النخبة الخليجية ومشروع الاتحاد الخليجي
تباينت رؤى النخبة الخليجية لمشروع الاتحاد الخليجي، الذي طرحه الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة مجلس التعاون في الرياض ديسمبر 2011، سواء بشأن مفهوم وشكل الاتحاد المطلوب أو دوافع وضرورات الاتحاد، أو المجالات والميادين التي ينبغي البدء فيها لتحقيق الاتحاد، أو بشأن عوائد ومنافع الاتحاد.
ورصد الدكتور معتز سلامة موضوع النخبة الخليجية ومشروع الاتحاد الخليجي في دراسة خاصة قدمها لـ"معهد العربية للدراسات والتدريب".
ورأى سلامة أنه في العموم كانت طروحات النخبة مؤيدة للفكرة، وأحيانا غاضبة على تأخرها من حيث الطرح، ولكن كانت هناك وجهات نظر تدعو للتأني والدراسة والخوف من الاندفاع. وإلى حد ما فقد لوحظ تأثر مواقف جزء من النخبة بمواقف بلدانها من مشروع الاتحاد، وقد ظهر ذلك بوجه خاص في كتابات النخبة العمانية التي عبرت عن مواقف متحفظة وحذرة من دعوة الاتحاد، كما برز أيضا من مواقف النخبة السعودية التي سعت إلى تقديم تبريرات وصيغ للاتحاد تجعل الدعوة ممكنة التحقق، وبرز من مواقف النخبة الكويتية التي طرح أغلبها تحفظات تتعلق بوضعية بلدهم في الاتحاد، وما إذا كان الاتحاد سيؤثر على تمايزاتها السياسية.
أولا: مفهوم النخبة للاتحاد
تراوحت وجهات نظر النخبة فيما يتعلق بصيغة وشكل الاتحاد، بين اتحاد اندماجي كامل تذوب فيه شخصية الدولة الخليجية (اتحاد فيدرالي)، واتحاد يحافظ على الشخصية السياسية للدول المنضمة إليه ولا يذيب شخصياتها القانونية والسياسية أمام المجتمع الدولي (اتحاد كونفدرالي). وتساءل البعض عن طبيعة هذا الاتحاد الخليجي، وهل هو دولة واحدة أم هيئات فوق وطنية وما دور الشعوب الخليجية وهل سيكون عليه استفتاء؟». وكانت الأغلبية مع اتحاد كونفدرالي تتوحد فيه المسؤوليات والسياسات في مجالات مهمة كالجيش الموحد، والمنظومة الدفاعية. على أن تكون الخطوة مجدية من الناحية العملية، وأن تحدث فارقا في المقارنة بين الصيغة التعاونية، وبين ما ستكون عليه الإرادة الاتحادية، لمجمل الدول الخليجية.
وبينما أكد البعض ضرورة إخضاع الحصص في القرارات السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية لمعادلة حسابية جديدة، تضع بمقتضاها كل دولة نحو 30% من قرارها السياسي لصالح الاتحاد الخليجي، بحيث يكون نصيب كل دولة من الدول الست خمسة بالمائة من القرار الخليجي المشترك، ويبقى سبعون بالمائة قرارا سياديا يخص الدولة وثلاثون بالمائة مشتركا مع بقية الدول. فقد دعا البعض الآخر إلى الأخذ في الاعتبار التفاوتات بين الدول ومنح أوزان وأنصبة ومعايير للصوت مختلفة بحسب وزن وثقل الدولة، وأن يكون لكل دولة من دول الاتحاد أصوات تتناسب وحجمها وعدد سكانها، كأن يكون للسعودية كدولة كبرى ثلاثة أصوات، والدول الوسطى صوتان، والصغرى صوت.
وتصور البعض مقترح الاتحاد الخليجي على أنه وسط بين صيغة التعاون الراهنة وصيغة "الاتحاد الأوروبي" الذي تملك المفوضية فيه قوة تعلو على هوامش السيادة، على أن يكون الاتحاد الخليجي صيغة تعلو على صيغة التعاون وتدنو صيغة الاتحاد الأوروبي. وجرى التأكيد على أنه لن يكون وحدة ابتلاعية أو انصهارية -على الطريقة السورية البعثية (أمة واحدة برسالة خالدة)- كما سجلها التاريخ بين مصر وسورية، وليست فيدرالية على طريقة ألمانيا أو تتماثل مع نظام الولايات المتحدة، بمعنى حكومة واحدة بمرجعية واحدة، وأمة وهوية واحدة، وإنما اتحاد فيه احترام للخصوصيات الوطنية، ولا يمس السيادة وتوابعها من سفارات وأعلام وأناشيد وطنية، ولا يقترب من التراث الوطني ويلتزم الهوية الوطنية بالشخصية المستقلة لكل بلد، ولا تملك هيئات الاتحاد تفويضا يعطيها صلاحيات فوق السيادة الوطنية.
وبينما دافع البعض عن فكرة الاتحاد استنادا إلى الفوائد والعوائد التي ينتظر توقعها منه، تحدث بعض آخر عن ضرورة الاتحاد بغض النظر عن المنافع المتوقعة، تعبيرا عن موقف أيديولوجي يناصر أي عملية وحدة أو توحد عربية أو خليجية، معتبرين أن الاتحاد الخليجي مقدمة للوحدة العربية. وفق هذا الرأي يؤكد د. علي فخرو أن قضية الوحدة العربية، سواء أكانت بين قطرين أو أكثر أو سواء أكانت تدرجية أم اندماجية شاملة، تحتاج أن نبعدها عن منطق النفعية وعن مساومات الربح والخسارة المؤقتة، حتى يصبح هدف الوحدة أقرب إلى المقدس منه إلى العابر. وعلى خلاف هذا الرأي العروبي القومي نظر البعض الآخر إلى الاتحاد على أنه رد فعل على الشقيق العربي وتأكيدا لسمو الخليجي في مقابل شقيقه العربي، مؤكدين أن "مشروع الاتحاد هو مشروع رد اعتبار لقيمة المواطن الخليجي في أرضه، فهذا المواطن .. لم يرض بعد سنوات الخذلان التي عاشها مع كذبة القومية وشقيقاتها، إلا بشرف الانتماء لذاته".
