في الصين الشيوعية.. كرة القدم رأسمالية
استغراب من إقدام أندية صينية مغمورة لإغراء لاعبين مشهورين
يتعجب الكثيرون من إقدام بعض أندية كرة القدم الصينية المغمورة على إغراء لاعبين مشهورين من العالم للقدوم الى الدوري الصيني ويتعجب الكثيرون أيضا من عدم شهرة دوري الصين على الإطلاق أو المنتخب الوطني بالمقارنة مع الجارين الأقوى اليابان وكوريا الجنوبية.
وفي الواقع فإن الصين الشيوعية أصبحت بها كرة قدم رأسمالية قوية للغاية سمح بها الاقتصاد المزدهر بالبلاد والذي أصبح يوازي إن لم يتفوق فعليا على الاقتصاد الاميركي أقوى اقتصاد بالعالم، لكن المتابع لشؤون الرياضة بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة في الصين يعرف أن المسألة لم تكن الا وقتية فقط حتى نرى بعضا من أبرز النجوم بالعالم يلعبون في الدوري الشهير باسم دوري "التنين" وهذا هو شعاره الصحيح،
حيث إن معظم اللاعبين الذين كانت تقدم لهم عروض بالأندية الصينية كانوا يخشون من عدم الوفاء برواتبهم التي يتعاقدون عليها لكن الأمر تلاشى في السنوات الأخيرة لأسباب كثيرة تعود في أغلبها الى الازدهار الكبير للاقتصاد المحلي والذي يعتمد على تصدير كل شيء وأي شيء إضافة إلى تخطيط بدأ من الحزب الشيوعي الذي مازال يسيطر على الوضع بقوة حتى بمجال الرياضة، وقد اهتدى مخططوه الى أفكار لازدهار الكرة والأندية منها وجوب أصحاب المصانع خاصة الكبرى على شراء الأندية لكن دون أن يدفعوا الا القليل كيف؟
إعلانات المصانع الكبرى
ببساطة أن يتم وضع إعلانات المصانع الكبرى على فانيلات اللاعبين وحول الملاعب أما الخطوة الأهم فكانت على الطريقة الكاتالونية الإسبانية أي أن كل منطقة لابد أن تشترك بمبلغ محدد يصل الى 20 يوان في ميزانية كل ناد يتبع لها والأمر يختلف هنا عن الرأسمالية في شيء واحد فليست هناك أرباح مقابل المساهمة أو الاشتراك،
الربح الوحيد هو الاستمتاع برؤية مباريات كرة قدم ممتعة وقدوم النجوم الكبار الى البلاد ونظرا لأن كل صيني يعتبر نفسه مسؤولا دون أن تكون له مسؤولية رسمية فإن الأمر كان سهلا وفي بلد تعداده مليار ونصف المليار نسمة فإن عشرة يوان من كل عائلة بناء على حالتها المالية تنتج ميزانية ضخمة إضافة الى أنه ومن أجل تشجيع العائلات على تقديم مبلغ المساهمة أو الاشتراك فإن لكل عائلة الحق في صرف كمية أكبر من المواد التموينية الأساسية كالزيت والدقيق والقمح وبأسعار منخفضة تصل الى النصف إضافة الى أن من ينبغ رياضيا من أية عائلة يكون له أو لها مميزات كبيرة منها العلاج على نفقة الدولة والرعاية الطبية المستمرة لكن مبدأ الرعاية الطبية في الصين ملحوظ للغاية فالإعمار هناك تصل الى ما بعد المائة بسهولة شديدة.
تحولاً مميزاً
نعود الى كرة القدم الصينية التي شهدت مؤخرا تحولا مميزا تمثل في حدثين ذكرناهما أولهما "نصح" كبار رجال الأعمال بشراء النوادي مقابل نصف قيمتها تقريبا والمساعدة على جلب الأسماء الكبيرة الى البلاد وثانيها نظام الاشتراكات في الاندية والذي أوجد ميزانية ضخمة للغاية كما قضى الحزب الشيوعي على الكثير من المظاهر السلبية للرياضة في بنيتها التحتية فمثلا أي صبي يريد أن يمارس كرة القدم بشكل خاص يجد ملعبا خاصا بمنطقته لا يعتمد على الرمال أو الحجارة إنما مزروع بالعشب الطبيعي وهذا هو السر في أن من يرى الصين من الطائرة يجدها مثل أوروبا خضراء تماما ووسطها المباني فالمساحات الخضراء كبيرة وواسعة ولا تتعدى عليها ظاهرة التوسع العقاري،
وعلى العكس من الماضي فإن تعليم الصبي او الصبية الرياضة يبدأ من سن العاشرة وليس السادسة أو الخامسة طبعا باستثناء الظواهر النادرة التي لها أكاديميات خاصة ولكل صبي أو صبية الحق في امتلاك كرة قدم أو سلة أو طائرة أو كرة تنس بما يناسب هوايته وهي هدية من الحزب الشيوعي ( طبعا لزيادة الانتماء )
الدوري الصيني : غير قوي
لكن الدوري الصيني غير قوي بالمرة حتى الآن رغم أن خطة تطويره بدأت قبل 10 سنوات أما السبب فيعود الى مجموعة من القوانين التي تم إلغاؤها الآن تماما وكانت تحد في بعضها من (حرية) اللاعبين في أمور كثيرة أغلبها شخصية، وعلى عكس البلدان المجاورة القوية مثل اليابان وكوريا لم تلجأ الأندية الصينية للاعبين من البرازيل والأرجنتين أو غيرها من دول أميركا الجنوبية بل لجأت الى لاعبين "أرخص" من دول القارة الإفريقية ومن الدول الآسيوية المجاورة,
إضافة الى استراليا التي لها تواجد ملحوظ في الدوري الصيني نظرا لقرب المسافات إضافة الى الاهم و هو أن الصين لا تفرض ضريبة على العامل الأجنبي بعكس اليابان و كوريا لكن بالمقابل هناك نظام مثل الإنجليز يسمى برسم التسجيل أي يتم أخذ مبلغ نقدي من اللاعب فور توقيعه العقد مع النادي الذي ينضم إليه وهذا المبلغ في العادة يدفعه ناديه ثم يتم خصمه من راتبه فيما بعد ولا يحس به اللاعب على الإطلاق.
