشريفين كما أنها عبرت عن مشاعر الشعب السعودي بكل أطيافه واتجاهاته تجاه ما يحصل في سوريا". واعتبر المشنوق أن هذه الخطوة مقدمة لعمل عربي مشترك أمام استمرار النظام السوري في عمليات القمع وممارسة الإرهاب ضد الشعب".

الباحث الكويتي في الشؤون السياسية والإعلامية عبدالرحمن المسفر العجمي أكد أن رسالة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى النظام السوري، تضمنت نصحاً وتحذيراً من مغبة تداعيات الموقف العام في جمهورية سوريا؛ وهي جاءت لتعطي دلالات سياسية عملية وفارقة بعدما كان الصمت والترقب إزاء ما يحدث في سوريا هما سيدا الموقف عربيا وخليجيا".
أما الكاتب والمحلل في صحيفة الرأي الأردنية رجا طلب فاعتبر أن خطاب الملك عبدالله هو "البلسم الحقيقي لكل الجراح التي أصابت الشعب السوري بسبب الآلة الهمجية من قبل النظام, وهو في نفس الوقت رد دولي وعربي حاسم لأنه وضع النظام بين خيارين إما الفوضى أو الاستقرار".
فيما رأى الكاتب الصحافي سلطان الحطاب "أن الرأي العام العربي لم يعد يحتمل هذا الحجم من ممارسات النظام السوري التي خرجت عن مستوى القبول العربي لها، وتبرز أهمية الموقف السعودي أنه فتح الباب أمام بلورة موقف عربي واسع لإدانة ما يحدث في سوريا، وتشكيل موقف ضاغط على نظام دمشق بدلالة المواقف التي أعلنتها قطر والبرلمان الكويتي وغيرها ".

أما الكاتب الصحافي صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة القاهرة فاعتبر أن خطاب الملك عبدالله لسوريا يمثل "تدخلا طبيعيا في ظل الظروف الحالية التي يمر بها الشعب السوري العربي"، مشيرا الى أن الموقف السعودي كان واضحا منذ اندلاع الثورات العربية في عدة دول ومنها مصر حيث حاول التدخل لتهدئة الأوضاع إلا أنه لم يوجّه خطابا مباشرا إلا لسوريا وهذا أمر طبيعي لأن ما يحدث في سوريا فاق الحدود وكان لابد من اتخاذ موقف واضح ومعلن لوقف بحور دماء الشعب السوري".
فيما طالب المحلل السياسي جمال سلطان الحكام العرب باتخاذ نفس الموقف معتبرا إياه "موقفا أخلاقيا للتصدي لشلالات الدماء التي تراق يوميا في سوريا بدم بارد".
ردة الفعل
وحول ردة الفعل المتوقعة عاد "فتفت" للقول "لا يوجد هناك أي موقف عقلاني في سوريا تجاه ما تضمنته رسالة خادم الحرمين الشريفين حيث إن قيادتها تصر على الحل الأمني وعدم التجاوب مع الإصلاح والالتزام بأي وعود للتغيير".
في حين أردف "خير الله": "نيات السعودية نيات طيبة وهي تعي المرحلة الراهنة لتقود تحركا عربيا يستهدف إنقاذ سوريا لأن المواجهة أصبحت اليوم بين شعب حي ونظام يريد تكرار تجارب عفى عليها الزمن". مضيفا "الموقف السعودي يعي المصلحة العربية لحث سوريا على لعب دور إيجابي، فمنذ وصول بشار الأسد الى السلطة فإنه أخذ بالقيام بعمل تصعيدي توج باغتيال رفيق الحريري في بيروت".
لكن نهاد المشنوق استبعد أن يستجيب الرئيس السوري لما تضمنته الرسالة قائلا: "لا أعتقد أن النظام السوري مستعد للتجاوب لتسوية القضية سياسا وسلميا في الداخل ما لم تجتمع قوى عربية ودولية لتشكل موقفا موحدا لإيجاد تغيير في سلوك النظام السوري."
وحول نفس النقطة توقع الباحث "العجمي" أن يفتح خطاب الملك عبدالله الأبواب أمام الجهود الدبلوماسية الخليجية والعربية لوضع المعالجات المناسبة للأزمة السورية الراهنة، مرجحا أن يلعب مجلس التعاون الخليجي دورا محوريا في تنسيق المواقف العربية، وما ينبغي إصداره من بيانات وقرارات تتعلق بالحالة السورية المتأزمة، موضحا أن التطورات الميدانية وطبيعتها سوف ترسمان ملامح التحركات الدولية بما في ذلك العقوبات والإحالة إلى المحكمة الدولية الجنائية وصولا إلى الخيارات العسكرية المختلفة".