وبينما دفع العديد من المحللين والكتاب الخليجيين إلى طرح صور متواضعة كثيرا لمعنى الاتحاد الذي ينشدونه على نحو لا يجعله يضيف أي جديد للواقع الخليجي القائم في سياق المجلس، اتجه قطاع آخر إلى التأبي على الواقع وافتراض قيام الاتحاد، مؤكدين أن الواقع الخليجي الراهن يعبر عن اتحاد متحقق ولا يحتاج سوى الإعلان عنه، وأن الصورة الكاملة لمجلس التعاون تعكس صورة لاتحاد قائم وإن كان غير مسمى باسم الاتحاد، ومعتبرين أن الاتحاد قائم بركائزه وهو "مطلب لكنه واقع".
ثانيا: شروط الاتحاد
تمثلت أبرز الشروط التي طرحتها النخبة للاتحاد فيما يلي:
• تحقيق الاتحاد بإرادة الشعوب: فقد أكد قطاع مهم من النخبة الخليجية على ضرورة استناد أي خطوة اتحادية إلى الإرادة الشعبية، بحيث يكون هذا الاتحاد نتاج لرؤية وطموح المواطن الخليجي وليس فقط النظم السياسية الخليجية. ودعا آخرون إلى نشر وثائق مشروع "الكونفدرالية" بكل شفافية كي تطلع عليها شعوب المنطقة وتبدي رأيها فيها من خلال الآليات الديمقراطية. ووفقا لذلك دعا البعض إلى قيام الاتحاد على أسس المواطنة المتساوية الديمقراطية، والإسراع بإجراء إصلاحات سياسية حقيقية لكي تتمكن شعوب المنطقة من المشاركة الإيجابية في إدارة شؤون بلدانها أولاً وتصبح قادرة، بعد ذلك، على المشاركة الديمقراطية في صياغة مشروع "الكونفدرالية" وتسهم بفعالية في عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجي، ودعا إلى مشاركة جميع شعوب المنطقة بعملية التقييم بطرق ديمقراطية ثم تنشر نتائج التقييم بكل شفافية. وكان أحد جوانب الخلاف بين النخبة ما يتعلق بآلية استطلاع آراء الشعوب بخصوص الاتحاد، حيث طالب البعض بالاستفتاء الشعبي كشرط لإقرار الاتحاد، بينما جادل البعض الآخر، متسائلا: هل الصواب أن يكون قرار اتحاد استراتيجي هدفه الأساسي وقاية للأمن والسيادة الوطنية محل استفتاء؟ هل الديمقراطية تتعارض مع المنطق ومع مصلحة بديهية جداً، عندما يباغتنا عدو من أي نوع هل نطرح مسألة رفع سلاحنا في وجهه للاستفتاء؟.
• مراعاة التفاوتات النسبية: أكدت النخبة الخليجية على ضرورة الأخذ في الاعتبار التفاوتات النسبية بين دول المجلس والإبقاء على الخصوصيات، حيث أنه الاتحاد إذا كان سيؤدي إلى تحول الأنظمة الخليجية إلى نسخة واحدة، فلن يكون ذلك في صالح المواطن الخليجي، فالتجربة السياسية متفاوتة بين دول المجلس، وبالتالي لا يمكن أن يعيش المواطن في المنامة بقوانين الرياض، ولا المواطن في الدوحة بقوانين عمان أو في أبوظبي بقوانين الكويت ولن يكون الاتحاد بهذه الحالة في صالح المواطن الخليجي، لأن المتقدم سوف يتأخر حتى يلحق به المتأخر. وبحثا عن حل لهذه المعضلات، دعا البعض إلى إخراج فكرة الاتحاد من ما أسماه بـ "التفكير الهش" لبعض المثقفين والسياسيين الذين يحصرون الفكرة تحت منهجية الدمج، وهذا خطأ استراتيجي، لأن جريان الدم السياسي والأمن القومي والاقتصادي في الجسد الخليجي كفيل بصياغة اتحاد خليجي كامل دون تأثير على ثقافة كل دولة خليجية. ويستدل هذا الرأي على ذلك بحقيقة التعايش الديني والمذهبي دون إكراه في تاريخ الجزيرة، وعلى سبيل المثال فإن آل خليفة حكام البحرين لم يعتنقوا دعوة "التوحيد" - المعروفة بالوهابية - ولم يسعوا إلى تطبيقها على مجتمع البحرين الذي غلب عليه المذهبان الشافعي والإمامي.
ثالثا: اتجاهات النخبة الخليجية من الاتحاد
توزعت النخبة الخليجية من فكرة الاتحاد على ثلاثة مواقف، تأسس جزء كبير منها على التباين في قراءة الواقع، فهناك اختلاف في التقييمات لما أنجزه مجلس التعاون بين وجهة نظر يكسوها التشاؤم وتؤكد بأنه لم يحقق شيئا، ووجهة نظر يغمرها التفاؤل وتؤكد أنه حقق ما لم يكن في الحسبان، وكان التفاوت الشديد في تقييم الأمور المادية شيئا ملفتا وغريبا، ولقد عرض كل فريق وجهة نظره والأسانيد التي تؤيد موقفه على النحو التالي.
1- الاتجاه المؤيد:
ركز على المعطيات ومصادر التهديد المشتركة كما يلي:
أ- التاريخ المشترك: فأكد أن فكرة الاتحاد ضاربة في جذور التاريخ المشترك لشعوب الخليج والجزيرة العربية: كما أن الحاجة للوحدة تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن صغر المساحة الجغرافية للدول الخليجية إلى جانب الثروات النفطية الهائلة التي تختزنها أراضيها وبحارها، يجعل الوحدة مطلباً جماهيرياً واسعاً من أجل الحفاظ على هذه الثروة، ووضعها لخدمة مصالح هذه الدول وشعوبها مجتمعةً!.