لكن التحول الضخم الذي جعل اثنين من الأندية المعروفة هناك تقدم على خطوة دفع مبالغ مالية عالية للغاية تصل الى نصف مليون دولار أميركي أسبوعيا في عرض المهاجم الإيفواري ديديه دروغبا يتمثل في دخول مستثمرين جدد يساهمون في ميزانية الأندية على الطريقة الأوروبية إضافة الى أن النادي الذي يريد ضم اسما جديدا شهيرا يوجه نداء الى جماهيره المشتركة بأن يزيدون من اشتراكهم كي يتمكنوا من إغراء الاسم
و لهذا رأينا نادي شنغهاي هانزو جرين تاون مثلا يتقدم بهذا العرض رغم أنه ليس أقوى فريق في شنغهاي ثاني أهم المدن الصناعية بالبلاد بعد العاصمة بل إن شنغهاي شينواتا أقوى منه ماليا لكن شركة ايفرجرين الصناعية العملاقة التي اشترت النادي ساعدته على هذه الخطوة الجبارة بعد أن اشترى الفرنسي نيكولاس أنيلكا من تشيلسي وحتى خطوة تقديم العرض المغري لدروغبا جاءت في إطار آلية معروفة إذ يقوم النادي المهتم بخدمات لاعب ما بإخطار جمهوره أو مشتركيه من خلال منشور بالنادي بأنه يريد شراء اسم من الأسماء الكبيرة وهذا الاسم سيتكلف ثمنه مبلغا ما والنادي يحتاج المال لشراء هذا اللاعب ولابد من مساهمة الجميع.
و يتم تحديد كيفية قدوم المبلغ الذي سيوضع في البنك باسم اللاعب على الطريقة الإيطالية لكن اللاعب لا يمكن الاستفادة منه أو صرفه إلا بشيكات تصدر شهريا من النادي في ظل الضمانات المعروفة وفي حال فشلت المفاوضات مع اللاعب تبعا لرغبته الشخصية يتم رد المبلغ المأخوذ من كل مشجع و لو أراد ألا يأخذ المبلغ الذي دفعه فإنه يصبح من حقه ألا يساهم في مبلغ استقدام لاعب جديد وهكذا بتطبيق مبدأ العدالة حتى في المساهمات المالية والمثير هنا أن المشجع يقبل بكل حماسة على دفع المبلغ المطلوب لأن معنى هذا أنه يعلي من شأن ناديه مما يؤدي إلى إعلاء شأن كرة القدم بالبلاد.
بالنسبة للمنتخب الصيني فإنه غير قوي حتى الآن لأسباب عديدة منها فشل تجارب استقدام عدد من المدربين الأوروبيين آخرهم الإسباني ميتشيل هذا رغم حقيقة أن اللاعب الصيني يتميز بالمهارة الفردية الأساسية والقوة البدنية الواضحة عكس الياباني والكوري اللذان يتميزان بالسرعة القصوى
لكن اليابانيين والكوريين بدأوا في تطوير كرتهم ومنتخباتهم منذ ثلاثين عاما تقريبا باستقدام مدربين أقوياء من أميركا الجنوبية وأوروبا لاستغلال السرعة البديهية للاعبيهم أما الصين فبسبب المعتقدات والعادات والتقاليد التي كانت سائدة تأخرت كثيرا وأدى هذا التأخر الى تفوق "الآخرين" وأهمهم "العدو التقليدي" اليابان.
كما يرفض الصينيون حتى الآن مبدأ التجنيس عكس اليابانيين الذين استخدموا بعض اللاعبين البرازيليين ومنحوهم الجنسية للعب باسم اليابان كما رفضت كوريا الجنوبية مبدأ التجنيس أيضا، ووجهة نظر المسؤولين الصينيين تعتمد على أن بلدا بهذا الحجم السكاني الضخم لا يمكن أن ينضب من المواهب و يوما ما ستكون قويا للغاية في كرة القدم مثلما هو عملاق اقتصاديا.
أخيرا فإن الدوري الصيني " السوبر ليج " يتكون من 16 ناديا يلعبون بطولة واحدة على الطريقة البرازيلية والدوري هناك يبدأ في فبراير وينتهي في ديسمبر ولا تقام مباريات في يناير بسبب احتفالات السنة الصينية وظاهرة جوية معروفة تهطل فيها الأمطار بشدة خلال منتصف اليوم في يناير بالتحديد و تؤدي الى سيول جارفة نراها جميعا على شاشات التلفزة أما مواعيد المباريات فلابد أن تبدأ إما في الرابعة مساء أو السابعة ليلا والسبب يعود الى العواصف الرعدية القوية التي تجتاح البلاد غالبا ( في شهور الشتاء ) من منتصف النهار إلى الثالثة عصرا وهي عواصف تكون قوية للغاية يمكن أن تؤثر على حضور الجمهور للملعب أو على أداء المباريات نفسها.