تعنّت سوري

من جهته قال وزير الإعلام الأردني الأسبق والكاتب الصحافي صالح القلاب: "من غير المتوقع أن يستجيب الرئيس السوري لما ضمنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز خطابه التاريخي" ، مضيفا: "المملكة العربية السعودية بقيت منذ انفجار الاحتجاجات السورية وتحولها إلى كل هذه الثورة العارمة تبذل جهوداً جبارة من خلال دبلوماسيتها المعروفة بالصمت وبالسرية والجدية لثني بشار الأسد عما هو متورط فيه ولإقناعه بضرورة وضع حدّ لاستخدام القوة المفرطة ضد شعبه لتصبح هناك إمكانية لمعالجة الأمور بالمنطق والعقل وبالوسائل السلمية". ويرى "القلاب" أن الخطاب السعودي وضع أمام الرئيس السوري خيارين هما: إما الحكمة وإما الفوضى. مضيفا "الواضح, أن الخيار الذي تتمسك به دمشق هو خيار الاستمرار بالتصعيد واستخدام القوة الغاشمة وذلك لقناعة مراكز القوى التي هي صاحبة القرار الفعلي هناك، إن أي هدنة تعود بموجبها الدبابات إلى مرابضها السابقة بعيداً عن المدن والقرى المستهدفة سوف تُستغل ليكون هناك ميدان تحرير كميدان التحرير في القاهرة يستهدف بشار الأسد كما استهدف حسني مبارك وتصبح النتائج في سوريا كما أصبحت في مصر".
مناورات
ورأى "القلاب" أن القيادة السورية ربما تلجأ إلى مناورة كمناورات حافظ الأسد البارعة المعروفة لكن ما هو واضح ومؤكد أن العاهل السعودي، بعد كل هذه التجربة الطويلة مع نظام الأسد الابن، لا يمكن أن تمر عليه مثل هذه الألاعيب فالحديث النبوي الشريف يقول :"لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" فكيف وقد لُدغت المملكة العربية السعودية ,التي بقيت هي وقيادتها تقف إلى جانب سوريا لسنوات طويلة, من قبل هذا النظام السوري مرات عديدة.
وأضاف "القلاب" : "من غير المقبول وغير الممكن على الإطلاق أن تترك سوريا لتمضي على طريق الذهاب إلى الفوضى المدمرة على هذا النحو، فالمسألة هنا ليست شأناً داخلياً، إنها مسألة عربية وإقليمية وأيضاً دولية فتأثيرات انهيار الدولة ستكون عامة وستشمل الدول المجاورة كلها، بل ستتحول إلى مشكلة دولية شائكة على غرار ما كان الوضع عليه في البلقان، وما عليه الآن في أفغانستان وفي ليبيا.. وأيضاً ,إذا أراد البعض, وفي العراق".
أما الباحث د. محمد المصري فعلق قائلا: "لاشك أن العامل الداخلي في سوريا هو الأساس ولكن موقف الملك عبدالله يعطي دفعة معنوية قوية جدا لترتيب الأوضاع الداخلية في سوريا والتخلص من هذا الحكم ذلك أن السياسة السعودية اتسمت بالمحافظة على مدار السنوات الماضية, ولكن هذا الموقف الجريء له أهميته نظرا لثقل المملكة العربية السعودية في موازين السياسة الدولية".
ويقول المصري: "يبدو أن العالم العربي استفاد من الدرس العراقي حينما وقفت الدول العربية في مقاعد المتفرجين وتركت اللاعب الإيراني وحيدا في الساحة, وهي الآن لا تريد لتركيا أن تكون وحيدة في ساحة الملعب السوري".
مضيفا "أعتقد أن نظام بشار الأسد سقط وهو يدخل الآن في حرب إبادة وتطهير من خلال اقتحام المدن والناس وهو غير قابل للإصلاح, كما أن شعارات المتظاهرين في حلب تعكس تعبيرا دقيقا عما حدث".
على الصعيد العملي يقول "رجا طلب": "كان الخطاب رافعة معنوية حقيقية للضحايا والمحتجين في وجه النظام لأنه أمدهم بقوة سياسية كبيرة ممثلة بالمملكة العربية السعودية والملك عبدالله، ووفر لهم ذخيرة معنوية وأرسل لهم رسالة مفادها أنهم ليسوا لوحدهم وأن هناك من يقف معهم ويريد حقن دمائهم".
معتبرا أن النظام السوري "عمل على عكس ما كان متوقعا منه من خلال زيادة جرعة الإجرام كتعبير غير مباشر عن حالة الهلع في شخص بشار الأسد الذي يعيش حالة عدم توازن فكري وسياسي ونفسي فبدلا من أن يستثمر هذا الخطاب باتجاه أخذه كمبرر للتراجع عن ما يجري على الأرض والانطلاق منه كبداية لوقف آلة للقتل والتفكير في آليات حقيقية للحوار والوصول إلى آليات مشتركة لحوار مع القوى التي تسيطر على الشارع من حركات سياسية ووجهاء عشائر ومؤسسات مجتمع مدني، فقد عمد إلى الهروب إلى الأمام نحو مزيد من القتل والتدمير".
