احتضار فن "الحلْقَة" والحكواتيين في المغرب

حكاياتها كانت تستقطب المثقف والأميّ لما فيها من تشويق وجذب

نشر في:

يعيش فن الحَلْقَة في المغرب، الذي يرتكز أساساً على الحكي والسَّرد، حالياً على إيقاع الانقراض المتدرج وتقلّص عدد ممارسيه في الساحات الشهيرة بالمغرب، من قبيل ساحة جامع الفنا بمراكش أو ساحة الهديم بمكناس وغيرهما، وذلك بسبب اكتساح وجاذبية وسائل الفرجة الحديثة ونتيجة لعدم اهتمام الجهات المعنية بهذا الفن العريق الذي يعتبر أحد أبرز الموروثات الثقافية الشفهية في العالم.

ويعتبر فن الحلقة، أحد أقدم الفنون بالمغرب، بمثابة شكل فُرجوي من أشكال المسرح الشعبي التلقائي الذي يتسم مزاولوه بمهارات في التشخيص والإلقاء، ويتميزون بسرعة البديهة والحفظ وسرد الحكايات ذات الطابع العجائبي والغرائبي، وذلك في بعض الساحات العمومية المعروفة بحضور جمهور يُكَوّن دائرة على شكل حلقة يقف في وسطها "الحلايْقي" السارد.

واشتهر حكواتيون مغاربة داخل البلاد وخارجه بفضل ممارستهم لفن الحلقة في عدد من الساحات المعروفة، خاصة جامع الفنا في قلب مدينة مراكش الحمراء، وعلى رأسهم محمد باريز الراوي الذي أضحى أشهر من نار على علم في مجال إلقاء الحكايات، حتى صار مطلوباً في الكثير من التظاهرات الثقافية في البلدان الأوروبية.

ويعتمد باريز، مثل غيره من رواد فن الحلقة بالمغرب، على معينه الذي يختزنه من الثقافة الشعبية والشفوية العالمية، انطلاقاً من قراءاته للملاحم العربية القديمة والخالدة، من قبيل بطولات سيف بن ذي يزن فارس اليمن وعنترة بن شداد العبسي، فضلاً عن ما لصق بذهنه من الحكايات التي تتضمنها قصص أدباء كبار، مثل الإسباني خوان غويتيسولو.

وإذا كان باريز لازال يمثل أحد أكبر رموز الحلقة بالمغرب بفضل صموده وعشقه لحرفته بالرغم من الكثير من العراقيل، فإن فن الحلقة يعيش حالياً نوعاً من الاحتضار الذي أفرغ الساحات العمومية التي كانت تحتضنه من "الحلايقية" وجمهورهم.

عوامل الاندحار

وعزا ممارسو هذا الفن الشعبي القديم أفول نجمهم واندثار أنشطتهم، عدا تنوع وتنامي أنماط الفرجة والتسلية، إلى غياب الأجيال الشابة الجديدة التي يمكنها أن تخلّف الأجيال الحالية والسابقة.

وأرجع حميد ركاطة، الناقد والقاصّ والناشط المسرحي، أسباب تهاوي فن الحلقة إلى جاذبية وسائل الترفيه والفرجة الحديثة، وشرح في حديث لـ"العربية.نت"، أن مساحة الاختيار بالنسبة للفرد اتسعت في مقابل الحكي الليلي الذي كانت تقوم به الجدات، أو الحكي النهاري "الحلقة"، الذي كان الفرد يقضي في رحابه زمناً أطول، نظراً لتوافره على زمن فائض عن الحاجة.

وأكد ركاطة أن حكايات الحلقة كانت تستقطب المثقف، كما تجذب الأمي؛ لأن الفرجة النوعية كانت تترسخ عبر التشويق وقوة جذب الحلايقي بحكاياته العجائبية والغرائبية، وذلك في نفس الوقت الذي كان يستلهم أغلبها من التراث العربي القديم، من قبيل "ألف ليلة وليلة" و"الشاطر حسن" و"السندباد"، و"سيدنا علي والغول"، و"سيف ذي يزن".

ولفت ركاطة إلى أن الحلقة فن لم يتم حمايته كتراث إنساني من قبل الوزارة الوصية، ولم يُمنح له الاهتمام الذي يستحقه كموروث ثقافي عالمي يجب حمايته والحفاظ عليه وتعليمه للأجيال اللاحقة.