ب- التقارب والتماثل بين دول المجلس: أن جوانب التقارب الخليجي هائلة، منها: تداخل النوعية السكانية، وتقارب المستويات الاقتصادية، ومستويات التعليم، ومستويات التقدم الاجتماعي، وتماثل أنماط العلاقات الخليجية الدولية التي تتّجه نحو الغرب. فالدول الخليجية الست تتماثل في الجغرافيا البشرية، والمجموعات السكانية، وكثير منهم ينتمي إلى قبائل مشتركة، والمسرح الجغرافي لهذه المجموعات السكانية المتجانسة متشابك مفتوح بعضه على بعض. ويتحدث مواطنو الدول الخليجية الست «لغة واحدة» هي اللغة العربية، والجذور العقدية والثقافية والحضارية لمواطني الدول الست مشتركة بلا نزاع، وأنظمة الحكم فيها متماثلة تقريبا، والموارد الرئيسية لها متطابقة، وهي «طاقة النفط»، علاوة على ذلك ليس هناك تفاوت كبير في الثقافة السياسية الشعبية، فتوازنات القوى الاجتماعية في دول المجلس واحدة فهي ترتكز على التجمعات المدنية والقبلية وتشكيلات مناطقية وسياقات مجتمعية تمرست الولاء السياسي في تكويناتها المجتمعية، بل هي متشابهة تماما في الإدارة السياسية. ووفقا لهذه العوامل فإن دول المجلس أولى بالاتحاد من دول الاتحاد الأوروبي، كدول متجانسة دينيا وعقائديا واجتماعيا، والخليج كإقليم واحد يجب أن يكون هو قوة واحدة.
ت- ضغوط البيئتين الدولية والإقليمية: ساق هذا الاتجاه -لتبرير تأييده لمشروع الاتحاد- مخاطر البيئتين الإقليمية والدولية، فيؤكد أن هناك مشروع إيراني، ومشروع أمريكي، ومن ثم لابد من مشروع خليجي لأن الدول الصغيرة لا مستقبل لها، إذا لم تذهب في هذا الخيار، والتاريخ القريب والبعيد ينبئ أن هذه الدول ستكون بين خياري الذهاب والاضمحلال أو التفكك أكثر. وهو ما يلخصه د. محمد الرميحي في أسباب يراها محبذة للاتحاد: أولا: تغير قواعد اللعبة الدولية، التي أسقطت الرهان على التحالفات الخارجية في حفظ الأمن. وثانيا: في ضوء تغير قواعد اللعبة الدولية لن تجد القوى الإقليمية أمامها رادعا يخفض طموحاتها في التوسع غير أن تجابه بستار من الوحدة. وثالثا: التغير في المحيط العربي فربيع العرب يجعل منطقة الخليج مكشوفة الظهر، وبلا ظهير عربي.
ث- إن مجلس التعاون الخليجي وصل إلى قمة عطائه وآن الأوان للاتحاد: فالمواطنة الخليجية –وفقا لهذا الرأي- أصبحت حقيقة واقعة..، والتكامل الاقتصادي والتجاري يسير في الاتجاه الصحيح، وسياسات الدمج.. والاقتراب عبر أنظمة وسياسات تعليمية وتربوية محكمة.. جعلتنا نفكر ونتعامل بصورة سلسة..، وسياسات دولنا الخارجية أخذت تتقارب بصورة ملموسة..، ولم يعد أمامنا إلا أن نخطو الخطوة التالية(الاتحاد) بقوة. ويعقد هذا الاتجاه المقارنات بين بدايات المجلس عند نشأته وعلاقات دوله وبين حالها الآن من ناحية حجم الاقتصاد الخليجي الذي كان في 1981 في حدود 200 مليار دولار، ليبلغ اليوم نحو 1.5 تريليون دولار. وهناك مئات الآلاف من الخليجيين الذين يعملون ويستثمرون ويدرسون في دول المجلس الأخرى. أما الترابط بين المواطنين فقد أصبح حقيقة يومية، فسنوياً ثمة نحو عشرين مليوناً، يتنقلون بين دول المجلس للسياحة أو المشاركة في الفعاليات الثقافية التي تُعقد في دول المجلس. لذلك يؤكد أنه حان الوقت بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على قيام مجلس التعاون أن تنتقل مؤسساته من مسارات التعاون إلى فضاء الاتحاد، ويؤيد لك أن الدول الخليجية هي –وفقا له- أشبه بدولة واحدة حتى قبل الاتحاد، وإذا كان هناك تمايزات وخصوصيات فإنها لن تشكل عائقاً أمام المنطلقات العامة للاتحاد. ويخلص هذا الرأي إلى أن الاتحاد الخليجي ليس بترف، بل هو حاجة أمنية واقتصادية وسياسية ملحة، وهو مسألة وجود وبقاء لكل دول المجلس.
وفي شأن مخاوف المتوجسين من فكرة الاتحاد الخليجي وأنه سيبتلع الدول الصغرى، أكد هذا الرأي، أن الاتحاد لن يؤثر على الخصوصيات بل سيحفظها: فالاتحاد لن يكون "تذكرة إلحاق" بالسعودية، ويصل هذا الرأي في محاولات إقناعه للمترددين حد القول بأنه لن يتغير الشيء الكثير عند الانتقال من «التعاون» إلى «الاتحاد»، وبأن ما بين دول المجلس هو زواج مصلحة ضد المخاطر الإيرانية. وحول الخوف من السعودية يتساءل: كيف يخشى البعض من الشقيقة الكبرى، خصوصا إذا تذكرنا أن قدر تلك الشقيقة هو التصدي لكل خطر يحيق بالمجلس. وأبرز مثال هو تحرير الكويت، والتصدي للإرهاب، وإيران، وغيرها من القضايا؟ والسعودية دائما بوجه المدفع سواء اتحد المجلس أو لم يتحد، فهذا قدر الرياض!.
