عاجل

البث المباشر

الفتنة الطائفية في مصر.. حرائق سياسية "تتنكر" تحت عباءة الدين

نقاط سوداء في صفحة ناصعة من التعايش المشترك

فتح تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية في اللحظات الأولى لبزوغ العام الميلادي الجديد 2011، ملفاً محزناً ودامياً في تاريخ طويل من الوئام والعيش المشترك لعنصري الأمة المصرية، المسلمين بما يشكلونه من أغلبية ساحقة, والأقباط بما يرمزون له من دلالات تاريخية ودينية تمثل واجهة لمصر كلها, وليس طائفة أو أقلية بالمعنى العددي في بلد اتسم تاريخه بحالة استثنائية من الهدوء والأمن والاستقرار.

شركاء في الوطن

ولا يخفى على مُطّلع أن الكنيسة المصرية، وإن كان أتباعها أقل عدداً من غيرها، هي كنيسة مستقلة بذاتها أعرق وأعمق جذوراً في التاريخ من بقية الكنائس الأخرى في العالم.

وعند البحث عن توتر أو صراع ديني يمكن القول باطمئنان تام إن مصر، بتاريخها الطويل، لم تعرف أي حالة من التوتر الديني أو بذور عنف طائفي، إلى وقت قريب، وعلى وجه الدقة منذ مطلع السبعينات.

وإلى ما قبل عام 1952، عرفت مصر حالات تكاد تكون نادرة في وصول أبناء الأقلية لأعلى مناصب الدولة، بعد الملك، إذ تولى قبطيان هما بطرس غالي باشا، ويوسف وهبة باشا رئاسة الوزارة، كما كان مكرم عبيد باشا وزيرا للمالية ونائب لرئيس الوزراء وقياديا بارزا في حزب الوفد.

وشاركت رموز قبطية عديدة في مسيرة كفاح الوطن من أجل الاستقلال، والتي توجت بثورة 1919 التي خرجت تحت شعار اتحاد الهلال مع الصليب، لتعلن بذلك مبدأ الدولة المدنية في مصر القائم على حق المواطنة والمساواة بين الجميع.

ولسنوات طويلة بعد 1952 لم تشهد مصر ما يعكر صفو العلاقة الطيبة بين شقيها، وذلك لانخراط الوطن بكامله في معارك البناء في مرحلة ما بعد الاستقلال، من تنمية وبناء والتصدي لأطماع الجار الجديد، نقصد إسرائيل، بكل ما تمثله من مخاطر على مصر.

وأيضاً بفضل ما كان يملكه جمال عبدالناصر من إدراك لأهمية الوحدة الوطنية ودورها في معاركه في سبيل بناء مجتمع حديث وعصري.

السادات والأقباط

وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن أول شرارة حقيقية للعنف الطائفي في مصر قد اندلعت عام 1972 في ضاحية الخانكة (شمال القاهرة) بإحراق مقر جمعية الكتاب المقدس، والقول إن الحدث لم يكن من قبيل المصادفة لأن هذا العام هو واحد من الأعوام المفصلية في تاريخ مصر الحديث، وهو ما أطلق عليه في الأدبيات السياسية "عام الضباب" على صعيد المواجهة مع إسرائيل التي كان السادات قد أعلن في بدايات عهده أن عام 1971 هو عام الحسم، ومضي العام بلا حسم في حرب أو سلم.

أيضاً هذا العام كان يعمل فيه السادات لتوطيد أركان حكمه بعد الإطاحة برموز العهد الناصري في ما سمي بـ"ثورة التصحيح" في مايو/آيار عام 1971، وشكل الحادث أول اختبار لوضع الأقباط مع الرئيس الجديد، وهي العلاقة التي تعقدت كثيراً وانتهت بصورة درامية في الأيام الأخيرة من عهد السادات.

بضع سنوات مضت حملت معها نمواً متزايداً في نفوذ وقوة تيار الإسلام السياسي، بتشجيع النظام، أو على الأقل غض الطرف عنه لإقصاء التيارات الأخرى، من ناصريين ويساريين وشيوعيين، إلى أن وقعت أحداث الزاوية الحمراء في يونيو/حزيران عام 1981، والتي بدأت بخلاف عادي على قطعة أرض إلى قتال شوارع استمر عدة أيام انتهى بمقتل 81 قبطياً وفق التقديرات الرسمية, وأكثر من 100 طبقاً لتقديرات الأقباط.

أحداث الزاوية الحمراء جاءت بدورها في عام عاصف، أتى بعد عامين قضتهما مصر في انتظار "الرخاء الموعود" الذي تعهد به السادات بعد معاهدة الصلح مع إسرائيل في 1979.

ولم تقف عواصف 1981 عند "الزاوية الحمراء" بل امتدت لتشمل مصر حالة من الغليان السياسي، أقدم خلالها السادات على أحد أكثر القرارات خطورة وغرابة في تاريخ علاقة الدولة بالأقباط، بعزله للبابا شنودة ونفيه إلى دير وادي النطرون.