ويتوقف "طلب" أمام حقيقتين الأولى أن النظام السوري ذهب إلى نقطة اللاعودة في استخدامه للحل الأمني لأنه لا يمتلك حلا آخر، والثانية أن البنية النفسية للنظام هي بنية متطرفة ولا يمكن إصلاحها لأن إصلاح النظام يعني تدمير النظام لنفسه لذلك فهو يذهب إلى حافة الهاوية".
ويتفق سلطان الخطاب مع هذا الرأي، وهو غير متفائل بـ" أن يعيد النظام السوري إنتاج نفسه والتوقف عن العنف خصوصا وأن حركات الاحتجاج والقوى السياسية المحلية لها تجربة مريرة مع النظام السوري فكل الوعود التي قطعها النظام على نفسه لم تتمخض عن أي شيء وها نحن نرى القتل والتنكيل يزداد يوما بعد يوم".
دبلوماسية مسؤولة
ويرى الباحث والمحلل الاستراتيجي الدكتور مصطفى حمارنة أن "الخطاب يمثل دفعة مهمة نحو إيقاف العنف في الدولة السورية" مشيرا إلى أن النظام السوري حينما ينظر الى موقف دولة بحجم المملكة العربية السعودية المناهض لاستمرار العنف فقد يكون ذلك رسالة واضحة لخوض مفاوضات جادة مع المعارضة والهيئات التنسيقية المختلفة في البلاد للخروج من المأزق".
ويؤكد صلاح عيسى أن خطاب الملك عبدالله "يعكس نوعا من الدبلوماسية المسؤولة لأن مضمون خطابه يدعو جميع الأطراف بمن فيهم القيادة السورية الى ضبط النفس وحدوث نوع من التوافق وتغليب الحكمة وقد صدر هذا الخطاب في الوقت المناسب، فإحساس الملك عبدالله انتقل بالفعل الى جامعة الدول العربية لأن الوضع السوري أصبح مقلقا للغاية وبات من الصعب وقوف الوطن العربي صامتا على إبادة شعب عربي شقيق"، وأشار عيسى إلى أن "هناك موجة قلق عارمة على كل المستويات جراء عمليات إهدار الدماء التي تحدث في سوريا ولابد من التعبير عنها بما يتجاوز فكرة المراقبة الصامتة بتوجيه رسائل واتخاذ مواقف أكثر حسما لدعوة كل الأطراف السورية وقف نزيف الدماء وتوخي الحكمة في أسرع وقت ممكن وهذا ما تضمنه خطاب الملك عبدالله وأعتقد أنه أقصى رد فعل يمكن أن تأخذه دولة عربية في الوقت الحالي"، وأكد عيسى أن هناك تصريحات مصرية شبيهة بالخطاب السعودي دعت أيضا الى ضبط النفس ووقف نزيف الدماء.
هذا فيما وجّه جمال سلطان انتقادات لاذعة للمنتمين للعهود البائدة "الذين لايرون شيئا على الإطلاق سوى الاستعمار والمؤامرات الغربية والتدخلات الأجنبية ولا يولون أي اهتمام لاعتبارات الدم وكرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة يتنفس فيها بحرية وحقه في أن يختار حاكمه ومن ثم يهللون لأي حاكم ويعطونه حق سحق شعبه طالما يلقي خطابات ساخنة ضد الأمريكان" مضيفا: "نعاني من مشكلة على مستوى التحليل السياسي بسبب هؤلاء المنتمين للعهود البائدة فإذا اتخذ حاكم عربي موقفا مشرفا ورادعا نسبيا تجاه مثل هذه التجاوزات التي لا ينبغي السكوت عليها أكثر من ذلك قالوا إنه ينفذ أجندة أجنبية ويتعرض لضغوط أمريكية وإذا صمت ولم يتخذ أي موقف وتدخل آخرون غيره أدانوا الصمت العربي وتساءلوا عن مواقف الدول الكبرى فهؤلاء المشككين لا يرضيهم أي موقف مشرف ويجب ألا ننشغل بهم، وننشغل فقط بأبناء الشعوب العربية التي تراق دماؤها يوميا وإلا من يقف بجوار هؤلاء".
وكان الملك عبدالله قد ألقى خطاباً قصيراً لسوريا أدان فيها إراقة الدماء من أبناء الشعب السوري، وقال إن هذا ليس من الدين ولا الأخلاق وطالب بتفعيل الحكمة لدى القيادة السورية قبل فوات الأوان، وتفعيل إصلاحات شاملة وسريعة، وأعرب عن رفض السعودية لكل ما يحدث في سوريا مشيرا إلى أن أمام القيادة السورية خيارين فقط إما أن تختار الحكمة أو تنزلق إلى الفوضى، واختتم خطابه بقرار المملكة استدعاء سفيرها للتشاور حول الأحداث الجارية في سوريا.