واتجه بعض المؤيدين لفكرة الاتحاد إلى توجيه الاتهامات للرافضين خصوصا من جمعية الوفاق الإسلامي البحرينية، بل وصلوا إلى انتقاد يوسف بن علوي عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في سلطنة عمان على تصريحه بأن فكر الاتحاد لا يستوعبها الجيل الحالي: فاتهم البعض جمعية الوفاق بأنها تمثل إيران في البحرين، وأنها تسعى إلى جمهورية (ولاية الفقيه) على أرض العرب. وأنها توحدت في خطابها الإعلامي مع منتسبي حزب الدعوة وحزب الله والشيرازيين. وذهب البعض إلى حد تشبيه الجمعية بأنها تقوم بدور ابن العلقمي الذي سلم العراق للتتار، طمعا في الحكم. وفي انتقاده لوزير الخارجية يوسف بن علوي، على قوله بأن أبناء هذا الجيل غير مؤهلين للحديث عن صيغة أخرى غير مجلس التعاون، وجه د. صالح المسفر السؤال للوزير بصيغة الاستنكار، ما الذي يمنعكم معالي الوزير أن تتطوروا وتطوروننا معكم، هل بعد هذا العمر الطويل والتجربة الطويلة لا تستطيعون أن تستوعبوا المتغيرات من حولكم؟. ووجه مفكر آخر سؤالا استنكاريا للوزير: ما دامت فكرة الاتحاد قد أسقطت بسبب الجيل الحالي، فهل مسيرة التعاون مرشحة للسقوط وبتوقيع نفس الجيل؟
2- الاتجاه الرافض:
في مقابل الاتجاه المؤيد لفكرة الاتحاد، ركز الاتجاه الرافض على مجموعة من العوامل، ربما هي ذاتها التي ساقها الاتجاه المؤيد ولكنها بفهم وقراءة معكوسة، مما يشير إلى حجم الاختلاف في قراءة الواقع الخليجي في تصورات النخبة، وقد ساق هذا الاتجاه الدفوع التالية في تأكيد وجهة نظره:
أ- الدعوة للاتحاد لم تعتمد على الإرادة الشعبية: فيؤكد أن الوحدة تتطلب تحقيق شروط أساسية لنجاحها، أبرزها أن تأتي برضاء الشعوب وترتكز على الديمقراطية والحريات والانفتاح السياسي، وتكريس مبدأ المساواة على مستوى القمة والقاعدة معا، وهذه الشروط غير متوفرة حاليا. وتعبر ليلى البلوشي عن ذلك أفضل تعبير حين قالت: " نريده اتحادا في ترف السلم وتقشف الحرب؛ لا في السلم خارج الحقوق وفي الحرب داخل الواجبات ..! نريده أن يكون واضحا في أهدافه وخططه وتطلعاته لمستقبل مواطني دول الخليج؛ لا اتحادا قائما على مصالح خاصة تمثل أصحاب القرار .. نريده اتحادا .. يحترم المواطن الخليجي ... ولا "اتحاد" بدون "اتحاد" على مستوى القرار والتشاور والتحاور بين الشعوب وحكامها!. ووفق ذلك يدعو الشيخ علي سلمان الأمين العام لجمعية الوفاق البحرينية أن يكون هذا الاتحاد راجع إلى إرادة شعوب دول المجلس، لأن القرارات من قبيل الإتحاد أو من الفدرالية ليس من صلاحيات أي من الحكومات وإنما هي صلاحيات شعوب.
ب- مجلس التعاون لم يحقق أهدافه: يركز هذا الاتجاه على جوانب فشل مجلس التعاون وعلى إبراز بطء المسيرة، وما يراه التيار المؤيد للاتحاد على أنه مظاهر نجاح يراه هذا التيار على أنه ملامح فشل. فيؤكد أنصاره أن مجلس التعاون ومن تاريخ إنشائه لم يحرز أي نجاحات تذكر، حتى القضايا التي تم حلها كانت نتيجة لمجهودات فردية وليست لدول مجلس التعاون. وقد لخص أحد المفكرين ذلك في تساؤلات لماذا الاستعجال في إعلان الاتحاد ولم يحقق المجلس أي تكامل حقيقي على المستوى الاقتصادي والمالي، فلم يحسم الاتحاد النقدي أو العملة الخليجية ولا الاتحاد الجمركي ولا السوق الخليجية المشتركة ولم تشكل هيئة قضائية لمعالجة الخلافات والمنازعات الناشئة. ولقد مضى أكثر من ثلاثين عامًا على تأسيس "مجلس التعاون" من دون أن يستطيع تحقيق واحد من الطموحات المهمة لشعوبه، وهو التنقل بحرية من بلد خليجي إلى آخر باستخدام البطاقة الشخصية. ويضيف هذا الرأي أن مسيرة التعاون ذاتها لا تزال فوق استيعاب المكان الإقليمي وفوق استيعاب الفكر السياسي للنخب الخليجية، فكيف بفكرة الاتحاد وقد خرجت من رحم الإكراه الأمني الإقليمي! وهو نفس ما عبر عنه أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الملك سعود د. خالد الدخيل، حين أشار إلى أن الدولة نفسها، كمؤسسات وسلطات، لم تتشكل طبيعة العلاقة بينها حتى الآن، فكيف بالاتحاد!.
ت- تفاوت مستويات التطور السياسي: يخشى هذا الرأي من أن يقلص الاتحاد أو يطيح بالمكتسبات السياسية التي حققتها بعض الدول. فأكد أنه إذا كان الاتحاد سوف "يقوض" مسارات ومكتسبات التنمية الاجتماعية والحضارية للدول التي سبقت شقيقاتها، فإنه لا داعي لهذا الاتحاد! وأنه إذا كان الاتحاد سيمنع المرأة الإماراتية أو البحرينية من قيادة السيارة وحرية سفرها وانتقالها! أو سيحد من حرية الصحافة والإعلام، أو التجمعات السلمية أو المشاركة الشعبية، فلا داعي لهكذا اتحاد! واستغرب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت د. شملان العيسى الاتجاه للاتحاد، مشدداً على ضرورة أن تتعرف الشعوب بشكل كافٍ في البداية على أسس هذه الوحدة، وأن يتم الترويج لها في الأوساط الشعبية أولا. وعبر آخرون عن عدم الرغبة في توحد دول المجلس لأن هذه الخطوة ستلغي الخصوصيات والالتزامات الخاصة بكل دولة.