وإن كان العام قد انتصف بـ"فتنة" تحولت لمذبحة، فإن بقيته كانت تحمل لمصر الكثير من المفاجآت غير السارة، وسط حالة احتقان سياسي وصل إلى اعتقال كل الرموز السياسية والفكرية من جميع التيارات والمشارب والطوائف.

سخونة صيف وخريف عام 1981 لم تختتم فصولها الدارمية إلا بأكبر حدث سياسي في تاريخ مصر المعاصرة باغتيال السادات في مشهد درامي، لم يكن في مخيلة أحد من حيث التوقيت والمكان، إذ اغتيل السادات وسط "أبنائه" كما كان يحلو له القول، جنود القوات المسلحة في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1981، وللمصادفة أنه أيضاً يوافق تاريخ ميلاد السادات.

وإذا كان الأقباط لم يغفروا للسادات عزل البابا شنودة ووضعه رهن الإقامة الجبرية في الدير، ولا تغييره الدستور في مايو/آيار عام 1980 بالنص في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، فلا يبدو أيضاً أنهم غفروا لخليفته الرئيس مبارك أنه أفرج عن جميع المعتقلين الذين ألقى بهم السادات في السجون، عدا البابا شنودة الذي بقي رهن الإقامة الجبرية حتى عام 1985.

عدو مشترك

وحملت سنوات التسيعنات لمصر تحديات الإرهاب الأسود لتضرب مسلمين ومسيحيين معاً، إلى أن استطاعت الدولة بصبر وتضحيات كبيرة القضاء على تلك الجماعات المسلحة، التي أرادت ترجمة نموها وظاهرة "التدين" الشكلي التي شهدتها مصر في عقدي السبعينات والثمانينات إلى سلطة حاكمة ونافذة في البلاد.

وأحداث التسعينات لم تكن تستهدف الأقباط، حتى وإن كانت بعض جماعات الإسلام السياسي قد أصدرت فتاوى تبيح الاعتداء على الأقباط والاستيلاء على محال الذهب التي يملكونها لتمويل عملياتهم "الجهادية".

وشكلت حقبة التسعينات حرباً حقيقية وقفت فيها الأمة المصرية بشقيها والدولة في صف واحد ضد عدو مشترك هو "الإرهاب".

هذا النصر كان يمكن أن يشكل قاعدة بناء نحو علاقة أمتن بين الدولة والمجتمع في مصر، لكن لأسباب تبدو مجهولة اقتصرت ثمار النصر على الأمن فقط، ولم تمض إلا أشهر معدودة حتى وقعت أحداث قرية "الكُشح" في أقصى جنوب مصر، والتي بدأت بمشاجرة بين تاجر مسيحي وزبون مسلم، لتنتهي بمقتل 19 قبطياً ومسلم واحد. ثم تلاها في عشية الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، الذي يوافق حسب تقويم الأقباط الشرقيين السابع من يناير/كانون الأول 2010، أطلق مسلحون مجهولون النار على تجمع قبطي أمام إحدى كنائس نجع حمادي، في صعيد مصر، ليسقط ثمانية قتلى، فيما اتضح لاحقاً أنه عمل انتقامي لجريمة شرف، بعد تردد أنباء عن اغتصاب شاب قبطي فتاة مسلمة.

تفجير الإسكندرية

عام 2011 يبدو أنه أبى بدوره أن يولد دون بصمة عنف قوية ومبكرة جداً، بتفجير كنسية القديسين في الإسكندرية، ولكن الضربة هذه المرة انفجرت في وجه كل مصري وليس الأقباط فقط.

وبين عناوين الأحداث الكبرى التي أخذ فيها التوتر الطائفي بعداً دموياً، شهدت مصر حالات متباينة من أعمال العنف الفردي المتناثرة, لكن الأخطر أنها شهدت سجالات وشحن ديني حاد تصاعدت وتيرته في العقد الماضي على وجه التحديد.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، شهدت البلاد ما عرف بقضية "الراهب المشلوح" وقضيتي كاميليا ووفاء قسطنطين، وشهدت الشهور الأخيرة من عام 2010، وهو عام الانتخابات البرلمانية، نذر أزمة كادت تؤدي إلى كارثة بسبب تصريحات الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدس، والتي اعتبر فيها المسلمين "ضيوفاً على أرض مصر".

ولا يمكن عزل ما تشهده مصر من ميل للعنف مع ما يعيشه العالم من حولها من حالة غليان وصعود للتيارات الأشد تطرفاً من كل الأديان، لكن تبقى الحالة المصرية تدفع ضريبة أحوالها الخاصة، ومشاكل حقيقية تراكمت على مدى أكثر من أربعة عقود، شهدت حالة من الانغلاق الفكري غير المعهود في مجتمع كانت فضيلته الأولى الانفتاح والتسامح.

استعراض كل انفجار طائفي في مصر يكشف تماماً أنه جاء مرتبطاً بظرف سياسي، أو لخدمة هدف سياسي، ليكون الدين الحاضر الغائب فيه، وتكون السياسة هي المحرض والمستفيد دائماً.