ث- تفاوت توزيع القوى داخل الاتحاد: هذا الاتجاه يرى أن القوة النسبية للدولة الخليجية الصغيرة سوف تذوب في بحر الأغلبية. ووفقا لذلك رأوا أن قضية "توزيع القوى داخل الاتحاد" أمر مهم، وأن شروط الوحدة غير متوافرة وهي تخدم السعودية. فتساءل البعض: أي زعيم سيمتلك معظم السلطة؟ وما هي حدود سلطة الاتحاد الجديد؟ وعن علاقة المركز بالأطراف وصلاحيات الوسط، تساءل: هل سترضى دولة المركز أن تنهض دولة من الأطراف لتكون قائدة للاتحاد؟ وهل أدبيات العلاقة بين دول المجلس ستسمح بذلك؟!. وأثيرت الشكوك في أن يكون الاتحاد خطوة أولية لنفوذ السعودية على الاتحاد.
ج- إن الاتحاد سيوجه لإيران: وهنا يتضح مدى الاختلاف في النظر إلى إيران كمهدد لأمن الخليج من قبل النخب الخليجية؛ فيؤكد نفر من هذا الاتجاه أن الاتحاد سيكون مبنيا على العداوة لإيران، ويؤكد أن إيران ليست بذلك العدو الذي ينبغي الخوف منه، وأن أساس العداء الخليجي لإيران غير سليم، وهو يرى أن"الإتحاد" المنشود والذي اقترحته بعض دول المجلس هو ضد إيران وهو اتحاد عسكري فقط، واتحاد شكلي وفي نقطة واحدة.
3- الاتجاه المتحفظ أو المتردد:
بين الاتجاهين السابقين نشأ اتجاه ثالث..، هو الاتجاه المتحفظ أو المتردد. هذا الاتجاه يربط الاتحاد بتوافر ظروف أو شروط معينة، ويدعو إلى عدم العجلة، فهو لا يرفض الفكرة، ولكنه لا يرى أنها ممكنة التحقق في ظل الظروف الراهنة، ومن ثم يرى أن هناك أمورا ينبغي عملها أولا:
أ- الإصلاح الداخلي أولا: يؤكد د. محمد المسفر "أن أي اتحاد في الخليج لا يحظى بإجماع شعبي عبر استفتاء نزيه وشفاف سيؤدي إلى أزمات يستعصي حلها. ويؤكد أن وحدة الجبهة الداخلية في دول المنطقة أهم من أي اتحاد، وأن الهروب من الواقع المخيف لبعض دولنا إلى قيام اتحاد خليجي قبل حل الأزمات الداخلية في كل دولة على حدة أمر يؤدي إلى الفشل بل سيؤدي إلى تفاقم الأزمات. ويؤكد أنه لتجاوز مرحلة التنسيق إلى مرحلة الوحدة تحتاج دول المجلس أن تقوم بإصلاحات داخلية في كل مناحي الحياة.
ب- حاجة الفكرة إلى الدراسة: إن الدعوة إلى إنشاء الاتحاد جاءت بشكلٍ سريع، وهي عبارة عن مبادرة لخادم الحرمين الشريفين، أملتها الاستجابة لواقع التهديدات الإقليمية الحالية، وخروج القوات الأمريكية من المنطقة، وتعاظم النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، واستفزاز الحكومة الإيرانية الحالية لدول الخليج العربية سواءً في البحرين أو في الإمارات العربية المتحدة..، والأمن لا يمكن أن يكون وحده أساساً لبناء وحدة سياسية.
ت- استيفاء الشروط الإجرائية: أن قاطرة الاتحاد تحتاج إلى أيدٍ كثيرة لدفعها إلى الأمام، منها الحاجة إلى استشفاف آراء مجالس الشورى والأمة في الدول الأعضاء للحصول على دعمها ومساندتها للفكرة. حيث لا يكفي تبني توصيات لجنة أو هيئة مشتركة من المتخصصين، بل يحتاج الأمر إلى اجتماعات مكثفة ومتتالية لوزراء ذوي صلاحية في اتخاذ القرار، ولعملية طويلة من التفاوض. وهذا يعني أنّ تسارع القبول للفكرة لن يكون على وتيرة واحدة في جميع الدول الأعضاء. وربما تتعايش منظمتان إقليميتان مع بعضهما بعضاً، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والاتحاد العربي الخليجي المقترح.
وردا على التباين الشديد بين وجهات النظر الثلاث السابقة، نشأ اتجاه براجماتي واقعي يتعامل مع فكرة الاتحاد بمرونة وانسيابية، على نحو يجعلها تناسب الحد الأقصى الممكن في الواقع الخليجي، وبناء على إلمام بتفاصيل هذا الواقع، فلم يتفاءل مع المؤيدين، ولم يناهض طروحات المترددين والرافضين، ولم يأخذ على المتحفظين. هذا الاتجاه لم يتوقف كثيرا على حقيقة الاتحاد أو تقديم قراءات محددة لطبيعته وشكله. كان أكثر المقالات تعبيرا عن هذا الاتجاه البراجماتي مقال عبد الرحمن الراشد بصحيفة الشرق الأوسط (أنا ضد اتحاد خليجي كهذا!)، أكد أنه ضد الاتحاد الخليجي المقترح، إذا كان يعني إلغاء التمايزات السياسية أو الديمقراطية بين الدول الخليجية أو الحقوق والحريات الإعلامية وحقوق المرأة بين دول المجلس أو اتحادا ينقل الجوانب السلبية بين دول المجلس وبعضها أو يقف ضد تطور الدول، وأنه ضد أي اتحاد يقيد أي دولة أو يلزمها بقوانين الأخرى أو يلغي شخصية الدول. ويبرر هذا الرأي فكرة الاتحاد بالقول بأن المسار التعاوني قطع مسافة جيدة ولم يعد بصيغته الحالية مجرد تعاون، وأن الواقع اليوم بين دول المجلس هو أقرب إلى الاتحاد، مؤكدا أن هذا الاتحاد لن يكون وسيلة لإخضاع نظام أو إلغاء هوية أو خصوصية أو تهميش طائفة أو دعم نظام شعب، وأن السعودية عراب المشروع هي الأقل انتفاعا منه.
رابعا: دوافع الاتحاد ودواعيه
تمثلت أهم الأسباب والدوافع التي طرحتها النخبة الخليجية للاتحاد الخليجي فيما يلي:
(1) التهديدات الداخلية: منها أن القوة السياسية للنخب الحاكمة لم تعد كما السابق، وأن هذه القوة انتقلت من النخب الحاكمة إلى الشعوب بفضل تطور شبكات التواصل الاجتماعي. ولم تعد الصيغة التعاونية الحالية لمجلس التعاون ملائمة للمرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة. لذلك دعت النخبة إلى تكريس السيادة للقانون عملا وليس قولا، بحيث تكون دول الاتحاد دول مؤسسات بالمعنى الحقيقي. وطالب البعض بمنظومة لحقوق الإنسان بعيدة عن التقسيم إلى "شيعي" و"سني" وبعيدة عن لغة الطوائف والقبائل والأقليات؟. ودعا البعض مجلس التعاون إلى الانفتاح على مجتمعاته من خلال التجربة البرلمانية، وأن يرتقي الاتحاد بالمجتمع وبحقوقه. وتحدث البعض عن خطين متوازيين، خط المنظومة الخليجية التي تتوحد في منظومة كونفدرالية، وخط منظومة المجتمعات المدنية وتأسيس الدول على مفهوم المواطنة الحقيقية، واعتبر أن منظومة الإصلاحات ضرورية للانتقال إلى مرحلة الإتحاد الكونفدرالي.
(2) الدوافع الإقليمية: وفي هذا السياق تحدثت النخبة بشكل مكثف عن الخطر الإقليمي النابع من إيران على وجه التحديد، باعتباره أهم الأسباب والدوافع للاتحاد الخليجي، فأوردت النخبة من بين الدوافع الإقليمية:
أ- الفراغ الاستراتيجي واختلال التوازن الإقليمي: فيؤكدون أننا الآن في مشهد آخر، فبعد خروج العراق من التوازن الإقليمي انحصرت موازين القوة في المنطقة بين إيران وأميركا، وتخلخلت موازين القوى» في الخليج العربي». وأن دول الخليج العربي ذات الوفرة البترولية والغازية والموقع الاستراتيجي وعظم المساحة وقلة السكان تعتبر صيدا سمينا في ظل المطامع المحيطة بها والتي تشكل إيران أحد أقطابها. حيث النفوذ الإيراني طاغ في العراق وعلى خط الجوار بين البصرة والكويت متطلعا جنوبا نحو الامتداد الخليجي عبر الكويت ومغذيا حالة الحراك الساخنة داخل البحرين ومتعديا الجغرافيا إلى خطوط الإمارات، وقافزا على الربع الخالي متجها شمالا نحو المملكة العربية السعودية، ومشاركا في محاربة الشعب السوري ضد الاستبداد البعثي – العلوي، ومسخرا آليته القوية في لبنان متمثلة في حزب الله. وإذا أضيف إلى ذلك جهودها في كل من اليمن واريتريا وجزر البحر الأحمر نجد أنها تسعى لمحاصرة دول الخليج من جميع الجهات بما في ذلك نشر أساطيلها البحرية في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر. ولقد شبه البعض ما يحدث في المنطقة وحولها بإرهاصات بداية ثمانينيات القرن الماضي الأمر التي أدت إلى إنشاء مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا السياق تحدث قطاع من النخبة عن الكشف عن مشروع سيعرض على البرلمان الإيراني لإنشاء محافظة إيرانية جديدة سيطلق عليها "محافظة الخليج الفارسي"، وتكون عاصمتها جزيرة "أبوموسى" المحتلة. لذلك رأوا في الاتحاد ضرورة لإحداث توازن استراتيجي بين ضفتي الخليج العربي ويهدف لعمل توازن ندي مع إيران .حيث آن لدول الخليج أن تواجه الاختراقات التي تمكنت إيران من تحقيقها مستغلة تمزق الصف الخليجي والصراع البيني. ومن منطلق ذلك يرون أنه لم تعد فكرة الاتحاد في هذه المرحلة الحرجة مجرد خيار لدول المجلس الخليجي، ولكنها أصبحت لزاما لا مفر منه، وأمرا حتميا لمواجهة التحديات الناجمة عن الصلف الإيراني في التعامل مع دول وشعوب المنطقة.
ب- جديد "الربيع العربي": رأت النخبة الخليجية أن الربيع العربي سيفرض ارتدادات على دول الخليج، ليس فقط لتوقع تعاظم المطالبات السياسية الداخلية في دول المجلس، ولكن أيضا لأن دور دول المجلس الذي برز في دول الثورات قد يستتبع ردات فعل انتقامية من بعض دول الثورة. ودللوا على ذلك بالسلوك السوري الذي لا يخفي غمزه غير البريء بأوضاع حقوق الإنسان في دول المجلس، وبحديث القيادات التي تقود الآن في كل من مصر وتونس بثقة نحو العالم بأن الرأي العام العربي الجماهيري معها، ولفت النظر أن تواصلها مع القيادات الخليجية يحمل نشوة الانتصار، وفيه أثقال الضغط، مشيرين إلى حوار لأحد الزعامات التونسية تحدث عن حتمية المساهمات الخليجية في بناء الخراب الذي تركته قيادات الماضي في دول الربيع العربي، وأن هذه المساهمات حق تقدمه دول الخليج إلى المناطق المتأثرة، وليس عونا أو مساهمة، وإنما ثمنا يقنع الرأي العام بأنها صادقة في تمنياتها لشعوب الربيع العربي. ويتوقع بأن شكلا من أشكال حكم «الإسلام السياسي» في بلد مثل مصر معطوفا على تونس وليبيا، سوف يؤثر بالتأكيد على بلاد الجوار المشابهة في التركيب الأيديولوجي. وعلى الرغم من إدراك النخبة أن دور دول المجلس في الثورات العربية كان مطلوبا منها بحكم إمكانياتها وقدراتها -وطنياً وقومياً- كي تسد الفراغ الأمني والسياسي العربي الكبير والناشئ عن زلزال الاضطرابات في بعض الدول العربية، إلا أن ذلك لم يمنع البعض من استنتاج أن المعركة القادمة في الشرق الأوسط ستكون مركزة على دول الخليج، لأنها تمثل الخاصرة اللينة في وضعها الحالي. من هذا المنظور أكد البعض أن الرد الخليجي المنطقي هو بأن يكون هناك كيان سياسي موحد وقادر على مواجهة التحديات، وأن هذا الإتحاد هو خطوة لمواجهة تحديات المرحلة، لأن الربيع العربي سوف يعيد رسم الخارطة السياسية والتحالفات في المنطقة.
(3) الدوافع الدولية: تركزت بالأساس على جانبين:
أ- التحولات في الاستراتيجية الأمريكية: تحدث قطاع من النخبة عن وجود خطط سياسية غربية لإعادة تشكيل المنطقة، وتغيير الأنظمة السياسية القائمة، مؤكدا أن هذه الخطط كانت موجودة سابقاً، ولكنها مفعّلة الآن وقيد التنفيذ. وتحدث البعض عن صفقة بين إيران والغرب بمباركة من الولايات المتحدة، تمكنها من استقطاع بعض الخليج لتليين العداء القائم؟ وقد دفع إدراك التحول الاستراتيجي في الفكر الأمريكي بشأن الخليج بالبعض إلى التأكيد على ضرورة انتهاء التعويل على الحماية الأمريكية لأن الولايات المتحدة لم يعد يهمها إلا ما يحقق مصالحها. وأنه مع تعاظم شهية إيران تتناقص رغبة الولايات المتحدة المدافع الرئيسي عن منطقة الخليج -بعد فشلها في العراق- وانشغالها بقضاياها الاقتصادية. إن ذلك هو بالتحديد ما دفع عبد الرحمن الراشد إلى طرح سؤاله محاولا التكهن بالمستقبل: (سيأتي يوم تفاجئ فيه إيران دولة خليجية بمعركة تحت ذريعة ما، وقد تتلكأ واشنطن في خوض المواجهة، هنا هل سيكون المجلس -بلغة «التعاون»- ملزما بالدفاع المشترك، أم أن كل دولة لذاتها في ظروف تزداد تعقيدا، داخلية وخارجية؟). واعتبر محمد الرميحي استمرار الركون إلى الحماية الأمريكية ضرب من ضروب الوهم، مؤكدا "أن أكبر أوهام الخليج في هذه الفترة الحرجة أن الولايات المتحدة يمكن أن تهرع من جديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لو نفذ الإيرانيون بعض تهديداتهم في تعطيل الملاحة حوله أو حتى احتلال بعض أجزائه". فقوة الولايات المتحدة، التي ركن إليها الأمن الإقليمي، في تراجع في منطقة حساسة، هي حوض الخليج العربي، فهي ترغب في تدفق النفط والحفاظ على السلم، إلا أن رغبتها لا تترادف مع قدرتها الدبلوماسية أو شهيتها العسكرية، في ضوء عام أمريكي تجري فيه الاستعدادات لانتخابات مفصلية. لذلك يؤكد أن أخطر ما يواجه مجلس التعاون هو «التفكيك» وأفضل ما ينجيه هو «الاندماج» الجاد، بل أكد البعض أنه ليس بإمكان دول المجلس الاستمرار ككيانات قائمة في المنطقة بعد 50 عاماً من الآن إذا لم تتعامل مع هذه التغيرات بجدية تامة.
ب- على خلاف النقطة السابقة، تؤكد وجهة نظر داعمة لفكرة الاتحاد أهميته ليس لتحولات الاستراتيجية العالمية، وإنما لاستمرار أهمية النفط للعالم. فالجزيرة العربية تُعتبر من أهم مناطق العالم على الإطلاق، لما تحتوي عليه من مخزونٍ استراتيجي للمواد الأولية، وتحديداً النفط والغاز، ومهما قيل من تفسيرات للصراعات الإقليمية والعالمية في السنوات الأخيرة، فإن قسطا كبيرا منها يدور حول طاقة النفط. ولما كان الخليج يزخر بأعظم مخزون نفطي، فإن الصراع فيه وحوله لا يكاد ينتهي. ولذلك فإن الضرورة النفعية المادية الحياتية تستدعي مواجهة هذه المخاطر بـ«استراتيجية متحدة». كما أن التوازن والاستقرار في الخليج لفترة مقبلة يحتاج للتفكير «خارج الصندوق»، والدعوة إلى الاتحاد هي دعوة استراتيجية وتأثيرها تاريخي لمن يمد بصره بعيدا عن موضع قدميه.
خامسا: مجالات الاتحاد وعوائده
تراوحت أولويات ومجالات الاتحاد في فكر النخبة بين المدخل الاقتصادي والمدخل السياسي الأمني. وفي الأغلب ركزت الأغلبية على الجانب السياسي الأمني باعتباره الأساس الذي انطلق منه مجلس التعاون، فأكد أنصار المدخل الأمني أن الأمن الوطني لكل دولة خليجية لم يعد شأناً داخلياً بحتاً، إذ أن أغلب مخاطر ومهددات الأمن الوطني أصبحت عابرة للحدود، والصيغة الاتحادية هي الصيغة القادرة على ردع التهديدات والعدوان الخارجي. وفي ردهم على أنصار المدخل الوظيفي الاقتصادي أقروا بأن دول الخليج ستجني فوائد إذا ما طورت: تعاونها التجاري، ووحدت أنظمتها التجارية، وأقامت محكمة عليا للنزاعات التجارية، ونظاما موحدا للضريبة والجمارك، وغيرها من أوجه الشراكة الاقتصادية، ولكن حتى لو لم تتم تلك الخطوات، فإن هذه الدول باقتصاداتها النفطية قادرة على النمو بشكل فردي من دون تلك الخطوات لعقود مقبلة.
ومن ثم يجب أن تعطى الأولوية لتطوير التعاون الأمني بشكل يرتقي إلى التحديات الإقليمية. وتنظر وجهة النظر هذه إلى الاتحاد كضرورة حياتية مهمة لدول الخليج، وتدعو إلى إعلان إتحاد سياسي بين جزء من هذه الدول أو كل هذه الدول ووضع الجميع أمام أمر الواقع والتقدم في قضية الوحدة والتعاون. وترى أن الاتحاد يهدف إلى حماية الأمن القومي لدول الخليج وتوحيد المواقف السياسية المشتركة وصياغة سياسات داخلية متقاربة تعمل على تهيئة الشعوب الخليجية لتقبل فكرة الاتحاد.
وجهة النظر الأخرى تؤكد على انتهاج بالمدخل الوظيفي والاقتصادي، فرأوا أن العامل الاقتصادي أساسي، وانتقدوا الانطلاق من الأولوية الأمنية للاتحاد، مؤكدين أن المدخل الأمني وحده لا يكفي، وإنما الأساس المدخل الاقتصادي الوظيفي الذي يضع الأساس للاتحاد الأمني والسياسي ويفرض واقعا من الصعب التحلل منه، وفي ردهم على أنصار الاتجاه الأول اعتبروا أن المدخل الأمني إلى الوحدة سوف يأتي بالمنتج الخطأ؛ فدول الخليج 42 مليون ثلثيهم فقط خليجيين، وهناك دولتين فقط هما السعودية وعمان عدد الشعب فيهما يزيد عن عدد الأجانب. ويدعو أنصار هذا الرأي إلى البدء بتشبيك المصالح بين هذه الدول لفرض أمر واقع، من خلال: الاتفاق على التعرفة الجمركية، وربط هذه الدول بمواصلات حديثة، وربط كهربائي ومشاريع مشتركة للمياه، وتوطين التقنية، وخطط بعيدة المدى لتأمين الغذاء والدواء..، إلى آخر السلسلة الطويلة التي تمثل القاعدة لبناء مجتمع واحد يتبادل المنافع والمصالح.
وبين وجهتي النظر برزت وجهة نظر وسطية تؤكد أنه على الرغم من أهمية كل مدخل ونهج على حدة، إلى أنهما ليسا متنافسين بل متكاملين، فالطرح الأمني البحت يتجاهل أن التجارب الاتحادية الناجحة تعتمد في استمراريتها على جملة عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية. كما أن الأمن المشترك هو أولوية ترافق الوحدة الاقتصادية، لأن التنمية لا تستقر وتنجح إلاّ بشروط وجود أمني كبير يحمي الممتلكات والمكتسبات الوطنية.
كانت النخبة الخليجية واعية بحجم العراقيل والمعوقات أمام الاتحاد، من ذلك ما رأته في: التمسك بمبدأ السيادة التي تظهر كالمهدد الأكبر أمام نجاح فكرة الاتحاد. كما طرح البعض واقع اللامؤسسية والشخصانية والأسر الحاكمة والجمع بين الحكم والتجارة، والدولة القطرية أصبحت راسخة وتمايز الهويات الوطنية أصبح متجذرة في الثقافة الشعبية. وبينما دعا البعض لأن يتم الإعلان مبدئيا عن الاتحاد وان يؤجل الفعل لمزيد من الدراسة ومعرفة ردود الأفعال والتأهب لمواجهة هذه الردود، حذر البعض الآخر من فشل فكرة الاتحاد، مشيراً إلى أن ذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية، ربما تجعل رياح الربيع العربي تصل إلى الخليج. لذلك اعتبر البعض أن القرار الذي اتخذته القمة الخليجية التشاورية في مايو بتأجيل البت في مشروع الاتحاد لمزيد من الدراسة.. لم يكن في صالح العمل الخليجي المشترك. وكتب محمد الرميحي معلقا على قرار القمة بأن ترك موضوع الاتحاد إلى «البيروقراطيين» وتسويفه إلى أجل غير مسمى هو أمر يبتعد عن النظرة الاستراتيجية، مرجئا ذلك إلى التردد والمراوحة في المكان والتحجج بالصغائر التي تريد الاحتفاظ بالجزء وربما تخسر الكل. وأكد البعض في مقابل ذلك أنه سواء عجل بالاتحاد الخليجي أو تم على مراحل فهو قادم. وانتقد آخرون من يشككون بإمكانية الاتحاد أو فائدته.
وأخيرا، أقرت النخبة بالعوائد التي يمكن أن تتحقق عن الاتحاد، فرأى البعض أن الاتحاد سيحقق كل الأهداف الأمنية والاقتصادية والسياسية، وعلى حد ما وصف يوسف مكي، فإن هذه الوحدة هي "مركب النجاة" في وجه التدخلات الخارجية بمختلف أشكالها. وستكون أبرز مهمات الاتحاد الخليجي تحصين المنطقة إزاء التهديدات الإقليمية وإيجاد أرضية قوية لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه مسيرة التنمية بين هذه الدول. واعتبر آخرون أن الاتحاد سوف يدمج القوة العسكرية للدول الست في قوة واحدة ويدمج القدرات الأمنية لها، وذلك سوف يثبت مبدأ أن الاعتداء على أي دولة خليجية هو اعتداء على بقية دوله، وبذلك تسقط ادعاءات إيران أن دول الخليج تتدخل في شؤون بعضها البعض، كما زعمت عند دخول قوة درع الجزيرة إلى البحرين. ومن ثم سيقلل من فرص نجاح الأطماع الإيرانية القديمة بالبحرين، والتي مازالت حاضرة لدى صانع القرار والمؤسسات التشريعية. وأكد آخرون أن الشكل السياسي للاتحاد عند اكتماله سيولد قوة سياسية عظمى في المنطقة ستكون ذات شأن على المستوى الدولي ومؤثرة في القرار العالمي في الأمم المتحدة وعند الدول العظمى خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الخليج بالاتحاد سيكون له وزن دولي أثقل ودور إقليمي أفعل وسيكون أقدر على مواجهة التحديات الخارجية الهادفة إلى تأجيج الطائفية وتوظيفها لخدمة الأجندة الخارجية وإضعاف النسيج المجتمعي الخليجي. علاوة على كل ذلك نظر البعض إلى مكاسب الاتحاد فيما يتعلق بالوضع الداخلي الخليجي، على أساس أنه سيزيد من سهولة انتقال المواطنين ورؤوس الأموال ضمن أقطاره وسيؤدي إلى تلبية متطلبات شعوبه، وطموحات شبابه.
وتنامت تقديرات اقتصادية بأن الدول الخليجية في حال حققت مبادرة خادم الحرمين الشريفين وانتقلت إلى مرحلة الاتحاد فإن نصيب الفرد الخليجي من إجمالي الناتج المحلي للدول سيتضاعف عن ما هو عليه الآن أربع مرات.